يعتبر كتاب «أسرار الصندوق الأسود» مستودع أسرار كما يصفه مؤلفه الإعلامي غسان شربل حيث يحكي من خلاله مسيرة أربع شخصيات نضالية عملت في سبيل القضية الفلسطينية هي.. الفنزويلي الأصل اليتش راميريز سانشيز الشهير في العالم باسم كارلوس والراحل الشهير الدكتور وديع حداد مسؤول عمليات المجال الخارجي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والراحل الدكتور جورج حبش الأمين العام للجبهة الشعبية.

أما الرابع فهو اللبناني أنيس النقاش الذي حاول اغتيال شهبور بختيار آخر رئيس حكومة ايراني في عهد الشاه والمتهم بالهجوم على مقر أوبك. يقول غسان شربل في معرض وصفه لهذه الشخصيات : لي في هذا العالم أصدقاء قساة، خطفوا طائرات، احتجزوا رهائن، زرعوا عبوات، زوروا باسبورات وتحايلوا على المطارات اختاروا أسماء مستعارة وعاشوا في ظلها. تمردوا على الظلم وطاردوا العدو في كل مكان وعادوا من الرحلة هذا أصيب في روحه وقهرته الأيام. وذاك أصيب في جسده ويعيش مع الأدوية والذكريات. وثالث دفن على بعد آلاف الأميال من التراب الذي كان يناديه. ويشير المؤلف إلى أن الوصول الى رفاق حداد لم يكن سهلا وإنما شاق ومنهك فقد أدمنوا العمل السري واختاروا العيش في الظل حيث يعيشون في أماكن متباعدة ولم يعد يربط بينهم غير خيط الذكريات والوفاء لحداد.

نفذوا بعد غيابه عمليات لا تزال تمنعهم من كشف وجوههم وأسمائهم، ولذلك فإن حلقة ضيقة جدا تعرف أرقام هواتفهم وعناوين أماكن إقامتهم. ولم لا وهم رجال تدربوا على الحذر والشك والاحتراز. كان المؤلف كلما اتصل بواحد منهم يسأله من أين حصل على رقمه وبواسطة من؟ كان لا بد من إقناعهم والفوز بثقتهم وتدريبهم على التحدث أمام آلة التسجيل المفتوحة.

وطمأنهم المؤلف الى أن الأشرطة لن تسقط في يد أحد آخر وحين وافقوا على التحدث احتفظوا بشرط وحيد هو عدم ذكر الأسماء التي كانت لا تزال مدرجة على لوائح الإرهاب. كما عثر المؤلف في الصندوق الأسود على ما لم يكن يتوقعه حيث قال أحد المتحدثين أنه بعد ساعات من قصف الموساد منزل وديع بالصواريخ في بيروت ذهبت إليه صباحا وجدت شابا يجمع كسر الزجاج لكن ليس من المناسب كشف اسمه فأغلق المؤلف آلة التسجيل وسأل عن الاسم وجاءه الجواب : رفيق الحريري.

وفي قريطم سأل غسان شربل الحريري لاحقا عن القصة فرد بابتسامة معترفا ومسارعا الى القول: لماذا تحب نبش الماضي دعنا نفكر في المستقبل. وحسب المؤلف من خلال أحد متحدثيه فقد نجح حداد في تجنيد شباب يساريين من جنسيات مختلفة وأرسلهم في مهمات في أوروبا وبينهم شاب كردي عراقي يساري يلعب حاليا دورا قياديا. أغلق آلة التسجيل وسأل فجاءه الجواب : جلال طالباني. وبعد أعوام يقول المؤلف أنه سأل طالباني عن القصة وفاجأه باعترافه بصحتها.

ويذكر المؤلف أنه في الأسبوع الأول من سبتمبر 2001 وقبل الأحداث المشهورة التي وقعت في التاسع منه ومثلت بداية مرحلة جديدة من عمليات شبيهة ولقضية مختلفة نشر موضوعا في مجلة زالوسطس وكان غلافها صورة لوديع حداد مهندس خطف الطائرات مضيفا لم يكن أحد يتوقع أن يكون العالم بعد أيام على موعد مع طائرات أسامة بن لادن.

لقد قرأ كارلوس ما نقلته وكالات الأنباء وصحف أجنبية عن غابة أسرار المجال الخارجي ونجح في معرفة أسماء بعض المتحدثين خصوصا الرجل الثالث الذي كان حاضرا اللقاء الأخير بينه وبين حداد وعلى ذلك لم يعد التشاطر ممكنا بعد أن كان يراوغ في الإجابة على أسئلة المؤلف، فكتب القصة الكاملة لعملية احتجاز وزراء النفط في فيينا وأرسلها له بعد أن فشل المؤلف في لقاء كارلوس لعدم سماح القضاء الفرنسي بزيارته في سجنه.

وفي القلب من هذه القصة يشير المؤلف الى دور أنيس النقاش مساعد كارلوس في عملية احتجاز الوزراء والذي التحق في مراحل مبكرة بالثورة الإيرانية وتردد اسمه في العالم حين حاول اغتيال رئيس الوزراء الإيراني السابق شهبور بختيار في باريس حيث وقع في قبضة الفرنسيين وأمضى عقدا في الحبس والغريب أن المحققين، حسب المؤلف، لم يسألوه عن دوره في أوبك. ومن خلال النقاش يقدم شربل داغر القصة كاملة لعملية أوبك من خلال لقاء جري بين الاثنين في بيروت.

ويشير المؤلف إلى أن رفاق وديع الذين التقاهم يمثلون نموذجا لم يعد شائعا إنهم أنقياء في هذا العالم الملوث حاول أن يشتري دواء للرجل الذي أقعدته رصاصات الموساد فرفض وقال: تحدثت إنصافا لوديع. إذا قبلت ثمن الدواء فسأشعر أنني بعت الأسرار. إن هذا الرجل الذي يعيش ظروفا مالية بالغة الصعوبة حسب المؤلف هو الرجل الذي تسلم حقيبة الخمسة ملايين دولار.

المؤلف في سطور

كاتب وصحافي لبناني رئيس تحرير جريدة الحياة اللندنية، أصدر من قبل العديد من الكتب منها «لعنة القصر» وكتاب ذاكرة الاستخبارات حوارات مع: جميل السيد، غابي لحود، جوني عبده، محمود مطر وكتاب «جورج حاوي يتذكر الحرب والمقاومة والحزب» وآخر بعنوان «في عين العاصفة حوار مع الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين».

رحلة البحث الشاقة

عثر غسان شربل حسب وصفه على الصندوق الأسود.. فقد التقى الرجل الذي كان الى جانب سرير حداد لدى وفاته وسأله ان كان حداد مات مسموما. كما التقى الرجل الذي تولى القيادة بعده والرجل الذي شارك في خطف حبش من سجنه في سوريا والرجل الذي تسلم من ألماني غربي هبط في مطار بيروت حقيبة تحوي خمسة ملايين دولار مقابل الإفراج عن طائرة لوفتهانزا.

كما التقى من شارك في عملية مطار الثورة في الأردن وفي عملية عنتيبي التي تحولت الى مأساة ومن شارك في التخطيط لعملية اللد التي نفذها يابانيون والتقى الرجل الذي أشرف على تدريب كارلوس في معسكر جعار في اليمن الجنوبي وحكى هؤلاء عن علاقة المجال الخارجي بالعراق وليبيا والجزائر.

ألفت عبد الله

الكتاب: أسرار الصندوق الأسود

تأليف: غسان شربل

الناشر: رياض الريس للكتب و النشر بيروت 2008

الصفحات : 433 صفحة

القطع: المتوسط