يتابع جورج طرابيشي في كتابه الجديد «المعجزة أو العقل في الاسلام» ما أثاره في كتابه السابق «العقل المستقيل في الإسلام»، ويجري بحثه عن العوامل الذاتية لأفول نجم العقلانية العربية الإسلامية، ليجد نفسه أمام عامل لا متوقع، هو المعجزة ومنطق المعجزة في الموروث العربي الإسلامي.
ويرى بأن هذا العامل غائب عن «القراءة الجابرية» نسبة إلى (المفكر المغربي محمد عابد الجابري ) ذات المنزع «البراني» في التعليل، ولكنه حاضر كل الحضور في مأساة سقوط العقل العربي الإسلامي من داخله.
وخلال تقصيه طبيعة الإسلام الأول، وتحديداً المكي، يجد أن هذا الإسلام قد بنى مصداقيته، بالتمايز عن الديانتين التوحيديتين اللتين سبقتاه، على «معجزة» واحدة يتيمة هي الإعجاز القرآني. وأن هذه المعجزة، بخلاف سجل المعجزات في الديانتين السابقتين، اليهودية والمسيحية، ليست من طبيعة مادية، بل من طبيعة عقلية.
ويعتبر المعجزة العقلية التي مثلها الإعجاز القرآني ما كان لها من فاعلية إقناعية إلا بالنسبة إلى أهل اللغة التي نزل بها القرآن، أي العربية، حيث نصّ القرآن في أكثر من آية على أنه ما أنزل بها حصراً إلا لقوم «يعقلون». لكن الأمور تغيرت مع إسلام الفتوحات، إذ ما كان لشعوب البلدان المفتوحة أن «تعقل»، لأنها كانت تجهل العربية جهلاً تاماً.
وبانتظار أن تستعرب نخبها المثقفة ابتداء من النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة وتشرع بعملية تقنين الإعجاز القرآني، ابتداء بالجاحظ والواسطي ومروراً بالجرجاني والبقلاني وانتهاء بالرازي والرماني والزملكاني، فإنه ما كان لتلك الشعوب الأعجمية أن تأخذ طريقها إلى الإسلام وتدخل في دين الله أفواجاً، اقتناعاً وليس فقط استكراهاً، إلا من باب المعجزات الحسية التي لم يكن ثمة مناص من أن تنسب إلى الرسول (ص) .
ومن منظور التركيبة السكانية لبلدان الفتوحات يبني طرابيشي التحول الانقلابي في الإسلام من لاهوت الرسالة إلى لاهوت المعجزة، مع كل ما ترتب على هذا من تحول أيضاً من تشغيل نسبي للعقل بصدد «المعجزة العقلية» التي جسدها القرآن .
ويؤكد طرابيشي على أن المعجزة في الإسلام ليست هي التي خلقت الإيمان، بل إن الإيمان هو الذي خلق المعجزة، حيث لم تنشأ أدبيات المعجزات وتتطور إلا بعد أن أسلم ليس فقط أهل الصدر الأول والثاني، بل كذلك أجيال متتالية من سكان البلدان المفتوحة.
ويخلص إلى القول بأنه في زماننا المعاصر، يبدو العالم العربي والإسلامي مهدداً بالارتداد نحو قرون وسطى جديدة، وبالتالي فإن عملية استئناف الإقلاع نحو الحداثة، التي كان لاح بارقها مع عصر النهضة قبل أن يخمد، تحتاج إلى ثورة كوبرنيكية على صعيد العقل أي إلى ( مقدرة المجتمعات البشرية على أن تجهز نفسها بنظم تمثيل ومؤسسات وعمليات وقواعد وطقوس وقيم مشتركة وممارسات.
لكي تسير ذاتها بحركة طوعية) وعلى صعيد عالم العقل الذي هو التراث والتأويل الموروث للتراث، بوصفها الشرط الشارط. ويأخذ هذا الانقلاب الكوبرنيكي المنشود في الثقافة العربية الإسلامية شكل عودة الإسلام القرآني دون ما عداه. والمؤهلون، اليوم، للقيام بدور ريادي في هذا الانقلاب هم «القرآنيون الخلص»!
والملاحظ أن جورج طرابيشي يقدم في هذا الكتاب أموراً وقضايا تستحق النقاش حولها، مع أن الإسلام لا يمكن النظر إليه نظرة تعميمية خلال عصور عديدة. فالنشأة تختلف عن المراحل اللاحقة المختلفة بدورها، فضلاً عن دور الخلفاء والسلاطين والأمراء الذين ساهموا في صناعة الأحداث والوقائع التاريخية.
ويبدو أن منطق المقايسة قد حكم نظر طرابيشي لموضوع كتابه، مقايسة الإسلام بالمسيحية واليهودية، ومقايسة العالم العربي الإسلامي بالعالم الأوروبي المسيحي، مع أن مقولة العوالم ذاتها تحتاج إلى نقد وفكفكة. كما أن «القرآنيين الخلص» مقولة أيضاً تحتاج إلى متحققها كي ينهضوا بالدور الذي رشحهم له في الانقلاب الكوبرنيكي المنشود.
المؤلف في سطور
مؤلف هذا الكتاب هو المفكر السوري جورج طرابيشي. ولد في حلب، وتخرج من جامعة دمشق حاملاً الإجازة في اللغة العربية، وعمل مديراً في إذاعة دمشق (1963-1964)، ورئيساً لتحرير مجلة «دراسات عربية»، وأصدر وترجم العديد من المؤلفات. من مؤلفاته: «سارتر والماركسية»، «والماركسية والمسألة القومية»، «النزاع الصيني السوفييتي»، و»الاستراتيجية الطبقية للثورة»، و«لعبة الحلم والواقع في أدب توفيق الحكيم».
و«الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية»، و«شرق وغرب، رجولة وأنوثة«، و»الدولة القطرية والنظرية القومية«، و»معجم الفلاسفة»، و«المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعصاب جماعي»، و«مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة»، و»في ثقافة الديمقراطية»، و«مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام»، و«من النهضة إلى الردة».
و«العقل المستقيل في الإسلام: نقد نقد العقل العربي (4)»، و«وحدة العقل العربي: نقد نقد العقل (3)»، و«إشكاليات العقل العربي: نقد نقد العقل العربي (2)»، و«نظرية العقل: نقد نقد العقل العربي (1)»، و«هرطقات عن الديمقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية». ومن ترجماته: مؤلفات »جان بول سارتر»، ومؤلفات «سيمون دي بوفوار»، ومؤلفات «روجيه غارودي»، و«زوربا - نيكوس كازنتزاكي»، و«موسوعة علم الجمال: هيغل»، ومؤلفات «سيجموند فرويد».
عمر كوش
الكتاب: المعجزة أو سبات العقل في الاسلام
تأليف: جورج طرابيشي
الناشر: دار الساقي ـ بيروت 2008
الصفحات : 189صفحة
القطع: الكبير
