يعتبر كتاب عزت عمر الجديد الموسوم « استعادة المشترك الإنساني» رؤية جديدة في القصيدة العربية الحديثة ، وهو يتابع تطور الحداثة الشعرية منذ عهد النهضة والوقوف عند محطات عديدة خاصة تلك التي شكلت انتقالات حداثية
الكتاب يحوي على بابين حيث نقرأ في الباب الأول محاور عدة في إطار عنوان «تقويض فاعليات الخطورة، العودة إلى لغة المشترك الإنساني الأول، ليسبر الباحث الغور ما بين الذاكرة واللغة والخطاب، ثم البنية النصية الجديدة والمرجعية الثقافية، ثم من المفردة إلى الصورة، اللوحة، المشهد، ولعبة الضمائر، والزمن الدائري، وكل تلك المواضيع ترتبط بتجارب شعرية مختلفة كالشاعرة السورية مياسة دع وكذلك تجربة الشاعرة، البحرينية حمدة خميس مع البحر وأثره في القصيدة الحديثة ووفق ما نشر في مجموعتها«مس من الماء» ثم ينتقل إلى تجربة الشاعر إبراهيم الملا من خلال ديمومة الشعر وتجدده ويقول الناقد: »قارئ إبراهيم الملا مهما كان موقفه من قصيدة النثر، سيحب أشعاره.
إذ ليس لإنسان مهتما بالشعر أن يتخذ موقفاً من متعة جمالية فائقة يقدمها له الشاعر كهدية مباغته غلفت أحسن تغليف بيد فنان ماهر ثم يواصل مع إبراهيم الملا سفره ومتابعة لعدد من القصائد التي تبين المدى الذي ذهب إليه الملا في لغته الشعرية المستفيضة .
وفي شحن المعاني، لينتقل بعدها إلى تجربة «لينا الطيبي» في مرجعية ذاكرتها للحياة اليومية، أو مرجعيتها الأسطورية، أو السردية التراثية عند الشاعرة جاكلين سلام عبر ديوانها المحبرة أنثى والكلام ناقص، حيث يقدم الناقد قراءة مستفيضة يحيط بكل جوانب النص ومؤثراته وتأثراته لينتقل إلى صوت شعري آخر هو إبراهيم المصري من خلال قصيدته الزهر وردية .
ونقرأ بعد ذلك عن المرجعية الأسطورية عند الشاعرة فرات أسبر »شاعرة قادمة من الأسطورة، بل ربما امرأة اسطورية تسعى لاستعادة أزمنة عشتار أو غيرها من تلك الآلهة القديمة التي كانت تفكر بالبشر قبل التفكير بذاتها .
إلا أن عزت عمر يقدم لنا صوتاً شعرياً آخر هو خالد البدور من خلال مجموعته الشعرية شتاء، ويشير إلى موت البطل وبروز أساطير الموت، والرمزية في عنوان المجموعة، ومن ثم الذاكرة وأزمنة البراءة إن ذاكرة الشاعر سوف تواظب على الشعر باتجاهات الزمن المختلفة التي تعايش خلالها الحبيبان، بل كأن المجموعة بأكملها.
نهضت بنائياً على أسلوبية التداعي واستحضار ما يمكن استحضاره من الماضي القريب أو البعيد لتتراكم صور ومشاهد كثيرة يمكننا توصيفها بأزمة البراءة التي بدأت من الطفولة ولم تنته بعد .في الباب الثاني نسافر مع عزت عمر وهو يفتش عن الذين أضاعوا مشترك المكان، ويبدأ مع صوت متميز عرفه الشعر العربي، بكل ما حققه من تطور وحداثة وإشكالية، صوت محمد الماغوط:
الطيور الجميلة البيضاء
ترحل دونما عودة في البراري القاحلة
يتناول الناقد فلسفة التعبير عن المشاعر الإنسانية، والبحث، عن مشترك المكان عند الماغوط من خلال قصيدة النثر الذي كان أحد فرسانها، وينقلنا إلى فهم فكر الماغوط من خلال ما كتبته عنه زوجته الشاعرة سنية صالح، ثم نعيش حالات التمرد والتشرد من خلال سيرة شعرية، كان الحزن سمة من سمات الشاعر.
إلى جانب رفضه وتمرده هذه التجربة المرة شكلت أرضية الحزن التي يمكن اعتبارها نقطة مرجعية، ينطلق الشاعر منها وإليها يعود، فأخذت مجموعته الأولى اسم (حزن في ضوء)، والثانية (الفرح ليس مهنتي) وهي بمقدار ما هي تجربة شخصية، إلا أن الشاعر تمكن تعميمها إنسانياً .
ويواصل عزت عمر قراءاته عن الماغوط خلال الخطاب السياسي ومرجعياته الأسطورية، والرموز التي اعتمدها بعيداً عن النخبوية الشعرية أو الحشو الكلامي أو المناصات والتسميات ليبين أن الشعرية ترتبط بعلاقة الشاعر مع مشتركه المكاني .
وبقدرته على التعبير عما يحرك مشاعر وعواطف الناس في هذه اللحظة الزمنية ينتقل الباحث إلى صوت آخر، الدكتور علي جعفر العلاق وممالكه الضائعة ليسافر معه مع سيميائية العنوان، ومن ثم الخطاب بوصفه عيناً ثالثة، وشق الأنوثة والذكورة، وعوالم الشاعر السريالية عبر الصور الشعرية:
أوقد النار.. يارعاة، سرير الليل ثلج، ووحشة، لا مرايا العشب، تحمي نعاسنا، لا اليمام، ورق النوم لم يعد، مثلما كان وديعا . وعزت عمر ينتقل إلى محمود درويش في «حضرة الغياب» بحثاً عن المنفى والحنين والعودة إلى الحاضنة الأولى من خلال زمن ملحمي، والغياب وآثاره، ورؤى درويش من خلال المشاهد الشعرية البصرية ومقارنتها مع كونديرا رؤية محمود درويش لا تختلف عما طرحه كونديرا من حيث الجوهر وربما هي أعمق .
ويبقى الناقد مع درويش، الذي يواجه الموت بالشعر بغية الانتماء إلى العالم ليسافر معه من محنته وجدلية المشترك الإنساني: أخذ الرعاة حكايتي وتوغلوا فوق مفاتن الأنقاض، وانتصروا على النسيان بالأبواق والسجع المشاع وأورثوني بحة الذكرى على حجر الوداع ولم يعودوا .
وينتقل عزت عمر إلى تجربة الشاعر حسين درويش، عبر مجموعته حديقة الغرباء، مشيراً إلى تجربته الحداثية، وفاعلية الشاعر في بنائية النص وفي استذكار السنوات الحياتية الأولى كمرجعية للقصيدة والشاعر.
بين قباني والماغوط
إن عزت عمر يقدم لنا قراءة افتراضية عمن يتبوأ سفارة الشعر بين قمتين من شعراء القرن العشرين، الماغوط، وقباني، ليقدم صورة مقارنة بين تناول الأشياء بينهما بما في ذلك دمشق «وإذا كان نزار ابن المدينة ذاتها قد استفاد من حضوره الشعري وصلاته الاجتماعية، فانتقل يجوب العالم سفيراً لها، إلا أن محمد الماغوط أبن الفقراء الذي كانت له تجربة مريرة مع سجونها وحياتها السياسية المعقدة، قرر أن يكون سفيراً شعبياً للفقراء والمتشردين».
عبدالإله عبد القادر
الكتاب: استعادة المشترك الإنساني
تأليف: عزت عمر
الناشر: دائرة الثقافة والإعلام الشارقة 2008
الصفحات: 412 صفحة
القطع: المتوسط

