إن المرأة قد دخلت التاريخ وهي طباخة، لا كمهنة محترفة، بل كابتكار واختراع حضاريين، ذلك أن ثمة علاقة بين الأكل الذي تنتجه والمتعة الحلال التي ورد ذكرها في غير موضع من القرآن الكريم.
«الأنثى المهدورة» كتاب طريف ومتميز يحاول مؤلفه إبراهيم محمود أن يتتبع الصورة التي رسمها المتخيل الذكوري للأنثى عبر العصور، وبأشكال مختلفة، فأحد الحكماء ينصح صديقه بأن يبحث عن امرأة تربت في النعيم ثم أصابتها فاقة، فأثر فيها الغنى وأدبها الفقر، .. ونقل الأبشيهي عن حكيم آخر قوله إن النساء شر كلهن، وشر ما فيهن قلة الاستغناء. والحقيقة أن قلة الاستغناء ليست شراً، بل هي من أهم تجليات شخصية الأنثى، ولئن كان مجنون ليلى قد شغف بليلاه إلى حد أنه قال:
أمر على الديار ديار ليلى
أقبل ذا الجدارَ وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي
ولكن حب من سكن الديارا
فهذا في الرجال قليل، وأما المرأة فهي تتعلق بآثار الرجل أكثر، كما في الحكاية التي أوردها ابن حزم في «طوق الحمامة» عن رجل يدعى ابن سهل الحاجب، وهو رجل غاية في الجمال، وكان يتنزه ذات مرة، وكان ثمة امرأة خلفه تنظر إليه، فلما غاب عن ناظريها جعلت تلثم أثر رجليه على الأرض!
هنا يتوقف المؤلف عند البعد الفلسفي للأثر، وينتقل إلى الحديث عن مفهوم «البعثرة» في شخصية المرأة وتلخصه حكاية رواها ابن عربشاه الحنفي عن ملك عادل لديه بنت وحيدة، فائقة الجمال، مليحة الأخلاق، رفضت كل من تقدم لخطبتها فخشي أبوها عليها من حوادث الزمان فاختلى بها وقال لها:
اعلمي يا معدن اللطائف، أن البنت في منزل أبيها كالماء الواقف، إن مكث يأس، وإن لم يستعمل أنتن، لا أقول ذلك ملالاً ولا عجزاً ولا استقلالاً، بل لا بد للمرأة من زوج (يلمها) فيسترها ويضمها. ويستفاد من هذه الحكاية أن المرأة إذا كانت ماء فإن الرجل هو المجرى الذي (يلمها) لئلا تأسن أو تنتن، ويمنع بعثرتها وفي الوقت نفسه يُلحقها بكيانه، ويؤكد سلبيتها أمامه.
وينتقل الكاتب للحديث عن شهرزاد التي افتدت بنات جنسها من بطش الملك شهريار حينما أخذت تروي له الحكايات الشيقة مبتدئة بقولها: بلغني أيها الملك السعيد. و(بلغني) بحسب مؤلف لسان العرب ابن منظور هي كلمة من عائلة (البلاغة). ومن الطبيعي أن تكون شهرزاد امرأة بليغة، فهي ابنة وزير، ولها نسب محترم، وهي الكبرى بين بنات الوزير، ومثقفة، ذات شخصية قوية، وتتمتع بحسن وجمال أخاذ وقدّ واعتدال، ولذلك استطاعت أن تلعب دوراً محورياً في «ألف ليلة وليلة» واستطاعت أن تكون هي البطلة الإيجابية للسيرة، مقابل شهرزاد المأخوذ بمتعة الاستماع والتلقي.
لجأت شهرزاد في حكاياتها إلى الكلام العجائبي الغرائبي الذي يستطيع أن يُخرجَ الملكَ شهريار من واقعه ويخلخل قواه العقلية. وهذه العجائبية كانت ضرورية من أجل أن تواجه عجائبيته المتمثلة بسلوكه الدموي تجاه النساء، السلوك الذي يؤدي إلى بعثرتهن وسفحهن بدلاً من أن (يلمهن) ويمنع ماء حياتهن من الإنتان.وحتى وإن لم يكن العاشق سفاحاً ودموياً كشهريار، فإن الحب يكون في أغلب الأحيان موئلاً للاستبداد حينما يجعلُ المحبُّ من محبوبته موضوعاً ومسقطاً لتلذ ذاته وعالم تصوراته ويمعن في ذلك إلى حدود التشيؤ. فالحب، من جهة أخرى، هو النرجسية بامتياز.
ويتوقف الكاتب في فصل آخر عند النماذج النسائية التي ابتدعتها مخيلة الروائي حنا مينة المتعاطف مع المرأة، الذي يرى أنها في تضحياتها، عذاباتها، في المجتمع الذكوري تبدو شهيدة. يستعرض هذه النماذج في روايته «الشراع والعاصفة الصادرة سنة 1966» حيث النساء البطلات أم حسن، وماريا ابنة الجيران والعجوز، والزوجات المجهولات، وعروس البحر، في مقابل البطل «الطروسي» الذي يتدفق بالذكورة.
وينطلق بعد ذلك لمتابعة تأثير لغة نزار قباني الشعرية في لغة أحلام مستغانمي في روايتها الشهيرة «ذاكرة الجسد»، ثم إلى الفصل الأخير الذي يتحدث فيه عن طالباته في معهد وثانوية الفنون النسوية في القامشلي والمادة الطريفة المتعلقة بالتجربة البحثية التي أجراها حينما وجه إليهن السؤال التالي:
(هل ترضين أن يكون لمادتي الخياطة والطبخ مدرسٌ وليس آنسة؟)
وكانت الأجوبة أكثر من مثيرة، وأكثر من معبرة عن واقع الحال، ومنها:
لماذا هذا الموضوع أستاذ؟
ما قصدك به تماماً؟
كيف نكتب المطلوب؟
هل نكتب أسماءنا أم نسلم الموضوع غفلاً؟
ماذا يحدث لو لم نجب؟
هل يعني هذا أن هناك احتمالاً أن يحل مدرس ما محل الآنسة في هاتين المادتين؟!
المؤلف في سطور
إبراهيم محمود كاتب وباحث سوري خريج كلية الآداب دمشق، قسم الفلسفة، سنة 1981. يهتم بالدراسات الفلسفية والتاريخية والأدبية، وبما ينشَر في إطار الأدبيات الحديثة ومناهجها، مركّزاً على الانتروبولوجيا في الكثير من مؤلفاته، له أكثر من ثلاثين كتاباً، في حقول معرفية مختلفة، إضافة إلى كم كبير من المقالات والأبحاث المنشور في الصحافة العربية والمحلية، وفي مواقع انترنتية متنوعة، منذ عدة سنوات، تفرَّغ للكتابة، جامعاً بين النقد الأدبي والفلسفي.
من مؤلفاته: مغامرة المنطق البنيوي- أثمة وسحرة ـ صدع النص وارتحالات المعنى- جماليات الصمت «في أصل المخفي والمكبوت» ـ أقنعة المجتمع الدمائية ـ قراءة معاصرة في الإعجاز القرآني ـ نقد وحشي- النقد والرغبة في القول الفلسفي المعاصر- الحنين إلى الاستعمار «الطبري وتفسيره» الباحثون عن ظلالهم ـ الموسيقى «عتبات المقدس والمدنس» «الضلع الأعوج» المرأة وهويتها الجنسية الضائعة- القبيلة الضائعة «الأكراد في الأدبيات العربية الإسلامي» قتل الأب في الأدب «سليم بركات نموذجا» ـ ديالكتيك الجسد والجليد»... الخ.
خطيب بدلة
الكتاب: الأنثى المهدورة
تأليف: إبراهيم محمود
الناشر: مركز الإنماء الحضاري حلب 2008
الصفحات: 272 صفحة
القطع: الكبير

