يمهّد الدكتور وليد رضوان كتابه »موقف التيار الإسلامي والتيار العلماني في تركيا من القضية الكردية« ليتحدث عن العلاقة بين الأكراد والأتراك، وموقف التيار الإسلامي والتيار العلماني من القضية الكردية، إذ يرى رضوان أنه بعد انهيار الدولة العثمانية عام (1918)، وبينما كانت بقيادة الجنرال مصطفى كمال أتاتورك (أبو الأتراك)تعبئ طاقاتها لبدء ما يسمى حرب التحرير، تعاون هؤلاء الأكراد أنفسهم مع الإنجليز ضد الحركة الوطنية التركية.
وبسبب محاولات بعض الأكراد وتنسيقهم مع روسيا أثناء الحرب العالمية الأولى، عمدت حكومة الاتحاد والترقي إلى تهجير الأكراد من المناطق الكردية المحاذية للحدود الروسية إلى داخل الأناضول، وكان هذا التهجير الأول. الشيء المؤكد (يقول وليد رضوان) إن الانجليز لعبوا دوراً بارزاً وواضحاً في تحريض وإثارة الأكراد ضد الحركة التحريرية التركية التي كان يقودها الجنرال أتاتورك وكان أول تمرد كردي كبير ما بعد انهيار الدولة العثمانية قد جرى في مدينة ملاطية عام(1919) بتخطيط وتنسيق ضابط المخابرات الانجليزي نوئيل. كانت سياسة أتاتورك الثابتة القائمة على الانطواء على العمق التركي هي أساس فلسفته، وكاد تأكيده على الروابط بين أتراك الأناضول والحثيين في العصور القديمة يبلغ حد الأسطورة.
ثم إن مثل هذه الأفكار التي قاربت المغالاة القومية بقيت رغم التغيرات الكبرى التي حصلت في تركيا في المواقع الكمالية، كالجيش حتى الآن. وفي خطوة ثقافية وفكرية وسياسية مهمة، أعلن(معهد تاريخ تركيا) الذي أنشأه أتاتورك في الثلاثينات، أن الأكراد لا وجود لهم .
وإنما هم مثلهم مثل الأتراك تماماً:عرق من أصل طوراني قدموا منذ خمسة آلاف سنة من آسيا الوسطى، ولئن كانوا يتكلمون برطانة فما يتكلمون برطانة، فما هي إلا مزيج من التركية والفارسية والعربية والأرمينية، بسبب بقائهم الطويل في تلك الجبال المنيعة لقد نسوا في النهاية لغتهم الأم، ووقعوا تحت تأثير جيرانهم الفرس.
وعلى الصعيد الدستوري، فقد نصت المادة الثانية من دستور (1924) بأن لغة الدولة هي التركية، وفي خطاب ألقاه في أكتوبر عام (1931)، أوضح أمين سر حزب الشعب الجمهوري مبدأ القومية الذي جرى صياغته في برنامج الحزب قائلاً: إننا نعدهم مواطنين أتراكا، وكذلك نعتبر كل من ينتمي سياسياً واجتماعياً إلى الأمة التركية المعاصرة.
وعندما تبنى الكماليون العلمانية كأحد أعمدة نظامهم الجديد، كان السبب الرئيس وراء ذلك هو القضاء على الدين كسلاح سياسي. آخذين بعين الاعتبار الدور الذي لعبه الإسلام كسلاح سياسي بيد السلطان محمد السادس ضد أتاتورك وحركته في بداية حرب الاستقلال. وكانت الفتوى الشهيرة التي أصدرها شيخ الإسلام تحت تهديد الحراب البريطانية، توجب على المؤمنين محاربة الكماليين، لأن أتاتورك وأعوانه رفضوا القبول بالاحتلال الأجنبي لعاصمة السلطنة.
ويرى د. رضوان بأنه لا يمكن اعتبار الطرق الدينية في تركيا: النورسية، النقشبندية التيجانية، .... مجرد طرق صوفية، فهي ليست مجرد تكايا ودراويش، بل هي مؤسسات اجتماعية خيرية وثقافية وتعليمية، وركيزة للإسلام الاجتماعي، ثم أساساً لحركة الإسلام السياسي في تركيا، وبهذا المفهوم، يمكن تفسير عودة الإسلام إلى المجال الاجتماعي، ثم المجال السياسي، بعد غياب أتاتورك.
فقد مثلت تلك الطرق رابطة اجتماعية ثقافية (إسلامية) داخل المجتمع التركي والكردي ضد محاولة اقتلاع الشخصية الكردية من جذورها الثقافية الإسلامية التركية. وينتقل رضوان في كتابه ليتحدث عن مقدمات انقلاب عام (1960) وأخطاء مندريس في الخمسينات ويلخص هذه الأخطاء:
1- قام بإرضاء نزعة الفلاحين الدينية مما أدى إلى بروز تيار ديني جارف كاد يطيح بالأتاتوركية من أساسها.
2- أعطى الحرية الكاملة للقطاع الخاص في الميدان الصناعي الأمر الذي أدى الى نشوء عصبة من كبار رجال الأعمال الذين سيطروا على مقدرات البلاد الصناعية والمالية وبالتالي أدى هذا التطور الصناعي السريع إلى وقوع تركيا في حالة تضخم نقدي كبيرة.
3- أما الخطأ الثالث المميت الذي وقع في مندريس ودفع حياته ثمنا له فهو تضييقه على الحريات السياسية العامة. وبحسب المؤلف إن هذه الأخطاء كانت سببا لانقلاب مايو عام 1960.
ولجأت الدولة التركية بعد إعلان بداية الكفاح المسلح في 15 آب عام 1984الى تشكيل ميليشيا كردية مسلحة تابعة لها (حراس القرى)، فيما اتبع تورغوت أوزال في تناوله للمشكلة الكردية ثلاث طرق. الأولى تمثلت في محاولة دمج السكان الأكراد في الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، الثانية مجابهة العنف الكردي بعنف مضاد، الثالثة: محاولة تطوير المناطق الكردية اقتصاديا واجتماعيا.
وفي عام 1990 غيّرت الحكومة التركية سياستها تجاه الأكراد، وبدلاً من التسمية السابقة (أكراد الجبال)، أعلنت اعترافها بالوجود الجماعي للأكراد وقبلت التعبير عن الهوية المستقلة لهم واللغة الخاصة بهم، كما سمحت لهم بممارسات سياسية محدودة.
المؤلف في سطور
د. وليد رضوان من مواليد حلب ـ حريتان
حائز على الدكتوراه في العلوم الإسلامية من الجامعة اللبنانية.
باحث سياسي سوري وخبير بالشؤون التركية والكردية.
له عدد من الكتب، أهمها: «مشكلة المياه بين سورية وتركيا» و«تركيا بين العلمانية والإسلام» و«نورالدين الزنكي» و«الموحّد والمحررّ» و«العلاقات العربية- التركية».
الحل الديمقراطي
يورد الدكتور وليد رضوان في كتابه نص الحوار الذي دار بين عبدالله أوجلان (المسجون في ايمرالي منذ عام 1999) والمدعي العام للجمهورية في تركيا. يقول أوجلان: ما نريده واضح. لا نريد استقلال مثل الشيشان، ولا الفيدرالية. نريد حلا ديمقراطيا في إطار بنية دولة واحدة.
فاروق حجي مصطفى
الكتاب: موقف التيار الإسلامي والتيار العلماني في تركيا من القضية الكردية
تأليف: وليد رضوان
الناشر: دار النهج للدراسات والنشر حلب 2008
الصفحات : 431 صفحة
القطع: المتوسط

