يطرح كتاب «إشكالية النهضة في الوطن العربي» لمؤلفه عدنان عويد مجموعة من التصورات بشان قضية النهضة مجددا السؤال الذي ما فتئ العرب يطرحونه على أنفسهم منذ أكثر من قرن دون أن يصلوا إلى الإجابة الشافية عنه، وهو سؤال النهضة.

ويرى المؤلف، في معرض تبرير موضوعه أن سؤاله رغم أي شيء يبقى مشروعا طالما أن الأمة العربية لم تستطع بعد تجاوز تخلفها، هذا التخلف الذي طالت مدته وتعقدت آلية تكونه بحيث أصبح يشكل إشكالية قائمة بذاتها.

ويشير عويد إلى أن الإشكالية أدت إلى طرح مجموعة رؤى ومواقف فكرية بألوان واتجاهات وأبعاد مختلفة أفقيا وعموديا هدفت إلى إدراك الواقع وتقصي طبيعة آلية التعقيد الحاصل في جملة علاقاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ويضيف أن تنوع الخطاب النهضوي وتنوع مشاريع الإصلاح لا يمكن فهمها في الحقيقة إلا من خلال اعتبار أن هذه التعددية وهذا التنوع في الخطاب، ليسا إلا تعبيرا عن مصالح طبقية وقومية وطائفية ومذهبية إضافة إلى أنها انعكاس وتجاوب مع مقتضيات محلية ودولية أفرزتها طبيعة الظروف التي مرت بها الأمة العربية عبر صيرورتها التاريخية.

يستعرض المؤلف بدايات التراجع العربي مشيرا إلى أنه يمكن التأريخ لذلك الأمر مع اكتشاف رأس الرجاء الصالح وهو التحول الذي أجهض مقومات القوى الاجتماعية المؤهلة آنذاك لتحقيق تقدم ملموس لو قيض لها استمرارية البقاء وخلق التراكم الرأسمالي. وعزز من هذا التحول الاحتلال العثماني لمصر وسوريا على نحو أفقدهما المبادرة السياسية على نحو كلي، حيث بدأ العالم العربي يدخل في مضمار السيطرة العثمانية الثيوقراطية الاستبدادية.

يحاول المؤلف بعد ذلك الإجابة على سؤال بشأن الفترة التي بدأت فيها النهضة حتى الفترة الزمنية المدروسة في الكتاب وهى الحرب العالمية الأولى فيشير إلى أن هناك بعض المحاولات الجادة التي ظهرت هنا وهناك من الولايات العربية في ظل الدولة العثمانية ويقارن ذلك بما حصل على صعيد الغرب. ويقرر أنه لا يمكن فصل محاولات النهضة العربية آنذاك بعيدا عن سياقها العثماني وأنها جزء من هذا السياق.

وإن كان يشير إلى أن الفعل النهضوي العربي بدأ يتميز فيما بعد شيئا فشيئا ليشكل نسقا قائما بذاته وصل في طموحاته النهائية إلى خلق فعل تحرري وطني وقومي يهدف إلى الاستقلال والخلاص من السيطرة التركية.

ويتناول المؤلف الموقف النهضوي في اتجاهه الديني الإصلاح الديني انطلاقا من أن النظر في مسألة الإصلاح الديني في الدولة العثمانية لم تعن آنذاك الرغبة في تغيير أو إصلاح واقع البنية الدينية فقط بل لكون الإصلاح الديني اتخذ من البنية الدينية سلاحا أيديولوجيا على اعتبار أنه من أكثر الأسلحة شمولية واتساعا وقوة وانتشارا من باقي الأسلحة الأخرى المتاحة آنذاك والهادفة إلى خلق فعل نهضوي.

ويخلص من تناوله ذاك إلى التأكيد على أن الإصلاح الديني في ظل الإمبراطورية العثمانية تجسد منذ البدء بالهجوم على موقع التراث الإسلامي التقليدي ثم راح يتجه شيئا فشيئا باتجاه العقلانية والعلمانية بناء على جملة التحولات التي انتابت الدولة العثمانية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وإن تم تقييد مفهوم التنوير بمدى توافقه أو عدم توافقه مع الدين.

ثم يتطرق الكتاب إلى موضوع العقلانية والعقلانية الوصفية التي سيطرت على حيز واسع من تفكير العديد من النخب المثقفة التي حملت المشروع النهضوي والتي تمحورت حول فلسفة التنوير الداعية إلى تحويل علاقة الإنسان من المطلق الديني إلى الواقع الموضوعي المادي الذي هو من نتاج الإنسان.

ثم يتناول المؤلف بالدراسة الفكر القومي كإشكالية ويتتبع عملية بروز هذا الفكر في التاريخ العربي وبدء تحوله شيئا فشيئا من مفردة لها دلالاتها المتعددة الدينية واللغوية والعرقية وصولا إلى المرحلة التاريخية التي طرح فيها كمفهوم بصفته العلمانية.

وهنا يشير إلى أن فكرة القومية ظلت تشكل في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين إشكالية فكرية وسياسية لم تجد تحولاتها التاريخية بالشكل والمستوى الذي يساهم في تحويلها إلى واقع ملموس أو رفعها من مستوى الحلم والمطلب والطموح إلى حيز الصيرورة والفعل.

ثم يعالج المؤلف موضوع «الحامل الاجتماعي» الذي يعول عليه قيادة الفعل النهضوي مشيرا إلى أن التاريخ العربي، حسبما يرى، لم يستطع عبر صيرورته أن يقدم طبقة قائمة بذاتها استطاعت أن تصل إلى مرحلة وعي الذات لتعمل من خلال وعيها هذا على قيادة الدولة والمجتمع.

وهنا يشير إلى أن الأمور انتهت الى تشكل نواة لشريحة من «الإنتليجنسيا» العربية ظلت منقسمة على نفسها وفي تصوراتها وصبواتها تجاه الحلول النهضوية المطروحة رغم الدور الذي لعبته في عكس ميول الفئات الاجتماعية المختلفة.

إلا أن تضارب المصالح للمجموعات البشرية المختلفة التي كانت تعبر عنها أو تمثلها هذه الشريحة، حسبما يذكر عويد، هي التي كانت تلعب الدور الأساس في تضارب وصراع الأفكار والمبادئ في الميدان الثقافي والأيديولوجي الذي كانت تتحرك فيه هذه الصفوة آنذاك.

المؤلف في سطور

عدنان عويد باحث وكاتب سوري ولد في دير الزور عام 1950، وهو حاصل على إجازة في التاريخ من جامعة دمشق عام 1975، وهو عضو اتحاد الكتاب العرب «جمعية البحوث والدراسات» منذ عام 1997 . مارس العديد من المهام السياسية والإدارية وهو رئيس لتحرير جريدة«الفرات» منذ العام 2004 حتى هذا التاريخ.

كما مارس العمل كمحلل سياسي لكل من «صوت العرب» من القاهرة، و«صوت فلسطين» وقناة «المجد» الفضائية. صدر له العديد من الكتب والدراسات أهمها: «الديمقراطية بين الفكر والممارسة» وكتاب «التبشير بين الأصولية المسيحية وسلطة التغريب».

رؤى مهشمة

يؤكد الكاتب عدنان عويد أن من يتتبع تطور الفكر النهضوي العربي عند المفكرين العرب في القرن التاسع عشر، وحتى قيام الحرب العالمية الأولى يلمس وبدقة أن هذا الفكر النهضوي لم يستطع أن يشكل نظاما فكريا أو عقيدة تم تركيبها أو استخدامها في حالة من الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، بل هو شكل في كل مواقفه واتجاهاته العقلانية مواقف ذهنية أو رؤى أولية يغلب عليها طابع النقل والاقتباس.

ألفت عبد الله

الكتاب: إشكالية النهضة في الوطن العربي

تأليف: عدنان عويد

الناشر : التكوين للتأليف والترجمة والنشر دمشق 2007

الصفحات : 212صفحة

القطع: المتوسط