بينما تتصدر السينما اليابانية، في الوقت الحالي، قوائم عناوين الأفلام حول العالم على غرار فيلم الرعب «الحلقة»، تحل هذه السنة الذكرى العاشرة لوفاة المخرج الياباني أكيرا كوروساوا(1910-1998)، الرجل الذي أوصل أفلام الساموراي إلى شاشات السينما في جميع أنحاء الدنيا.

ما يوحي بوجود نوع من التناقض الظاهري يكمن في أن اليابان بالكاد تتوقف عند إحياء ذكرى المخرج الياباني الأكثر شهرة وتأثيرا وربما الأكثر رهبة من بين جميع المخرجين السينمائيين اليابانيين، مخرج وضعته مسيرته الفنية في الصدارة وجعلته يستحق لقب إمبراطور السينما، فضلا عن جائزة أوسكار فخرية في عام 1990 عن عناوين مثل «ران» والساموراي السبعة وكاغيموشا- ظل المحارب في يومنا هذا، يصور مخرجون مثل ماسايوكي سو وهيديو ناكاتا في هوليود ويستمتع تاكيشي كيتانو بحب الناس الكبير له في المهرجانات الأوروبية، لكن منذ وقت طويل كان كوروساوا أول من لفت انتباه واهتمام العالم إلى السينما اليابانية.

وبعد مضي عشر سنوات على رحيله، الذكرى التي صادفت 5 سبتمبر الماضي، يقف عشاق السينما احتراما لتلك التجربة الإبداعية الغنية، التي قدمت المجتمع الياباني وتقاليده العريقة للعالم أجمع غير أن معظم فعاليات التكريم الرسمية بمناسبة مرور عشر سنوات على رحيله أرجئت إلى عام 2010، وذلك عندما ستكتمل مئة عام على ميلاده، ومن أجل هذه المناسبة هناك مشروع لترميم فيلمه «راشومون» -1950- بصورة رقمية تعمل على انجازه أكاديمية هوليود. كما تم هذا العام عرض فيلم ريماك أو الغابة الخفية-1958-.

فيلم كوروساوا الذي ألهم بعد سنوات طويلة جورج لوكاس في حرب النجوم.لكن ليس إلى ذاك الحد الذي يعتقده الكثيرون من المشتغلين في عالم السينما، أو هذا ما يقوله، على ألأقل، مارك سشيلنغ الخبير في السينما اليابانية، الذي يتخيل أن هذا الفيلم سيقض المضجع الأبدي للأستاذ في قبره، وهو يلمح بذلك إلى المزاج السيئ الأسطوري الذي كان يتمتع به كوروساوا بعد مرور عقد من الزمن على رحيل هذا العملاق السينمائي، بدأت تظهر إلى النور شهادات لأشخاص عملوا إلى جانبه وهم يؤكدون هذه الأسطورة، لكنهم يلونونها بشتى الألوان ويميطون اللثام عن بعض الجوانب الخفية في عالم هذه الشخصية العبقرية أيضا.

على سبيل المثال، فإن تيرويو نوغامي مساعدة كوروساوا طيلة أربعة قرون من الزمن تقريبا، التي نشرت كتابا حول سنوات عملها معه، أكدت في مقابلة حديثة العهد معها أن تجربة مشاركته المخيبة للأمل في تورا، تورا، تورا-1970- كانت قد حطت من معنوياته بشكل عميق.

بحسب نوغامي، فإن كوروساوا كان يشرب كل ليلة وكان يتصرف على نحو سيئ. وكان على وشك الانتحار، مثلما فعل شقيقه هيغو، الذي كان له تأثير كبير على الأستاذ، عندما كان أكيرا لا يزال ذلك الشاب الذي كان يتعلم الرسم، إلا أن كوروساوا لم يكن مستبدا قاسي القلب كذلك، وإنما إنسان مشغوف بالأفلام ودقة الصنعة السينمائية.

وهذا ما يؤكده تاتسويا ناكاداي، الذي ظهر في عدة أفلام للأستاذ الياباني والذي قال إن كوروساوا كان رجلا حاول دائما تحويل أفلامه التي كان يحلم بها إلى واقع، رجل تحدى الصعاب ببسالة. الخاصية العظيمة الأخرى التي كان يتمتع بها كوروساوا تكمن في حبه الكبير للثقافة الغربية، فلقد اقتبس أعمالا لكل من شكسبير وغوركي ودوستوفسكي وتولستوي وإد مكباين وجورج سيمينون وحتى لإسكيلو.

لكن ما أخذه كوروساوا من الآخرين أعاده أضعافا مضاعفة، ذلك أن أفلامه شكلت مصدر إلهام أو أنموذجا خالصا لقائمة طويلة من الأسماء والأفلام على غرار (الرائعون السبعة-1960-)، من أجل حفنة من الدولارات -1964- ودويبات -1998-.

ربما لهذا السبب بالذات وبينما لم يرغب أحد في اليابان في وضع أرصدة كي ينفقها الإمبراطور على أعمال غريبة الأطوار مثل رسم العشبة بالأخضر في (ران 1985)، ظهر أناس مثل مسؤولي هيئة السينما الروسية (درسو أوزالا 1975) أو ستيفن سبيلبيرغ (أحلام 1990)، الذين أنتجوا عددا من أفلامه. لكن طبعه السيئ وضعفه أمام الأدب غير الياباني جلبا له الملامة في اليابان، حيث اتهموه بكونه غربياً زيادة عن اللازم.

وربما لأنهم لم يفهموه في اليابان على حقيقته، وهذا ما يشير إليه المخرج الصيني زانغ ييمو، الذي يؤكد أنه في أفلام كوروساوا، الذي يعتبره أستاذه، تقرأ روح اليابان. لكن هذا أمر طبيعي إذا أخذنا بعين الاعتبار وصف ماكاداي للرجل، الذي قاده في ظل المحارب-1980- أو ران-1985-، ذلك الوصف يفيد بأن أكيرا كوروساوا كان دون كيخوته اليابان.

أهم أفلام أكيرا كوروساوا

* «سانشيرو سوغاتا» أو «ملحمة الجودو» 1943

* «الأجمل» 1944

* «سانشيرو سوغاتا 1945

* «الرجال الذين يمشون فوق ذيل النمر» 1945

* «لست نادما على شبابي» 1946

* «الجمعة الرائعة» 1947

* «الملاك السكران» 1948

* الكلب المسعور 1949

* «فضيحة» 1950

* «راشومون» 1950

* «الأبله» 1951

* «إيكيرو» أو «أن تحيا» 1952

* «الساموراي السبعة» 1954

* «سجلات تاريخ كائن حي» 1955

* «عرش من الدماء» أو «قصر العنكبوت» 1957

* «في الأعماق» 1957

* «الغابة المخفية» 1958

* «يوجيمبو» 1961

* «سانجورو» 1962

* بين السماء والجحيم 1963

* ذو اللحية الحمراء 1965

* «داديسكادن» 1970

* «رسو أوزالا» 1975

* «كاغيموشا» أو ظل المحارب 1980

* «ران 1985

* «أحلام» 1990

* «رابسوديا في أغسطس 1991

* «ليس بعد» 1993

أكيرا كوروساوا في سطور

أكيرا كوروساوا (1910-1998) مخرج سينمائي ياباني، أخرج العديد من الأفلام، وكتب العديد من السيناريوهات، وحظيت أفلامه بشعبية كبيرة بين جمهور عشاق السينما حول العالم. ولذلك يعتبر كوروساوا المخرج الياباني الأكثر شعبية في العالم.

كان لأفلامه تأثير كبير على جيل كامل من المخرجين حول العالم.أخرج أول أفلامه «سانشيرو سوغاتا» عام 1943، وكانت مسيرته الفنية حافلة بالأعمال المميزة. توفي عام 1998 بعد أن اختبر تحول بلاده من قوة إمبريالية تحكمها المؤسسات العسكرية إلى قوة اقتصادية عملاقة مسالمة.

روح اليابان

يستنتج المتابع لأفلام كوروساوا أنه يمثل روح اليابان، الذي يصنفه البعض أحياناً بأنه «كيخوته اليابان» ولكن الملفت أن هذا المبدع لم يأخذ حقه في بلاده لأنه لم يفهم على حقيقته، ورجح البعض أن طبعه السيء وضعفه أمام الأدب غير الياباني جلبا له الملامة في اليابان.

باسل أبو حمدة