اختتمت الأيام الثقافية المصرية في حلب فعالياتها على مسرح مديرية الثقافة احتفاء بدمشق عاصمة الثقافة العربية لعام 2008 بمسرحية «أنتيغوني في رام الله..أنتيغوني في بيروت » والمسرحية عبارة عن قصيد مسرحي لثلاثة ممثلين، نص وتصميم وإخراج محمد أبو السعود وإنتاج مركز الهناجر للفنون، وهي مأخوذة عن اسطورة «سوفوكليس» : «أنتيغون».
حاول المخرج ان يستفيد من النص الأصلي الذي يتحدث عن مأساة الملك «أوديب» الذي لم يبق من عائلته سوى ثلاثة اولاد هم : «ايتكليس - بولينس - وابنته أنتيغوني»، وفي صراع على الحكم بين الشقيقين ينتهي بمقتل كل منهما على يد أخيه، وهنا يظهر العمّ «كريون» على العرش، ويكرّم ابن أخيه «ايتكليس» مقرّراً دفنه في جنازة ملكية بينما يترك جثة ابن أخيه «بولينس» خارج أسوار المدينة متهماً إياه بالخيانة، فتتألم أختهما «أنتيغوني» لما آل إليه مصير أخويها فتقرّر ان تناضل لتكريم أخيها «بولينس» لدفنه بشكل يليق به متحدية قرار عمها «كريون» الظالم، فتكون النتيجة ان تجلب الموت لنفسها ولحبيبها «هيمان» نجل كريون.
مقاربة النص مع الأحداث : لا يبنى النص على تفاصيل المسرحية الام وإنما يعتمد على مجموعة من الأشعار التي تبوح للمشاهد بمقاربة ما بين النص وما يحدث في فلسطين وبيروت من ظلم واعتداء ووحشية يقوم بها الصهاينة على مجمل الأراضي المحتلة بدأ العرض حيث الفضاء المسرحي يوحي بجو من الفوضى وتناثر الأشياء على المسرح، لا يوجد ديكور باستثناء بعض الأوراق على الأرض والخرق البالية المعلقة على «سلّم» وبعض الإكسسوارات البسيطة : طاولة - تابوت مفتوح ولا شيء آخر.
تتحرك «أنتيغوني» [ ريم حجاب ] دورة كاملة حول المسرح بشكل ميكانيكي ثم يخرح «ايتكليس» (احمد يحيى) من كفنه متوشحاً بالبياض الكامل وكذلك يظهر «بولينس» (احمد التركي) متوشحاً بالبنفسجي الكامل من خارج أسوار المدينة، ثم يبدأ الثلاثة بلملمة الأشياء من المسرح وتنظيفه في المشهد الثاني يتمدد الاثنان على طاولة في خلفية المسرح وأمامهما الأخت التي مدت رأسها إلى الخلف في عالم شبه مظلم باستثناء بصيص ضوء، يردد الثلاثة : «تحمل الصحراء الأنبياء ويحمل البحر القراصنة » وتطوف العين في سماء جبلية تظلّل المعجزات «وتنفجر الشمس بموت قرمزي بلون الاشعاع المميت «قنبلة الفراغ » أم فراغ الكون).
ثم تستمر المشاهد بشكل رتيب وايقاع واحد «مونوتون » والممثلون الثلاثة يسردون ويحاولون ان يصوروا الحالة العربية المزرية وقتال الإخوة في فلسطين (رام الله - غزّة) ولبنان (بيروت) والعراق (بغداد)، حيث يتوارى احدهما في التراب ويُصلب آخر، وتظل «أنتيغوني» تناشد الإخوة ان يتوقفوا عن الاقتتال من ناحية ومن ناحية أخرى تتحدى السلطات القمعية التي تدمر وتقتل الشعب الذي يرزح تحت نير الاحتلال.
ويلتفت الثلاثة لينيندبوا حالة القمع والموت في بغداد وإدانة الديكتاتوريات لدى بعض الأنظمة العربية.. ثم يذكرون المدن الفلسطينية واحدة.. واحدة.. وتشير المسرحية إلى القتال الدائر بين الإخوة في فلسطين، فيبدأ الثلاثة بالاقتتال فيما بينهم بما هو موجود على المسرح (أوراق يرمونها في الهواء فتتطاير).
في المشهد الأخير تحاول «أنتيغوني» ان تنظف قذارة هذا العالم بينما يرقد احد الأخوين في كفنه والثاني ممددا على الطاولة، ويصف الاخ الذي يرمز إلى «ايتكليس» كيف استطاعت «أنتيغوني» ان تدفن أخيها رغم كل شيء. ويتغير التشكيل حيث ينام احدهما على الأرض والآخر على الطاولة وتتراجع «أنتيغوني» إلى الخلف ثم نسمع خطابا مسجلا عن القضية العربية وهو خطاب طويل وممل.
اخيراً تقف «أنتيغوني» وتلقي النظرات الأخيرة على جثة اخيها. كان الاخراج باهتاً لعدم قدرته على رسم حركة الممثلين وضبط إيقاعهم، والإلقاء سيئاً فلا تصل الكلمات والمعاني كما يجب للجمهور بالإضافة إلى ضعف الصوت، ربما يسجل للعرض حالة الفوضى التي شاهدناها على المسرح وهي شبيهة بالفوضى التي تعم الحالة العربية.
مشاهد فجة
من المشاهد المباشرة والفجّة حين أدخل المخرج أغنية لفيروز (انتِ لي بيروت) من دون سبب درامي مقنع ثم وقوف الثلاثة على السلّم وقراءة نشرة أخبار عن أحوال بيروت ولبنان وما يحدث هناك. كانت «ريم حجاب» - وهي ترمز إلى المرأة الفلسطينية العربية تقف في وجه اقتتال الإخوة وتحاول دفن أخيها متحدية سلطات القمع - مقنعة في أدائها بسبب هدوئها وسيطرتها على بعض الحالات التي كانت تعيشها.
رغم أنها وقعت في نفس مطب احمد التركي واحمد يحيى وهو كثرة الحركات الغير مدروسة من قِبل المخرج والغير موظفة لخلق إيقاع درامي يسيطر على المُشاهد ويقدم له مَشاهد مسرحية مترابطة متماسكة درامياً، في حين كانت الإضاءة خافتة جداً وربما ساهمت في حالة الموات التي كنا نشاهدها على المسرح، كذلك الموسيقى لم تستطع ان تدخل في مفاصل العرض وتساهم في رفع الحالة الدرامية.
صرخة ضد الأعداء
المسرحية هي حالة سخرية من كل القرارات والحروب التي يشنها الغرب على العرب وفي مقدمتهم إسرائيل. اذ أن المسرحية تشكل حالة رفض وصرخة في وجه الأعداء من الخارج والداخل.
البكاء على الموتى
ندب حالة القمع و البكاء على الموتى في بغداد وإدانة الديكتاتوريات لدى بعض الأنظمة العربية.. ثم يذكرون المدن الفلسطينية واحدة.. واحدة.. وتشير المسرحية إلى القتال الدائر بين الإخوة في فلسطين.
د. وانيس باندك



