وراء الرجال الذين عشقتهم الكاتبة الأميركية اناييس نن تظهر صورة واحدة فقط، وتهيمن على كل كيانها: الأب الغامض، المذنب والهارب والرائع في آن واحد. وفي مذكراتها ورسائلها إلى هنري ميللر، كانت تتخيل أنها تكتب إلى أبيها، الشخصية الأكثر تأثيراً في حياتها قاطبة.

منذ عمر الحادية عشرة، بدأت تكتب مذكراتها في أماكن متفرقة: بين إسبانيا وباريس وأميركا، وكلها عبارة عن رسالة موجهة إلى أبيها الذي انفصل مبكراً عن أمها بسبب خلافات عائلية عاصفة. لكنها أبقت على هذه الرسالة الطويلة والأليمة دون أن تودعها دائرة البريد، لذا تحولت إلى نوع من «جزيرة يمكنني أن ألجأ إليها في هذه الأرض الغريبة، أكتب فيها باللغة الفرنسية، وأتعلق من خلالها بروحي وبذاتي» على حد تعبيرها «هروب وبحث في آن واحد. فكانت تواجه العالم من أجل أن تنتصر وتخسر في آن واحد». منذ أن كانت طفلة صغيرة ترقص من أجل أن تفرح أبيها.

كان حبها لأبيها مشوباً بروح الإعجاب في الأب، مازجة بين مشاعر الأنوثة والرجولة. لم تقتصر علاقتها بهنري ميللر، باعتباره الأب الروحي لها، بل كانت لها علاقات واسعة مع مشاهير الأدباء أمثال: أنطوان آرتو ولورنس داريل وغيرهما.. والصورة التي تعطيها أناييس نن عن المسرحي أنطوان آرتو هي صورة عاشق، هذا الرجل النحيف، بنظراته الرؤيوية التي تستشرف المستقبل، وهو يحاضر في أروقة جامعة السوربون. ولعل ذلك يعود إلى انجذابها إلى التحليل النفسي الذي ظهرت بوادره في أوروبا إلى درجة أرادت أن تعمل منها مهنة واختصاصاً لها.

وانعكس ذلك على جميع أعمالها الأدبية على الرغم من أن التحليل النفسي الفرويدي خيب آمالها بنظرياته. وقد تأثرت بالمحلل النفسي أوتو رانك الذي كشف لها بأنها تريد أن تصنع من وجودها أسطورة قائلا لها «أنت لا تريدين أن تُخلقي من أبوين آدميين»، محاولاً أن يفسر لها العلاقة بين ما تكتب وبين أبيها ومذكراتها عبارة عن متاهة، ووثيقة حول مكونات الشخصيات الأدبية من أصدقائها: هنري ميللر وأنطوان آرتو ولورنس داريل. إضافة إلى كونها تخطيطات مرحة للشخصيات لمن تلتقي بهم من الرسامين والنحاتين والكتّاب. وهي بالأحرى عبارة عن رواية حياة بكاملها باعتبارها مادة روائية بامتياز.

التسكع مع هنري ميللر

ولدت الكاتبة في ضاحية نويي الباريسية في عام 1914 وظلت تتسكع، مؤمنة بالكوسموبوليتية والكونية، وتناست بذلك سنوات طفولتها ومراهقتها في الولايات المتحدة التي ظلت مجهولة بالنسبة للقراء. ولكن كتاباتها تميّزت بالجرأة، ويمكن القول إنها من أوائل النساء اللاتي عرضن أجسادهن كموديلات عند مشاهير الرسامين حينئذ كما احترفت الرقص الأسباني من أجل الحصول على لقمة عيشها.

وفي عام 1929 هاجرت إلى فرنسا وأقامت في منزلها في قرية « لوفيسيين» الذي يطل على نهر السين، وكان عمرها آنذاك 26 عاما. وكتبت أول عمل لها عن الروائي الإنجليزي الشهير د. ه. لورنس قبل أن تخوض في كتابة مذكراتها التي تحولت إلى حجر الزاوية في إبداعها الأدبي.

كانت أناييس نن تعيش حياة بوهيمية في باريس في سنوات الثلاثينات. وتشبه الكاتبة إحدى شخصيات سارتر التي تقول «إنني لست لا عذراء ولا راهبة لكي أتحايل على الحياة»، ولكن هذا التحايل تجسد من خلال العثور على ميللر الذي تعلقت به وعوضّها عن الأب الغائب ومن ثم أصبحت أول عشيقة له ورفيقة دربه لبعض السنوات، فهو يذكرّها بنظرات أبيها «لا أعتقد أنني أبحث عن رجل بقدر ما كنت أبحث عن إله.

وغياب هذا الإله جعلني أشعر بفراغ رهيب. كنت أطالب بوجود أب، دليل، قائد، حام، صديق، عشيق، ولكن ثمة شيئا كان ينقصني على الدوام ربما يكون هذا الإله. ولكني أريد إلهاً من لحم ودم وليس مجرّد وهم» هكذا تصف أناييس نن أزمتها الروحية والمادية في البحث عن هذا الرجل، لذلك سعت في كل أعمالها إلى أن تحقق هذه القيم الجمالية من خلال بحثها المستحيل.

فهي تحمي هنري ميللر من زوجته جين التي كانت تسعى لتدميره بأكاذيبها اللانهائية إضافة إلى اهتمامها بنشر كتبه. وقد كتبت أول مقدمة لروايته الشهيرة «مدار السرطان»، وخرجت معه لتتعلم العيش في العالم الخارجي بعد أن اكتشفت باريس، والأحياء التي سكنها مثل: كلشي ومونبرناس. «انه يتعامل مع العالم بكامله، حتى مع المومسات، ولا يعرف سوى الجوع واللامبالاة في النهاية».

نادرة في.. جمالها وأنوثتها

ولعل أهم ما في مذكراتها هذه إضافة إلى تجسيدها للحياة الثقافية في باريس الثلاثينات هي علاقتها بهنري ميللر، أكبر البوهيميين في باريس آنذاك. وقد جذبها الزوجان هنري ميللر وزوجته جين «كانت حياتي منفتحة إلى قسمين من خلال جين وهنري بين الانسجام والتناقض».

ولم يكن ميللر بالنسبة إليها رجلا مجهولا بل قرأت كتابه عن السينمائي لويس بونويل مخرج فيلم «العصر الذهبي» الذي يتمتع بـ «قوة متفجرة»، فيما كان ميللر يقرأ كتابها عن د. ه. لورنس الذي قال عنه «لم أقرأ أبدا حقائق قوية بكل هذه الدقة».

وكانت أناييس نن قد دعته إلى منزلها في القرية، فلم ينبهر فقط بالذوق الرفيع للطعام بل بالروح الحميمة فيه ودفء موقد النار مما أغراه هذا الجو لإقامة علاقة معها. وقال عنها في لوس أنجليس في عام 1977 وهو يقوم بتكريمها «من بين كل النساء اللواتي عرفتهن في مجرى حياتي، كانت نادرة في جمالها وأنوثتها».

الصداقة الأدبية

كانت تنطق في أعماق الليل من أجل البحث عن أبيها. كان أبوها قاسيا وساديا ولن تنسى اليوم الذي رأته فيه يقتل قطة بضربات عصاه. ولكنها على الرغم من ذلك تحبه بشدة وتعاني من أنها انفصلت عنه. وكانت تريد أن تتحرر من التأثيرات الكاثوليكية الضيقة والبيوريتانية ـ الطهرانية ـ التي تربت في كنفها، ولكن هنري ميللر الذي يكبرها كثيرا في العمر، ساعدها على التحرر من كل تلك التراكمات وكان أكثر تأثيراً من جميع المعاينات النفسية التي تلقتها للمعالجة.

وكانت مراسلاتها مع هنري ميللر عبارة عن رواية حب صادقة، وهي شابة في الثامنة والعشرين من عمرها، على الرغم من زواجها من موظف أميركي يعمل في بنك، وهو في الأربعين من عمره. فقد ولدت عاطفة عنيفة بين «صبي بروكلين» و«المرأة الشديدة الحساسية»، كانت الصداقة الأدبية عاملاً في استمرار تلك العلاقة العاطفية ومّدها بأسباب الحياة. وكلاهما كان يمتلك صفات الكاتب.

ميللر كان مهووسا بحمى الكتابة «أشعر بالجنون إذا ما مرّ يوم دون كتابة. أبدا.. أبدا.. لا أستطيع اللحاق بالزمن الضائع». لذلك نجح في تحويل حياته إلى مادة فنية. أما أنياس نين فقد ناضلت لسنوات طويلة من أجل الحرية الجنسية للنساء ووجدت في الكاتب الشهير شريكا أدبيا يريد الذهاب إلى أعماق أحاسيسه. كانا يقرأن بإفراط، ويتبادلان انطباعاتهما وآراءهما في الكتابة. ولعل أجمل ما في هذه العلاقة إعطاء أحدهما رأيه بالآخر.

كتبت أناييس نن تقول في هنري ميللر: «أنت تصبح عميقا خارج نطاق الايروسية. أفكارك لا تقاس، وأسلوبك مبهّر، ورواياتك مثل البراكين. أحب المبدع الكامن فيك، ذلك الذي يغني للحياة ويمنحها معنى لا يفهمه الآخرون». وعن نقدها تقول فيه: «في لحظة الكتابة، لا أفكر إلا بالجمال والبقية تطير..» وهنري ميللر يطلق شكوكه: «إنني لست سوى رجل فاشل».

كان أحدهما يكمّل الآخر. ومذكراتها مثل المخدرات التي أدمنت على تناولها مع فطور الصباح منذ أكثر من ثلاثين عاما بحيث أصبحت موضوعا للشائعات والأحاديث واللغط. وقامت الكاتبة بتوثيق كل مشاعرها في 150 مجلداً، مسجلة فيها الحياة الثقافية وحياة الأدباء الذين تعرفت عليهم في سنوات الثلاثينات.

وتؤمن بأن رواياتها التي تتكون من خمسة أجزاء «مدن الداخل» وقصصها وكتبها الأخرى لا تشكل سوى رافدا بسيطا من مذكراتها التي تقول عنها: «يتميز خطابي في المذكرات بالطبيعية وما أعبّر عنه كثيف سواء في الأسطورة أو القصيدة».

وترجع أهمية كتاباتها الحميمة إلى ما عاشته من حياة وما جربته في عوالم الفن والمجتمع عبر كتابة أصيلة وانفعالية ومتفجرة. «أن متعتي الكبيرة أن التقي بالأصدقاء وأقوم بالرحلات والعالم الذي أعيشه، في أية مدينة، هو عالم الكتاب والأدباء والرسامين والموسيقيين والراقصين والممثلين».

كانت مثل بروست ولورنس وجيرودو الذين أعطوا لباريس هذا المناخ الأدبي الخاص. وكان مشغلها في غرينووتش فيليج بنيويورك مكانا للقاء عدد كبير من المبدعين غير المعروفين الذين أصبحوا مشاهير فيما بعد. وأهم ما يميز كتابات أنياس نين هو صراحتها وجرأتها غير المتوقعة عن الآخرين.

وهذا لا يعني أنها كانت تدعو القراء للإطلاع على حياة الآخرين الداخلية من خلال «ثقب المفتاح» بعيداً عن «البصبصة». وتسعى بالإضافة إلى الكشف عن أعماقها، إلى إطلاع القراء على النقاشات الثقافية السائدة والأحداث الثقافية في عصرها.

كانت رمزا بين النساء ولم تتحدث باسمها فقط بل باسم نساء عصرها بأكمله لأنها وجدت ضالتها في الحدس الصامت، ما بين الحقيقة والحلم والتجربة «إنني أحاول أن أمنح لكل كائن إنساني حقه دون النظر إلى طبقته أو ثروته وأتحسس صفاته الإنسانية. ولو يقوم الجميع بما أقوم به لكان العالم يخلو من الحروب والفقر. أنني أعتبر نفسي مسؤولة عن كل كائن إنساني يأتي إليّ».

وتتذكر حياتها على ظهر باخرة كانت تقودها وأمها وأختها وأخيها من إسبانيا إلى الولايات المتحدة. ولعل مرارتها الكبرى أن أبيها تخلى عن عائلتها وأمها إلى امرأة أخرى أكثر شبابا. وفي بداية انطلاقتها في الكتابة سعت لإقناع أبيها للتخلي عن ذلك ولكن دون جدوى. ووجهت له «رسالة» أليمة ولكنها لم ترسلها. لقد انقطعت من جذورها الأوروبية لتتكيف مع بلد جديد في لغة ونمط حياته.

ولعل ما كان يحرك هذه الشابة «حمى المعرفة والتجربة والإبداع» من خلال خلق صورة لها تواجه بها العالم «في داخلي امرأتان، امرأة ضائعة وخائبة تشعر بأنها على حافة الغرق، وامرأة ساحرة ومرحة وذكية وغامضة وخجولة وقوية».

وتضيف: «مذكراتي مثل - الكيف - والحشيش - مخدري وفسقي. وبدلاً من كتابة رواية، أذهب مع قلم ودفتر وأحلم وأترك نفسي إلى الانشغالات الممزقة... أنني بحاجة أن أعيش حياتي في الحلم، حياتي الحقيقية».

كانت أناييس نن تواصل كتابة مذكراتها وهي تتجول في كل مكان: في المقاهي والقطارات أو أثناء انتظارها المواعيد وغير ذلك «عندما أكتب أرى أشياء كثيرة، وأتطور وأغتني وأفهم الأحداث بشكل أفضل».

وكانت تحتفظ بمخطوطاتها في خزائن معدنية في فرنسا، ومن ثم في الولايات المتحدة إلى أن قام ناشر أعمال ماكسويل بيركانس، وهو ناشر أعمال توماس وولف، وفكر بنشرها واختزالها في مجلد واحد إلا أنه غيّر رأيه في اللحظة الأخيرة وقرر نشرها كاملة.

كانت الكاتبة تعتقد بأدب جديد يولد «أعتقد أن الأدب كما عرفناه سيموت». وكان هذا الأدب هو الأدب الخارج عن نطاق الأطر التقليدية من قصة إلى رواية إلى قصيدة ومقالة أو بالأحرى مختلفا في روحية الكتابة وأفاق تحررها من جميع القيود.

وقد أثارت كتابتها التي تتعلق بالسيرة الذاتية والمذكرات الحميمة الانتلجنسيا ـ الطبقة المثقفة بكاملها لأنهم كانوا يعرفون بأنها تخترق «المحظورات» بكل أشكالها. ولحد السبعينات كان من الصعب أن تتحدث أناييس نن عن علاقاتها بالآخرين لأن الأشخاص كانوا على قيد الحياة، وفي عام 1977، وبرحيلها واختفاء جميع الأشخاص التي ذكرتهم، ووفاة ميللر في عام 1980، رفع المحظور عن هذه المذكرات.

وفي الحقيقة، كانت الكاتبة الشابة تعيش بين قطبين، الأول زوجها موظف البنك، هيو غيلييه، وفي النهار مع ميللر بعلاقات من السادية والمازوخية معاً. ولم تكن تحب الرجال الذين يتفاخرون بفحولتهم، على عكس ما اعتادت عليه في أصولها الأسبانية بل كانت تُعجب بالرجال الذين يتمتعون بجانب أنثوي يجعلهم أكثر لطافة وخفة.

لا بد من القول إن أناييس نن مارست تأثيرا قويا على الحركة النسوية الأميركية أو على عدد من رجال العلم والمعرفة والأدب أمثال هنري ميللر، غور فيدال، أوتو رانك، أدموند ولسون، مارغريت يونغ، وجودي شيكاغو. كما أصبحت موديل رسم لعدد من الفنانين المعاصرين.

كانت تكمن وراء جميع الأقنعة امرأة خجولة. وفي يوم وفاتها في عام 1977 كتب لورنس داريل إلى هنري ميللر: «أعتقد أن الناس سيخرجون أنيابهم وأظفارهم الآن من أجل السعي لاكتشاف الأقنعة الأربعة أو الخمسة التي كانت تختفي وراءها، ومما لا شك فيه أنهم سيخطئون. كانت طهرانية وسرية لدرجة أنني لا أعرف عنها شيئا بل ولا أستطيع أن أجيب على سؤال واحد فيما يخص سيرتها الذاتية».

ولعل الفعل الفلسفي في قصة عشق أناييس نن يعتمد على موضوع «الزنا بالمحارم» ولكنها ظلت تجذب الرجال الأبويين مثل جون أيركسين، أستاذ الأدب أو المحللين النفسانيين رينيه اليندي وأوتو رانك وأدموند ولسون، أهم ناقد أميركي. وكان زوجها يتحمل مغامراتها العاطفية إلى أقصى الحدود، مقدما لها الحماية المادية.

وفي الشطر الثاني من حياتها، تتخلى عن هذا البحث الأبوي من أجل الوقوع في العلاقات العاطفية. وأدبها لم يكن يكتمل إلا بزج حياتها في جوهر هذا الأدب. وفي تفاصيل عشقها وتجاربها الغرامية المتعددة هذه، كانت تشيد قصراً من الكلمات، وكاتدرائية لا مرئية من الأحاسيس، لأنها وضعت كل فنها في عملها وكل عبقريتها في حياتها.

حياة صاخبة

كانت ساحرة وأرستقراطية ومتحفظة في آن واحد. وهكذا أصبحت أناييس نن الصديقة التي تقدم لهنري ميللر كل شيء وتعاونه بكل كرم ومودة وتصغي إليه وتراضيه وتنصحه حول كتابة روايته «مدار السرطان» التي كان مشغولا بكتابتها آنذاك. كما كانت تمده بالمال اللازم حيث قامت بتأثيث شقته في منطقة «كليشي»، وحملت له المصباح والآلة الكاتبة والكتب والغرامافون والدراجة...

وفي الليل، كانا يخرجان سوية بحثا عن باريس الغامضة، مغيّراً حياتها برمتها. في العشرين من عمرها، تزوجت رجلاً ينتمي إلى عائلة ارستقراطية محافظة وأنيقة ثم انتقلت إلى عالم هنري ميللر الليلي: عالم البارات والحانات والحفلات الراقصة والسهر حتى الفجر في أحياء باريس الصاخبة والساخنة.

السيمفونية غير المنجزة

كتبت أناييس نن مذكراتها باللغة الفرنسية ثم أعادت كتابتها باللغة الإنجليزية، وبلغت 15 ألف صفحة، تعكس فيها حياتها الروحية أكثر مما تعكس حياتها العملية. حاول الكثيرون أن يفصلوا الكاتبة عن مذكراتها لكن الأمر كان أشبه بالمستحيل.

كم من الروايات كان عليها أن تكتب لو لم تكتب مذكراتها؟

ومهما بلغت من أرقام لا يمكنها تسجيل كل تلك الوقائع التي عاشتها الكاتبة، لذا أطلق عليها ميللر «السيمفونية غير المنجزة»، فيما اعتبرها النقاد من انجازات الحداثة في الأدب.

وثيقة أدبية

للوهلة الأولى التي طرحت مذكراتها أناييس نن على أصدقائها الحميمين في باريس، اعتبروها وثيقة أدبية مهمة في عصرنا إلى درجة ذهب ميللر إلى القول في صحيفة «ذكريتيريون الانجليزية» عام 1937 بأن «هذه المذكرات تأخذ مكانة مهمة بين كشوفات سانت أوغستين وبريتون وابيلارد وروسو وبروست». وما قامت به للأدب في سنوات الثلاثينات يُذكر بما قامت به غيرترود ستين في سنوات العشرينات.

نوافذ مطلة على الفناء

تزوجت الكاتبة من موظف يعمل في بنك، وصنعت ديكورات منزلها على ذوقها، بشكل حميمي وأصيل بحيث تعكس صورتها في الترحيب بالآخرين. وكان يتخلل منزلها هذا أحدى عشرة نافذة تطل على الفناء. وهنا كتبت روايتها «منزل الزنا بالمحارم» التي تأثرت فيها بكل من آرثر رامبو وأندريه بريتون ولكن ميللر، المتسكع والمشرد والجائع، قلب حياتها رأسا على عقب .

شاكر نوري