«غداً لن يقولوا كان زمناً صعباً، بل سيقولون لماذا صمت الشعراء» هذا ما قاله برتولد بريخت ذات يوم، وما يردده على الدوام «إسماعيل كاداريه» الكاتب والشاعر الألباني الذي يؤمن بأن الأدب الذي هو (التاريخ السري للإنسانية) يمتلك قوة روحية خفية ليست لها وسائل مواجهة عنيفة شاملة، فحينما يواجه الأدب الواقعَ يحتكم إلى خطّة تقوم على استدراج الواقع إلى أرض الروح، الساحة الوحيدة التي يمكن للأدب أنْ يقاتل فيها بندّية.

لم يصمت «كاداريه» وبقي مقاتلاً بامتياز وندية في الساحة الوحيدة التي يستطيع تحريك أدواته فيها باقتدار، فهو يعرف مخابئها وأزقتها جيداً، ويمتلك القدرة العالية على تمييز رائحة الأشياء.. رائحة خبز تنور الفلاحين والرائحة الصادرة عن كي الأجساد البشرية في واحد من أقبية التعذيب التي انتشرت في بلاده طوال حكم من جاءوا إلى السلطة باسم الشعب ورفاهيته.

الحملة التي قادها الكاتب الألباني «بسنيك مصطفى» في الصحافة الألبانية ضد إسماعيل كاداريه في السنوات الأخيرة ووصفه له بأنه (روائي عادي) تبخرت سريعاً ولم تترك أثراً، كمثيلاتها من الحملات التي استهدفت النيل من مكانته الأدبية استناداً إلى أنه لم يتعرض للاعتقال خلال سنوات القمع والجمر.. أيام الديكتاتورية متناسين أن الشعب الألباني كله كان يعيش في سجن كبير تلك الأيام، إضافة إلى جهل الكثير منهم بالمجال الحيوي للأدب الذي يمكن له أن يقاتل فيه الواقع البائس بندية كما حددها «كاداريه» وكما جاءت الأيام اللاحقة لتؤكدها.. فمن يتذكر «انور خوجا « الآن؟

الإتكاء على الأسطورة: يمكن أن نلخص تجربة «كاداريه» بأنها طموح إلى كتابة الحكاية الشخصية المعجونة بالرحلة الجماعية للشعب الألباني، وإضفاء المعنى على هذه الرحلة من خلال الكشف عن البعد الملحمي فيها، بالشخوص والحيوات وحشد الاستعارات والصور المركبة التي تزدحم بها رواياته وأشعاره أيضاً ولقد تبلورت خياراته الأدبية والشعرية في سياق هذا الطموح، ولكنه ظل مشدوداً، في مراحل تطور تجربته ونضجها، إلى حالة المخاض التي مر بها الأدب العالمي منذ نهاية العشرينات من القرن الماضي، وإلى الانتهاكات الشكلية التي أوصلت الأدب المعاصر إلى ما تحقق على يديه.

وعلى يدي السابقين في الدول التي سميت بالاشتراكية التي ساد فيها المنهج الستاليني الذي وضع ما يمكن تسميته «بالشوافات» على عيون الأدباء، لكن اللافت في أعماله الأولى هو تلك القدرة على تطويع هذه التأثيرات للتعبير عن التراجيديا الألبانية التي حمل طموح إعادة تركيب عناصرها ليبلغ بها مصاف التراجيديات الكبرى في التاريخ.

ابرز الأعمال

أطلقت رواية «مدينة بلا اعلانات» اسماعيل كاداريه شاباً طامحاً ومتحمساً للتغيير الثوري العنيف الذي رأى فيه النظام إحراجاً له، فبطلاها شابان تتجاوز حماستهما للتغيير الثوري المواقف المعلنة للحزب الشيوعي آنذاك، فهما يرفضان الدين، ويسعيان لتخريب الأيقونات في الكنائس وتمزيق الكتب المقدسة، ومنع نشر القصة أو الرواية بسبب ما تمثله من إحراج للحزب آنذاك.

تحرر «كاداريه» من الأفكار المتطرفة بعد هذه الرواية، واستفاد من تجربته الأولى في إنجاز رواية «جنرال الجيش الميت» عام 1963 ذات القالب الفني الكبير مستلهما فيها روح الشعب الألباني وتطلعاته والتي حققت له شهرة عالمية، حيث تجلى فيها التزاماً أكبر بالأسلوب الفني لكتابة الرواية، وأشد التصاقاً بحياة شعبه الواقعية.

وتتحدث الرواية عن جنرال إيطالي أرسلته حكومته بعد طردها من ألبانيا، برفقة كاهن للبحث عن رفات الجنود الإيطاليين الذين قتلوا في ألبانيا في معارك التحرير. ومع عدم اقتناعه بجدوى مهمته، فقد لاقى مصيره المحتوم، فقتل على يد عجوز ألبانية مناضلة ثأراً لولدها، وقد فتحت له هذه الرواية أبواب الشهرة العالمية، وترجمت إلى لغات عدة، وأتاحت للعالم أن يطلع على صورة ألبانيا وبطولات شعبها وأعرافه وتقاليده، ونأى فيها «كاداريه» عن المباشرة، ومنحها نفساً شاعرياً فيه من الحرارة والصدق ما يبعدها من الدعاية ومنطق الخطابة.

ثم نشر «كاداريه» رواية قصيرة عنوانها: (الوحش) مستنداً فيها إلى واقعة «حصان طروادة»، محاولاً إسقاط الماضي الأسطوري على حاضر بلده في معركة التحرر التي يخوضها، حيث شكلت هذه الرواية القصيرة منعطفه الكبير إلى أساطير بلده ألبانيا وإحيائها في التعبير عن تطلعاته الوطنية، وهي أساطير تعكس روح شعبه وتشدّه إلى متابعة تطلعاته الإنسانية.

ويعيد «كاداريه» في رواية (فجر آلهة السهوب) إلى الواجهة ذكرياته في «موسكو» يوم كان طالباً عبر تناوله قصة حب بطلاها شاب ألباني وفتاة روسية مُسبغاً على هذه العلاقة بُعداً إنسانياً واجتماعياً. ويعود الكاتب بعد ذلك إلى التاريخ، ويحتفي بكل ما هو ألباني يقدمه كتراث لبلاده، ويرى فيه الأسلوب الأمثل للتعبير عن قيمه وأفكاره.

فنشر في عام 1978 رواية عنوانها: (جسر بثلاث قناطر) استلهم فيها حكاية شعبية ألبانية تعكس معتقداً شعبياً يفرض ضرورة التضحية برأس إنسان أو حيوان يوضع في أساس البناء ليضمن له الاستمرار والخلود، ويدعو شعبه لتقديم التضحيات لبناء مستقبل راسخ.

وفي عودة مظفرة إلى الرمز والأسطورة الألبانية يُنطقها ويسقط خلالها تطلعاته قدم «كاداريه» عام 1979واحدة من روائعه التي حملت عنوان: (مَنْ أعاد دورنتين)، حيث تعتمد الرواية على أسطورة ألبانية شعبية متداولة، يبعث فيها الأخ حياً من موته ليدافع عن أخته المختطفة، إذ يغدو بعث الأخ بعثاً للشعب الألباني المستسلم لمصيره كالموتى، ونالت الرواية شهرة لما فيها من فرص متعددة لقراءة رموزها الأسطورية.

وفي رواية عنوانها (موظف قصر الأحلام) صدرت عام 1981، يعود الكاتب إلى التاريخ العثماني مستلهماً منه أبرز الحوادث، ويسقط خلالها نقداً للنظام الاستبدادي فيرصد كل حلم قد يتحول إلى واقع يهدده، فيجهضه قبل أن يجد سبيله إلى التحقيق. وأصدر «إسماعيل كاداريه» مجموعات قصص طويلة أو روايات قصيرة... أهمها: برودة الأعصاب 1980، ونيسان المكسور تناول فيها تقاليد الثأر لدى الألبان.

وفي عام 1990 غادر «إسماعيل كاداريه» بلده ألبانيا إلى باريس. ونشر رواية عنوانها: (الهرم) في العام 1992 جسّد فيها القطيعة التي تمت بينه وبين الحزب الشيوعي الحاكم في البانيا، مستنداً إلى واقعة رفض الفرعون المصري «كيوبس» دفنه في هرم كأسلافه، ليرمز خلالها إلى رغبة «أنور خوجا» زعيم ألبانيا الشيوعي، أن يدفن في هرم ضخم في قلب العاصمة «تيرانا»، وساعد على انتشار الرواية المفارقة بالمطالبة بنقل رفات «خوجا» من هذا المبنى وتحويله إلى مركز للموسيقى الغربية التي لم يكن «خوجا» يحب سماعها في حياته.

وأصدر «كاداريه» في عام 2003 رواية عنوانها (الظل) تناول فيها الصراع الصامت على السلطة بعد وفاة «خوجا» وقد كتبها سراً في فترة حكمه، وسرّبها إلى دار نشر فرنسية، وفيها يصور عزل ألبانيا في ظل حكم «أنور خوجا» في سنواته الأخيرة، ويعقد مقارنات بين واقع ألبانيا في القرون الوسطى والتقدم الذي شهده العالم الغربي، وكأنه يقطع كل صلة له بالنظام الاشتراكي خلال صورة البطل الذي يمثله، ويظهر نفسه كضحية للنظام الاشتراكي.

كادريه في سطور

ولد إسماعيل كاداريه في مدينة (جيروكاسترا) جنوب ألبانيا عام 1936، والتحق بعد دراسته الثانوية بكلية الآداب في جامعة «تيرانا»، وتخرج فيها عام 1958، وحصل على منحة دراسية لمتابعة دراسته في معهد «غوركي» للأدب العالمي في موسكو، فاطلع على الثقافة الغربية.

وبرز اهتمامه بالشعر منذ أن كان في الحادية والعشرين من عمره، وتطلع إلى التغيير، فكانت باكورة نتاجه الأدبي روايته الأولى بعنوان (مدينة بلا إعلانات) التي وضع مسودتها في «موسكو»، وحاول نشرها بعد عودته إلى وطنه لكن الرقابة منعت نشر حلقاتها في ظل الحكم الشيوعي..

من أدب اسماعيل كاداريه

ذكرى

حتى حين تضعف ذكراي،

الشبيهة بـ «ترامات» منتصف الليل،

التي لا تتوقف إلا على المحطات الرئيسية

فلن أنساك أبدا.

****************

سأحتفظ في ذاكرتي

بشفق عينيك الكبير والصامت،

وهذا التأوه المخنوق على كتفي

مثل نديفات ثلج مجنونة قليلا.

*******************

إنها ساعة الوداع.

سأرحل بعيدا عنك.

لا شيء هنا يمكن أن يدهشنا

ومع ذلك، ثمة ليل آخر، ستأتي

أصابع شخص آخر، لتنسل في شعرك

لتشتبك بأصابعي، أصابعي

الطويلة آلاف الكيلومترات.

منظر طبيعي

من هن أولئك العجائز، المتشحات بالسواد، المتكلمات لغة ميتة؟

يسرن بين الأراضي المحروثة

الصلبة من الجليد،

يدفعن الثلج الذي ينقصف تحت أقدامهن.

فوقهن،

تهددهن الغربان المحلقة.

وكان نعيبها ينذر

بشيء فاسد.

****************

من هن أولئك العجائز، المتشحات بالسواد، المتكلمات لغة ميتة؟

أي غربان يدفعن جليد الأرض المحروثة.

نعيق مسكين تائه.

غياب

بضع نقاط مطر ضربت الزجاج

وشعرت فجأة كم اشتاق إليك؛

ومع ذلك نسكن المدينة عينها

ولا نرى بعضنا أبدا.

**************

هذا الصباح، شعرت بأن الخريف

يبدأ بأفكار ساخرة:

ما من لقالق في السماء المكفهرة،

ما من أقواس قزح بعد المطر.

استرجعت، يبدو لي ذلك، جملة لهيراقليط

ولا أعرف كيف حقا:

»يحيا المستيقظون معا،

النيام، مفترقين»

**************

في أي كابوس غرقنا

كي لا نستيقظ مجددا؟

على الزجاج هطلت بضع نقاط مطر

وفجأة شعرت كم أشتاق إليك.

أستعمال الاسطورة

عاد «إسماعيل كاداريه» إلى الأساطير الألبانية يسقطها على حاضر وطنه، وقد وجد فيها سبيلاً لكتابة الرواية الفنية بمفهومها المعاصر، وإطاراً لا يقبل التحريف والتأويل، كما لمس فيها استجابة الشعب الألباني لإعادة قراءة هذه الأساطير التي ترسخت في وجدانه.

فأصدر في عام 1971 رواية عنوانها: (تاريخ منقوش على الحجر) تحدّث فيها عن نضال مدينة «جيروكاسترا» خلال الحرب العالمية الثانية، ومقاومتها القوات اليونانية والإيطالية والألمانية، وخلال سيرة بطلها الشاب الذي جمع بين حلمه والواقع، حتى يتم التحرير وتنتقل المدينة إلى عهد جديد، مضمّنا الرواية مواقف من طفولته وشبابه في هذه المدينة التي ينتمي إليها.

خالد اللوباني