لا يتردد الكاتب والمؤرخ البريطاني بيتر أكرويد مؤلف كتاب «شكسبير: السيرة الذاتية»، الذي يعد مقاربة فريدة من نوعها لشخصية الكاتب المسرحي الإنجليزي وليام شكسبير وجولة حقيقية عبر التاريخ الثقافي للقرن السادس عشر، حين يقول إن شكسبير: «كان مدافعا عن السلطة الملكية ومناهضا لأي حركة شعبية» .
على الرغم من أن هذا الكتاب القيم صدر منذ أكثر من سنتين باللغة الانجليزية وعلى الرغم من أنه يغوص عميقا، بطريقة غير مسبوقة، في شخصية مؤلف «الملك لير»، ويلقي الضوء على جوانب من حياته كانت لا تزال مجهولة حتى لحظة صدوره، مما يثري المكتبة العالمية، إلا أنه لم يشق طريقه بعد إلى المكتبة العربية، الأمر الذي يجعل هذه المكتبة تفتقر إلى أحد أهم المراجع التي لا غنى عنها ساعة الحديث عن شخصية الكاتب المتربع على عرش الآداب الإنجليزية منذ قرون.
لكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن بصورة تلقائية هو: هل هناك حاجة حقيقية لتأليف كتاب سيرة لشكسبير عند هذا المستوى، أي إثر صدور أكثر من 100 كتاب كلها تتناول سيرة حياة شكسبير؟ سؤال يزداد إلحاحا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن بيتر أكرويد نفسه، الذي يعد أحد أهم الباحثين في أوروبا والمتخصص في موضوعات التاريخ البريطاني كان قد تصدى للمأثرة الكبرى وكتب سيرة حياة الشاعر الملحمي في مرات سابقة.إلا أن هذا المؤرخ الثقافي العتيد أصر على المضي قدما في مشروعه رغم إدراكه أن القارئ يشعر بأنه غارق في الجو الذي أحاط إلى حد كبير بهذه الشخصية الأدبية الكبيرة.
«شكسبير، سيرة ذاتية» هو عبارة عن جولة شيقة عبر التاريخ الثقافي في القرن السادس عشر من خلال فصول قصيرة تمتد على طول أكثر من 800 صفحة. في حوار مع صحيفة «كلارين» الأرجنتينية، وردا على سؤال حول صحة وصف أكثر الكتاب كونية بأنه «ولد القرية»، يؤكد أكرويد أن شكسبير كان كذلك فعلا، فهو لم يولد ولم يترعرع في لندن، بل في المنطقة الريفية في حين كان والداه كاثوليكيين وعضوين في دين مطارد، الأمر الذي عرضهما لمشكلات عدة، ومن ثم رحل إلى لندن لينتصر هناك، بعد أن ترك في ستارتفورد أسرته المكونة من زوجته وولديه التوأمين هامنيت وجوديث حتى يتسنى له الذهاب ليبدأ مسيرته في لندن.قال جويث إن «الموهبة تتشكل في الهدوء، لكن الطبع ينشأ في غمار التيار العام الكبير» .
من دون لندن ما كان من الممكن وجود شكسبير، فتلك المدينة هي مهد أعماله وفي ثنايا قدرها كان خيال شكسبير يحلق إلى أماكن قصية. لكن هناك اعتقاداً بأن رحيله عن الريف كان بالاتفاق مع زوجته، خاصة وأنه كان رجلا براغماتيا.
وفي معرض رده على سؤال حول الأسباب التي حالت دون إنجاب زوجة شكسبير المزيد من الأطفال، قال المؤرخ الانجليزي إنه في تلك الحقبة من الزمن كان هناك وسائل فعالة لمنع الحمل وإن الأمر برمته كان يتعلق بثقافة شبابية مفعمة بالطاقة والطموح، في حين كانت لندن ترزح تحت وطأة الأوبئة، التي قضت على السواد الأعظم من السكان.
بالانتقال من الجوانب العائلية والشخصية إلى الجوانب العملية من حياة شكسبير، يؤكد أكرويد أن الاكتشاف الكبير الذي توصل إليه من خلال دراساته المتعمقة لهذه الظاهرة الأدبية الفذة يكمن في احترافية صاحبها وذلك التكريس الثابت للكتابة.
الأمر الذي أدى إلى بروز شخصية الكاتب التجاري، وكذلك جنس المسرح التاريخي كما نفهمه الآن. كان أول مؤلف حداثي في هذا السياق، والمدهش هو أنه جمع ذلك مع مأثرة لغوية لا نظير لها، ميزته عن معاصريه من الكتاب.
ويعتقد أكرويد أن شكسبير أوجد فكرة الكاتب الذي يصغي لنبض السوق. الكاتب الاحترافي الذي يعيش من أعماله ويعتمد على جمهوره لينتصر وليحقق الاستقلال الحقيقي.هكذا كان شكسبير، رجل ناجح غارق في التجارة حتى أذنيه.
فعندما أصبح شريكا في ملكية الشركة، كان يهتم إلى حد كبير بالتفاصيل المتعلقة بالنفقات، وفي أعماله المسرحية لا توجد مؤثرات خاصة ولا دور كبير للمثلين الثانويين، لأنهم لم يكونوا مضطرين بهذه الطريقة لأن يدفعوا لهم لقاء التدريبات مع الممثلين الرئيسيين.
كان شكسبير طموحا للغاية، فلا أحد يكتب 36 عملا في أقل من 25 عاما لولا وجود حافز قوي جدا يدفعه إلى القيام بذلك، ما جعله ماكرا وسريعا وحازما في آن. لم يكن لديه أي شيء عاطفي، فانتصر اقتصاديا إلى درجة أنه ذاع صيته بصفته مقرضاً أو مرتهناً وكان صاحب ممتلكات وضاربا في بورصة القمح وحبوب الشعير صناعيا، التي تستخدم في صناعة الجعة، في زمن الغلاء. شكسبير مات ثريا.
كما لا ينفي المؤلف وبصورة قطعية أي صلة لشكسبير بالحركات الثورية أو المتمردة فحسب، بل يصفه بالمدافع الشرس عن السلطة الملكية ونصير لروح الطاعة وضد أي حركة شعبية، فضلا عن أن مؤلف «عطيل» سخر من أمية الطبقة اللندنية السفلى ونظر إلى الثقافة على أنها عنصر يميز الفارس أو الشخص النبيل أو السيد عن عامة الناس، واعتبره رجلا منعزلا.
لم يكتب شكسبير مسرحياته فحسب، بل شارك في عرضها على خشبة المسرح أيضا، حيث كان يشكل جزءا من فرقته المسرحية على غرار «كوينز مين»، التي كانت تقوم بحملات دعائية لصالح الحكومة الإيزابيلية و «لورد سترينجز مين» و «بيمبروكيس مين» ولورد شامبليانز مين» .وكان ممثلا بارعا ولعب أدوارا رائعة ولا سيما أدوار الملك منها وساعده على ذلك طبعه الحازم وصوته الجهوري، لكنه لم يلعب، في المقابل، أي دور فكاهي.
وكان يأخذ مهمته كممثل على محمل الجد ويوليها ما تستحقه من اهتمام وبنى أواصر أخوة حقيقية مع رفاقه في المسرح. وظل ممثلا طيلة عشرين عاما وتعلم الغناء والرقص والعزف على الآلات الموسيقية وتعلم كذلك كيف يتشقلب كبهلوان.
ما ساعد شكسبير على ممارسة كل ذلك وإتقانه إلى درجة الاحترافية كان الجو العام الإيجابي الذي كان يحيط بالحركة المسرحية في تلك الحقبة من الزمن، حيث كانت تلك الحركة تتمتع بأهمية محورية، على حد تعبير أكرويد، الذي يوضح أن خشبة المسرح كانت تعتبر رمزا للكون كله(لذلك أطلقوا اسم الكون على الصالة الجديدة) ولندن كانت أول مدينة مسرحية في العالم.مع أن الأمر لم يكن على هذا النحو دائما، ففي البداية، كان المسرح والماخور يعنيان بالنسبة للندنيين تراخ في الأخلاق التقليدية.
لكن حياة شكسبير الخاصة كانت متوارية عن الأنظار دائما، فلم يعرف عنها سوى النذر اليسير، وذلك يعود إلى كونه حارسا غيورا ومتكتما على هذا الجانب من شخصيته، لكننا نعلم أنه كان شخصا متمدنا ولطيفا، وكان حلو المعشر ومهذباً وأنيساً وبشوشاً ومسلياً هكذا وصفه معاصروه، فهو ليس عطيل الغيور ولا فالستاف الصاخب المشاغب المثير للفتن
.لم يكن غريب الأطوار ولا لافتا للانتباه وكان يجعل محاوريه يشعرون بالمساواة معه وكان يعيش 95% من حياته بصورة اعتيادية مثله مثل أي شخص آخر على الرغم من عظم شأنه واتساع رقعة شهرته. ولم يكن يفرقه عن بقية الناس سوى نتاجه الفكري.
في معرض إجابته عن سؤال حول تلك الأعمال المفقودة من تركة شكسبير الإبداعية، يؤكد أكرويد أنه من الصعوبة بمكان الحديث عن اكتشاف أعمال جديدة غير منشورة له «لأنه في تلك الحقبة لم يحفظ أي شيء. كل شيء اختفى، معظم الأعمال الدرامية التي تعود إلى ذلك الحين لم تصلنا، لكن شكسبير أعتبر حالة خاصة ونشروا له أعماله.
هناك أعمال تثير مسألة تأليفها جدلا واسعا، لكن البعض ينسبها لشكسبير مثل «إيدموند آيرونسايد» . كما أننا نعلم أن أعمالا من هذا النوع وجدت مثل «أعمال الحب الرابحة»، التي ربما تشكل الجزء الثاني من «أعمال الحب الخاسرة».
لم يختلف شكسبير عن معاصريه من الكتاب، الذين اعتادوا على الانتحال، فلقد كان ذلك أمرا اعتياديا يمارسه الجميع بما فيهم مؤلفنا الكبير، الذي سرق ونسخ بعض الأشعار، لا بل إن أعماله المسرحية كانت تكتب وتعدل مع مرور الوقت، حيث كان دائب التغيير والتعديل وذلك بغية التكيف مع الممثلين الجدد.كما كان ينتج على الطلب ويكتب بسرعة كبيرة جدا، فلقد أراد جمع ثروة، وكل ما لدينا من أعمال في يومنا هذا ونعتبرها مقدسة لا تعدو في الواقع كونها نسخة مؤقتة.
حتى أن هناك من يقول إن شكسبير كان اسما مستعارا جماعيا، وشكل ظاهرة تنم عن تحد بعض المؤلفين للمنطق. من الواضح أن شكسبير تعاون مع كتاب آخرين فلقد كان طبيعيا أن يجتمع أربعة أو خمسة كتاب على تأليف عمل واحد مشترك، لكن الجانب الاستثنائي في حالة شكسبير يكمن في أنه احتفظ لنفسه بحقوق تأليف أعماله ولم يتنازل عنها لصالح الفرقة، كما جرت العادة. لكن بعض المؤلفين الآخرين أضافوا نصوصا إلى نصوصهم، وهناك جوانب واضحة على هذا الصعيد في «مكبيث» أو عطيل. ومن المؤكد عمليا أن شكسبير كتب كل ما نسب إليه.
أكرويد يقارن شكسبير مع ديكينز ويقول إن هناك تقاطعات مثيرة للفضول بين المبدعين. فالاثنان حققا نجاحا كبيرا وكتبا من دون انقطاع، ولم يحظ أي منها بتعليم جامعي، الأمر الذي يوحي بنوع من التناقض الظاهري، ذلك أن كبار الكتاب الذين ساهموا في اللغة الانجليزية ينحدرون من أوساط وبيئات متواضعة ويفتقرون إلى التعليم العالي، حتى أن شكسبير نفسه تعلم القواعد والبلاغة اللاتينية في المدرسة الابتدائية.
كان شكسبير شاعرا عظيما، كما يرى أكرويد، الذي يعتبر ذلك لغزا محيرا لأن شكسبير ترك عمله الشعري ليركز على المسرح فقط، مع أن أناشيده تعد من أرق وأرقى ما كتب في عصره. لكن الشعر يشكل، في نهاية المطاف، جزءا لا يتجزأ من مجمل أعماله، ذلك أنه أعظم شاعر في قرنه الزمني.
ثمة الكثير من كتب السيرة (أكثر من مئة)التي غطت حياة شكسبير عبر التاريخ، الأمر الذي يوحي بأن كل شيء قد قيل لكن السيرة التي كتبها نيكولاس روي عام 1709 تبقى الأبرز من بينها جميعا. ومما لا شك فيه أن كتاب «شكسبير، السيرة الذاتية» يحتل مكانة مرموقة في تلك القائمة من كتب السيرة، ذلك أن مؤلفه بيتر أكرويد يعتبر أحد أهم الرواد على هذا الصعيد.
وهو يقول بهذا الصدد: «بيد أن مساهمتي فريدة من نوعها، فهي تنطوي على رؤيتي الخاصة، التي أركز فيها على محيطه وروح ذلك العصر. لقد أردت أن أعكس ما كانت لندن عليه في ذلك الوقت والتحول العميق في اللغة الذي قام بانجازه شكسبير.
لقد أمضيت حياتي كلها وأنا أكتب حول الموروث الثقافي الانجليزي وأفترض أن ما كنت أنتظره من نفسي يتمثل في وصف المكان الذي سكنه شكسبير، وصف السياق الذي عاش فيه. ما يثير اهتمامي، في المقام الأول، هو المشهد العقلي الخاص بشكسبير وكل ما كان يحيط به. لقد كان هذا الكتاب الأصعب من بين جميع الكتب التي كتبتها.
كتب بيتر أكرويد سيرة كل من غيليوت، توماس مور، ديكنز، عزرا باوند، بليك، شوسر، نيوتون، تورنر، بيو.. لكنه يعتقد بأنه لن يعود إلى كتابة سير طويلة كهذه، فهو يحب الكتابة عن المدن والحركات أكثر بعد أن فتر اهتمامه بالشخصيات الفردية.
أشهر كاتب سيرة
يُعد بيتر أكرويد (لندن 1949) أشهر كاتب سيرة انجليزي معاصر، فضلاً عن كونه شاعراً وروائياً وناقداً، فقد ارتبطت باسمه سير أبرز الأدباء الإنجليز، ديكنز، وليم بليك، ت. س. إليوت، توماس مور، وأخيراً شكسبير. كما أنه يكتب في صحيفة «التايمز» ومجلة «سبكتيتور»، بوصفه ناقداً أدبياً ومحرراً في الشؤون الثقافية والاجتماعية.من أشهر رواياته: «أوراق أفلاطون: النبوءة» و «شاترتون» و «الضوء الأول» و «منزل الدكتور دي» و «أضواء لندن» و «الخرّاط» .
* أعمال شكسبير التراجيدية: روميو وجولييت، ماكبث، الملك لير، هاملت، عطيل، تيتوس أندرونيكوس، يوليوس قيصر، أنطونيو وكليوباترا، كريولانس، ترويلوس وكريسيدا وتيمون الأثيني.
* أعمال شكسبير الكوميدية: حلم ليلة صيف، كل شيء بخير وسينتهي بشكل جيد، كما تحبها، سيمبلين، الحب خسارة للعمل، العين بالعين تاجر البندقية، زوجات وندسور المرحات، ضجة بلا طائل، بيرسيليس، أمير تير، ترويض النمرة، كوميديا الأخطاء، العاصفة، الليلة الثانية عشرة أو سمها كما تشاء، السيدان من فيرونا، القريبان النبيلان وحكاية الشتاء.
* أعمال شكسبير التاريخية: الملك جون، ريتشارد الثاني، هنري الرابع، الجزء الأول، هنري الرابع، الجزء الثاني، هنري الخامس، هنري السادس، الجزء الثاني، هنري السادس، الجزء الثاني، هنري السادس، الجزء الثالث، ريتشارد الثالث، هنري الثامن.
* أشعار وسوناتات شكسبير: السوناتات، فينوس وأدونيس، اغتصاب لوكيريس، الحاج المغرم، العنقاء والسلحفاة و تذمر حبيب.
* كتابات شكسبير الضائعة: إدوارد الثالث، سير توماس مور، كاردينيو وعمل الحب رابح
باسل أبو حمدة



