الصحراء ليست، أو لم تكن التجلي البصري لحياة محتضرة، وإنما الفتنة الوالغة في يقين مدَّخرات، تمثل عصارة تواريخ تأرشفت في الأعماق ليست الصحراء، وكما يُعرَف عنها، مداً رملياً، أو قيامة المتاهة في لامتناهي انبساطها على الجهات كافة، بقدر ما تنطوي حقيقةً، على أكثر من سرَّ لا يسمى، وإلا لفقدت رهبة كل منتم إليها، وتلك هي الفضيلة التي تُترجِم بلاغة ثرائها التاريخي.
ثمة أكثر من عمق للصحراء، أكثر من مدخل لمعرفة موسوعة جغرافية لأمكنة، وأزمنة متداخلة معها، وأصوات بشر كانوا، وأطياف وجوه لشعراء تتشابك ظلالهم في أرجائها. الصحراء ليست، أو لم تكن التجلي البصري لحياة محتضرة، وإنما الفتنة الوالغة في يقين مدَّخرات، تمثل عصارة تواريخ تأرشفت في الأعماق. سلِ الصحراء، يجبك التاريخ عن مكنون سالف، المس الصحراءَ، ينبض تاريخ وجوه ولغات تحيل إليها.
الصحراء التي تتراءى للناظر، ليست أكثر من قناع مهيب، مسربل بالرمل، كما لو أنها تهوى التواري عن النظر، تشي بخفر، أنها تحب الستر أو الاستتار وراء قناعها البادي البياض، أو المتموَّج في سراب محيطي، حيث لا يعود في وسع أي كان، دخولَ فسحتها، حتى لو كان من أهليها، إلا واستكان لقانونها البيئي، إلا ودخل في طاعة القانون، وقد انكسر، أو انقصف، أو ظهر متدرجاً.
حيث الصحراء هي الوحيدة التي تحتفظ بميزتها، وهي انبساطها، هي الوحيدة التي تتبدى في هيئة ابتسامة تغطي كامل مساحتها، فتكون الشفاه حدودَها، والأسنان المشكلة لوحاً فضائياً واحداً، منعكسَ لون موغل في البياض الرملي، هي الوحيدة التي تتمطى، كما لو أنها تنوس بين نعاس من شدة الإجهاد، إثر عطاء تاريخي لا تُنكَر أصالته، ورغبة في التيقظ، في ومضة أمكنة تعلِم بكنوز تنتظر من يكاشف حقيقتها.
الفيحاء هي الوجه الداخلي لها، إذ يحسن مناشدةَ عظمة الكامن فيها، من يتفهم انتماءها الأرضي والخلائقي، إنها ليست منعزلة عن شقيقاتها الأخريات، من أراض سهلية أو مرتفعات، أو شوامخ جبلية، أو أوقيانوسيات مائية، أو غابات...الخ، إنما تمثل باكورة طبيعية، واجهة تاريخ لا يغفل عنها تاريخ متذوق الأمكنة، ورائحة الماضي التليد.
الصحراء وهي الآخذة في التوسع الذاتي، وربما رداً على نكران جميل ما، لا يعلم به إلا المعنيون به،إذ تضع المرء المدرِك لما هو مختلف، في مواجهة رهبة الزمن. في رؤية الصحراء، يمكن سماع عدَّاد الزمن، مفارقاته دقات ساعته الكونية.
لأن حكمة مشيخية تتخلل المدى المنبسط لها. ما هو أقرب إلى الحُداء، وكأن الصحراء بحلَّتها المرئية، عصارة الجغرافيا، خبرة تاريخ متسلسل في عصوره، عنفوان حضارات، يحال علماً به إلى ذات الصحراء، وكأنها في عنفوانها الجديرة به، تتهادى في موكبها الرملي، وهي تهيب بشقيقاتها الأخريات في أن يصغين إليها، إلى ما آل إليها وضعها.
فالصحراء درس الجغرافيا البليغ للتاريخ مجدداً، فنونها غير المكتشفة بالطريقة التي تليق بها، ومن يريد المضي قدماً في متنها الطبيعي الثقافي، رغبة في التعرف إليها، وهو رحالة علمِ مكان عميق الأبعاد، ما عليه إلا أن يسائل أصول حضارات كثيرة، يمارس تفكيكاً لألغاز تمس صميم التاريخ الذي نتلمس فيه طفولتنا البشرية، هوانا الشعري، غواية اكتشاف الحلم وأصوله، داخلها.
أن تكون الصحراء يقينَ المدَّخرات، فذلك استشراف تاريخ نعيش مخاضاته الكبرى، وكلنا رغبة في معرفة ما كان عليه ذات يوم، في انطلاقته الأولى. إن لفح الصحراء لوجوهنا، ليس أكثر من دغدغة خفايا تواريخ تعرّفنا بما لم نعرفه بعد، وهي الدغدغة التي تطرد عنا النعاس والخمول، وتبث فينا حيوية نتبصر بها ذواتنا أكثر، في إطار تاريخ الجنس البشري.
وأظن أن ذاكرة الجيولوجي هي أكثر من طبقات الأرض المنضدة فوق بعضها بعضاً، أن ذاكرة الجغرافيا هي أكثر من تعريف بالأرض: ما عليها، وما هو طيّها، أن ذاكرة الآثاريّ، أكثر من التمهيد لمشروع حوار لا ينقطع بين سلف الإنسان الأول، وخلفه الأخير: الراهن، أي أن الصحراء هي راويتنا التي تتطلب أكثر من استجابة للغتها، لنكون أكثر استعداداً للنظر في المدى الرحب، والمزدحم بأطياف وجوه، نشتهي رؤيتها بشوق عارم.
خارج هذا التصور، يمكن للصحراء أن تحرمنا من متعة الكثير مما نعمل لأجله ونتوق إليه!
إبراهيم محمود
