مؤلف كتاب «صيد الخاطر» هو الإمام العلاّمة» أبو الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن على البكري البغدادي، المعروف «بابن الجوزي» المولود في بغداد سنة 511 هـ
و قد تفرّد «ابن الجوزي» بفن الوعظ وظل هكذا حتى توفي سنة 597 هـ .و قد جمع في كتابه هذا أعمق ملاحظاته عن النفس والحياة، من خلال مختلف نشاطاته الفكرية التي كان يمارسها، وضمّنه الكثير من ذكرياته ومؤخذاته لعلماء عصره من الكتاب ومن فصل التحكّم في النفس :
ما اعتمد أحد أمراً إذا همّ بشئ مثل التثبت، فإنه متى عمل بواقعة من غير تأمل للعواقب، كان الغالب عليه الندم.
و لهذا أُمر الإنسان بالمشاورة، لأن الإنسان بالتثبت يفتكر فنعرض على نفسه الأحوال وكأنه شاور، وقد قيل خمير الرأي خير من فطيره، وأشد الناس تفريطاً من عمل مبادرة في واقعة من غير تثبت ولا استشارة، خصوصاً فيما يوجبه الغضب، وكم من غضب قتل وضرب، ثم لما سكن غضبه بقي طول دهره في الحزن والبكاء والندم.
و الغالب في القاتل، أنه يقتل فتفوته الدنيا والآخرة، فكذلك من عرضت له شهوة فاستعجل لديها ونسي عاقبتها فكم من ندم يتجرعه في باقي عمره، وعتاب يستقبله من بعد موته ، وعقاب لا يؤمن وقوعه، كل ذلك للذة لحظة كبيرة، فالله الله، التثبت التثبت في كل الأمور والنظر في عواقبها خصوصاً الغضب المثير للخصومة وتعجيل الطلاق .
و من فصل أسس الصداقة :
كان لنا أصدقاء وإخوان أعتد بهم، فرأيت منهم من الجفاء وترك شروط الصداقة والأخوة عجائب، فأخذت أعتب، ثم انتبهت لنفسي فقلت : وما ينفع العتاب، فإنهم إن صلحوا فللعتاب لا للصفاء، فهممت بمقاطعتهم، ثم تفكرت فرأيت الناس بي معارف وأصدقاء في الظاهر وإخوة مباطنين فقلت لا تصلح مقاطعتهم، إنما ينبغي أن تنقلهم من ديوان الأخوة إلى ديوان الصداقة الظاهرة، فإن لم يصلحوا لها، نقلتهم إلى جملة المعارف، وعاملتهم معاملة المعارف، ومن الغلط أن تعاتبهم فدع الطمع في الصفا، وخذ عن الكل جانبا، وعاملهم معاملة الغرباء وإياك أن تنخدع بمن يظهر لك الود، فإنه مع الزمان يبين لك الحال فيما أظهره، وربما أظهر لك ذلك لسبب يناله منك .
