العراق بلد الاختلاف، لكنه أيضاً بلد الحضارات، وعند البحث في جزئيات حضارته نجده غنياً أينما ذهب البحث.كتب السومريون على لوح طين وبالمسمارية «حيث ما تغمر المياه الأرض، ينمو الخير، وتخرج أجنحة السعادة إلى الوجود» وهكذا نجد أن الخير يعم العراق، وهو صاحب ثلاثة أنهار عملاقة، وعشرات الأنهار المتوسطة، إضافة إلى الأهوار في جنوبه، وحدوده البحرية مع الخليج، أرض خصبة تمتد من شماله حتى جنوبه.
وحينما ندرس علم وفن الموسيقى نفاجَأ بإرث موسيقي يبدأ مع الاكتشافات التاريخية قبل الميلاد مروراً بكل الحضارات التي خلقت في هذا البلد مروراً بزرياب والموصلي وصولاً إلى عمالقة القرن العشرين وخلفائهم.
على سبيل المثال فإن أول قيثارة في العالم اكتشفت ضمن الحضارة السومرية، أكثر من 7000 سنة أما العود أول آلة وترية ذات ذراع فقد اكتشفت ضمن الحضارة الأكدية أي قبل 4500 سنة، وفي الحضارة الآشورية بدأت آلة «المطبج» وهي آلة موسيقية تستعمل حتى الآن بشكلها البسيط مكونة من قصبتين طولهما 20 سم، وهي آلة نفخ مثل الناي.
لا نريد الاستطراد في الحديث عن هذا الجانب على حيويته وأهميته، وكيف تطور العود، أو القيثارة، لكننا نشير إلى أن هذا العمق التاريخي صاحبه ثراء في التراث الموسيقي قلما نجده في بلد آخر، فمع تعدد التضاريس، والقوميات، والديانات، وتناسخ الحضارات، اكتسب العراق هذا الثراء في تراثه الموسيقي الذي يمتد من جبال كردستان في شماله حتى الخليج على حدوده الجنوبية في أم قصر والفاو، وإزاء هذا التنوع السكاني، التضاريسي، التاريخي، الحضاري، تنوعت فنون الموسيقى والغناء.
وامتلك هذا البلد عشرات الأساليب والمقامات والرؤى، فمثل ما تتوفر فنون البحر في البصرة، وأغاني الريف في الأهوار، تتمثل أغاني الجبال ومقاماتها في شمال العراق، وتتنوع في الوسط، وسنجد أن اثر العصور واضحة في تطور هذا التراث العميق في تراثه المتنوع والمتجانس والمؤثر في كل أجناس وأطياف الشعب العراقي.
لعلنا هنا نشير إلى أن التوسع في هذا الإطار يحتاج إلى دراسات وبعضها متوفر، إلا أن إعادة الكتابة والكشف عن المستجدات وسط هذا الركام الحياتي اليومي الذي يمر به العراق لجدير بإعادة التأكيد على مكونات حضارته، والوقوف على إبداعاته الشعبية التي تشكل وحدة ترابه ووجدانه وتجانس سكانه.
