لم يكن الكاميروني فرديناند أويونو المولود سنة 1929 روائيا فحسب بل ودبلوماسيا متميزا وسفيرا لبلاده في العديد من دول العالم كبريطانيا وإيطاليا وبلجيكا وبعض الدول العربية. والكاميرون تعني بلد الأحجار الكريمة، ذلك في اللغة، ولكنها عانت ونهبت ثرواتها كأغلب دول القارة الإفريقية التي عانت من ويلات الاستعمار وهو ما انعكس في الأدب بصورة مؤثرة حتى لتجد جُلَّ الكتاب الإفريقيين إن لم يكن كلهم يكتبون أدبا متمردا ويتحدثون عما عانته بلدانهم من التمييز العنصري والاستعمار الذي جثم على صدورهم عقودا عديدة.
عاصمة الكاميرون هي ياوندي وبطل الرواية هو تاوندي، الشاب الأسود الذي كان يعاني من قسوة أبيه ولذا يقول عنه: ما من مرة هجم فيها على والدتي أو عليَّ وتعافينا قبل أسبوع. وفي آخر مرة كانت بين تاوندي وعصا أبيه مسافة مطمئنة حين هزَّ أبوه عصاه وهسّت في الهواء، ولم تنفع كلمات تاوندي مع أبيه أنه لم يفعل شيئا يستحق العقاب، وحين اختنق الأب بالغضب وهو يضرب تاوندي المتراجع محاولا تفادي ضرباته، هرب! ثم لجأ إلى الأب غيلبرت الذي طمأنه وناوله جزءا من عشائه. استبقى الأب غليبرت تاوندي معه وعمّده ليكون مسيحيا وأطلق عليه اسم جوزيف وجعله خادمه الخاص ولم يعد تاوندي بعدها إلى القرية حتى بعد وفاة أبيه. وتعّلم لغة الرجل الأبيض قراءة وكتابة وبات يدّون مذكراته تماما كما يفعل الرجل الأبيض، وأصبح في بيت بعثة سانت بيير التبشيرية الكاثوليكية في «دانغان»، يدق الجرس المعلّق في مدخل هيكل المقدسات كل يوم الساعة الخامسة صباحا ثم يشارك في تقديم القربان أيام الآحاد حيث كان يحب أن يمسّد الفتيات البيض تحت ذقونهن، بينما يحشو القس الخبز المقدس في أفواههن.
فجأة مات الأب غيلبرت، بعد أن سقط عليه جذع شجرة عملاقة عندما كان في طريقه إلى دانغان على دراجته البخارية كما هي عادته لإحضار بريد البعثة التبشيرية كل خميس. قال تاوندي يحدث نفسه:عرفت أن أحدا ما سيموت فالشمبانزيات كانت تعول طوال الليل . ودفن الرجل الذي أحسن إليه ومن يومها أسموه بالشهيد لأنه مات في إفريقيا. وبمساعدة الأب فاندرماير انتقل تاوندي ليعمل خادما في بيت القومندان.
والقومندان رجل مكتنز اللحم ولساقيه عضلات ضخمة ويبدو كجذع شجرة الماهوغاني القوي الذي لا ينثني للعاصفة. اكتشف تاوندي وهو يجلب الشراب للقومندان كما أمره وهو في الحمام، اكتشف أنه غير مختون فكانت له صدمة حدّث نفسه عنها:»لقد واساني ذلك الاكتشاف.. قتل شيئا ما بداخلي ..
وتيقنت أنني لن أخشى القومندان بعد ذلك. وبعد أيام من عمل تاوندي حضرت زوجته من فرنسا وسرقت الأضواء لجمالها فكانت موضع حسد زوجات البيض. وحين كانت تتسوق بصحبة تاوندي انطلقت عدة تعليقات فاضحة ولكنها كانت باللغة المحلية التي لا تفهمها حتى أن أحدهم صاح: يا للعار، كل هذا للرجل غير المختون: استقبلت زوجة القومندان الجميلة مدير السجن مورو ليلا في غياب زوجها الذي كان في جولة بغابة الشمبانزي الشريروسط استغراب تاوندي والحارس والطباخ والغسال باكلو الكسول حيث دار لغط بينهم حتى رددوا: يا للقومندان المسكين!
وحين جاءت رسالة من القومندان تؤكد تأخره في العودة، أرسلت زوجته الرسالة مع تاوندي إلى مدير السجن الذي يسميه الأفارقة «الفيل الأبيض» لضخامته فكافأه بعلبة سجائر وسط فرحة زوجة القومندان وسرور مدير السجن الذي حضر بعد أن صرفت زوجة القومندان الجميع واستبقت تاوندي لخدمتهما مساء. وهكذا فإن تاوندي رأى كل شيء!!..
باتت أكواخ الطين في «دانغان» كلها تعرف الحكاية حتى آخر التفاصيل، فالعيون في حي المحليين تعّري البيض تماما بينما هم يتجولون كالعميان. وتحولت زوجة القومندان إلى امرأة شرسة تصرخ وتهدد وتردد ما يقوله مدير السجن : إن ما يلزمني هو عصا غليظة.« حتى أنها أصبحت تبحث عن هفوات الجميع من حولها وتعاقب وتخصم من رواتبهم الأشياء المكسورة والتالفة بعد أن تشتمهم وتنعتهم بأسوأ الكلمات.
أما تاوندي الذي كان مرسالها مع مدير السجن فكانت تعامله بين الترغيب والتهديد تماما كما يفعل معه عشيقها، وحين سمعها الطاهي تقول لتاوندي مرة:شكرا يا سيد تاوندي قال الطاهي لتاوندي : ستواجه متاعب، فأنت تكلم السيدة وابتسامة على زاوية فمك.. حين يبدي البيض تهذيبا تجاه مواطن أصلي فذلك يعني إشارة سيئة.
وهو ما كان، فحين سرقت صوفي الفتاة السوداء عشيقها الأبيض، المهندس الزراعي المتيم بها، اتهموا تاوندي بأنه عشيقها ومتواطئا معها لمجرد أنه يعرفها وحين أيقنوا أنها هربت فتشوا بيته حيث يسكن مع شقيقته وزوجها ثم جروه إلى السجن وعذبوه.
جرى كل ذلك بعد أن فاحت علاقة مدير السجن بزوجة القومندان حتى وصلت إلى القومندان نفسه، الذي ثار وغضب قائلا: لم أكن أعلم أن لي شرف
أن أصير ديوثا على يد السيد مورو.. المحليون عرفوا بذلك قبلي وأنا بالنسبة لهم : نغوفينا يا نغال آفيسزوت بيسالاك آبي ميتو ـ وهو ما يعني : القومندان الذي تفتح زوجته ساقيها في الخنادق والسيارات ولكن غضبه لم يدم طويلا ، فها هو يعاود تقبيل السيدة وينظر إلى تاوندي بريبة مجددا ويصرخ في وجهه:ها .. أنت تتجسس علينا .
في السجن نال تاوندي نصيبا كبيرا من التعذيب حتى أصبح عاجزا عن الهرب الذي باتت امكانيته متاحة، وحين أيقنوا أنه يحتضر تركوه يموت بعيدا على أطراف الغابة، حيث كانت الطبول تدق معلنه قرب موت رجل فرنسي وهو يردد : أخي ما نحن؟ ما نحن الرجال المسمون فرنسيين..
كنت سأعيش طويلا حتى تشيخ عظامي لو كنت طيبا ولزمت بيتي في قريتي. هناك مات، الفرنسي الأسود تاوندي، ليس لأنه سرق، ولكن لأنه رأى كل شيء!!..
الكتاب: الصبي الخادم
تأليف: فرديناند أويونو
الصفحات: 142 صفحة
القطع: المتوسط Houseboy
Ferdinand Oyono
P.142

