«خيانة الاقتصاديين» كتاب يوجه فيه مؤلفه جان لوك غريو النقد بل الاتهام للباحثين الاقتصاديين الغربيين الليبراليين الذين يسودون ساحة النقاش في فرنسا هذه الأيام.

نقطة المواجهة الأولى مع هؤلاء الاقتصاديين الليبراليين تتمثل في قولهم أن العولمة تصبّ في فائدة الجميع . هذا باطل يؤكد مؤلف هذا الكتاب معتبرا أن مثل هذه المقولة قد جرت صياغتها من قبل القائمين على الأسواق المالية .

ويرى ما يسمّى العولمة ينبغي فهمها على أنها تمثل الجهد الكبير والجماعي من أجل إلحاق الاقتصاد بالسوق المالي المركزي الذي تمثله البورصات .

ويلاحظ المؤلف وجود نوع من الرقابة بل و القمع الذي تتم ممارسته ضد أية محاولة لفتح النقاشات الجدية والنقدية حول السياسات الاقتصادية التي ينبغي انتهاجها. والاقتصاديون من دعاة اللبرالية المتطرفة، على الطريقة الأميركية، هم الذين يقومون، حسب رأيه، بهذا الدور الرقابي إذ يكفي أن يقدّم أحدهم أية آراء لا تسير في اتجاه التيار السائد حتى يتهمونه بشتى الصفات بما فيها الحنين إلى الاشتراكية والاقتصاد المخطط . هذه السيطرة التي يحظى بها الاقتصاديون الليبراليون تبدو للمؤلف بمثابة استيلاء على السلطة فيما يخص ميدان الاقتصاد.

ولا يتردد المؤلف في القول أن فتح الحدود وترك المنافسة تفعل فعلها كقاعدة مطلقة قد أدّى إلى إنتاج خاسرين تمثّلوا خاصة في البلدان الرأسمالية القديمة مثل فرنسا وغيرها. وتتم في هذا الإطار مناقشة نظرية الامتيازات المقارنة التي كان قد طرحها في بداية القرن التاسع عشر الاقتصادي الانكليزي المعروف كأحد أكبر منظّري الرأسمالية دافيد ريكاردو.

وما يؤكده جان لوك غريو أن هذه النظرية هي مجرد سراب خادع وأن البلدان الغنيّة في السياق الراهن لن تستطيع الاستفادة منها أبدا عبر الاستثمار في ميدان البحث. هذا البحث الذي كان، ولا يزال، يمثل شرطا لازما للاحتفاظ بأي تفوّق تكنولوجي وبالتالي من أجل جني الفائدة من نظرية الامتيازات المقارنة. هذه الامتيازات تجنيها خاصة في إطار العولمة الليبرالية السائدة ولعبة قواعد السوق الدول الصاعدة وفي مقدمتها الصين.

وفي مواجهة مثل هذا الوضع يقترح المؤلف أطروحة يدعو فيها إلى ضرورة تبنّي مجموعة من البنود الاجتماعية التي لا بد أن تستدعي في واقع الأمر بعض إجراءات الحماية ، دون إطلاق مثل هذه التسمية الصريحة عليها، وذلك بصيغة رسوم جمركية على منتوجات البلدان الصاعدة.

المقصود من فرض هذه الرسوم هو إيجاد نوع من التوازن في كلفة الإنتاج مع البلدان ذات كلفة الإنتاج القليلة من يوفّر لها شروطا أفضل للمنافسة. إنها تدفع أولا أجورا متدنية لليد العاملة فيها أو عبر الكلفة البسيطة للحماية الاجتماعية للعاملين، هذا إذا لم يكن الغياب الكامل لمثل هذه الحماية. والنتيجة المباشرة لذلك هي الفوز في مختلف الأسواق على حساب منافسيها الذين قد يعرفون الخراب الكامل بعد أجل.

إن غريو يقدم في كل فصل من فصول هذا الكتاب براهين على قدرة أنصار الليبرالية الجديدة تحوير الوقائع في منظور التأثير على العقول . هكذا يحاول تفنيد الفكرة السائدة اليوم عن المجتمعات ما بعد الصناعية مثل المجتمعات الغربية، أي تلك التي لم تعد تولي اهتمامها الرئيسي لإنتاج المواد والسلع وإنما تكرّس جهودها للاستثمار في الإبداع غير المادي عبر استخدام منجزات ثورة المعلوماتية واختراع طرق جديدة في التسويق بينما تركّز البلدان الصاعدة، المحيطية حتى فترة قريبة على الإنتاج المادي .

ويدفع المؤلف مثل هذا النهج في التحليل إلى حد القول أن المجتمعات الغربية قد قدّمت الكثير من التنازلات للنظرية الليبرالية الجديدة في إطار العولمة السائدة مما قد يؤدي إلى أزمة مالية حادّة قد تجر بدورها إلى أزمة في المنظومة القائمة قد لا تكون آثارها السيئة أقل من تلك الأزمة التي شهدها العالم في نهاية عقد العشرينات من القرن الماضي.

وهذا ما يناقشه المؤلف على مدى فصل كامل من الكتاب من أجل تحليل الأزمة المالية الحالية التي تعرفها فرنسا بشكل خاص، لاسيما أزمة الديون. ولا يتردد في القول بهذا الصدد أن الديون العامة لا تعود إلى التدخل الكبير للدولة في الشأن الاقتصادي، كما يقول دعاة الليبرالية المتطرفة، وإنما إلي خمول النشاط الذي نتج عن تبنّي العملة الأوروبية الموحّدة اليورو والتنازلات التي تمّ تقديمها آنذاك للعملة الألمانية.

ويوجّه المؤلف في هذا السياق نقده لـ «الاقتصاديين الليبراليين» الذين لم يروا أخطار المبالغة في الأرباح المالية وخلطوا بين ولادة رأس المال والهرم المالي . والمقصود بهذا الهرم العملية المالية الملتوية التي تكمن في جمع مبالغ مالية كبيرة مع معد أصحابها بدفع فوائد كبيرة ثم يتم الدفع لهم بواسطة الأموال التي يقدمها دائنون جدد ، وهكذا دواليك. مثل هذه العملية الاحتيالية يشبهها المؤلف بعملية الهرب إلى الأمام التي شهدها قطاع تجارة الأبنية في الآونة الأخيرة بفرنسا وعدد من البلدان الرأسمالية الأخرى.

وتتمثل إحدى الأفكار الرئيسية التي يرددها المؤلف في هذا الكتاب بالقول أنه، وعلى عكس ما يروّج له الاقتصاديون الليبراليون، من الخطأ الاعتقاد أن قطاع الخدمات يقدم منجما لفرص العمل ويمكنه أن يحل محل القطاع الصناعي المنتج.

ويتعرّض جان لوك غريو في الفصل الأخير من الكتاب لتفنيد مفهوم المنافسة نفسه حيث تؤكّد إيديولوجية المنافسة التي يقول بها الليبراليون أنها تجلب دائما الأرباح.

وما يؤكده المؤلف أنه في الكثير من الحالات وخاصة في الأسواق الأسيرة أدّت المنافسة فقط إلى رفع الأسعار وزيادة أرباح الشركات المسيطرة على هذه الأسواق. المقصود بـ «الأسواق الأسيرة» هي تلك التي لا بد للمستهلكين من شراء منتوجاتها من إحدى الشركات المنتجة مثل منتوج الكهرباء حيث يمكن للمنتج المعني أن يتمتع بامتيازات على منافسيه كالسيطرة مثلا على شبكة التوزيع.

في المحصلة النهائية يكيل المؤلف المديح لـ «الموديل السويدي» وخاصة فيما يتعلّق بعدم مخاطرة البنوك كثيرا واستقلالية البنك المركزي. أما على الصعيد الأوروبي فيؤكد على أهمية الاستقلال الغذائي وفي مجال الطاقة.

الكتاب: خيانة الاقتصاديين

تأليف: جان لوك غريو

الناشر: غاليمار باريس 2008

الصفحات: 260 صفحة

القطع: المتوسط

La trahison des économistes

uaérG cuL-naeJ

Gallimard - Paris 2008

P.260