«ضمير ليبرالي» هو كتاب حول 80 سنة من التاريخ الأميركي المعاصر، وذلك تحديدا من زاوية واقع اللامساواة الذي عرفته الولايات المتحدة منذ بداية ثلاثينات القرن الماضي وحتى اليوم.
يبدأ المؤلف بالتذكير أن الولايات المتحدة شهدت في بداية القرن العشرين صعودا كبيرا لأشكال مختلفة من اللامساواة الاجتماعية مما أدّى إلى شيوع حالة من التوتر ظلّت مهددة إلى أن استطاع الرئيس فرانكلين روزفلت السيطرة عليها عبر تبنّي سياسة تقوم على أساس أن تأخذ السلطات العامة دورها باتجاه تحقيق هدف توزيع أفضل للثروة القومية.
ونقرأ في الصفحات الأولى اعتراف المؤلف قوله: بعد عدة أشهر من الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2004 تعرّضت لضغوط كبيرة ذهبت في اتجاه التوقف عن تمضية وقتي بتوجيه النقد لإدارة جورج دبليو بوش وللمحافظين عموما، وذلك على خلفية القول أن صناديق الاقتراع قد قالت رأيها بوضوح، وأنه ينبغي احترام ذلك.
لكن المؤلف يستدرك بسرعة مؤكدا أنه بعد مرور الوقت بدت له عملية إعادة انتخاب بوش بمثابة الإنجاز الأخيرللحركة المحافظة قبل سقوطها، وذلك على خلفية التأكيد أن إدارة بوش تصرّفت بطريقة سيطر فيها المحافظون على جميع مفاتيح السلطة.
ولكن سرعان ما تكشّف على أنها تمارس سياسات تذهب في الاتجاه المعاكس لمصالح الأغلبية الساحقة من الأميركيين ولمصلحة حفنة ضئيلة من الأثرياء الكبار ومن الشركات الكبرى التي كانت المستفيد الأكبر من ازدياد حدة اللامساواة في المجتمع الأميركي ومن إلغاء الضرائب القائمة على أساس تدرّجها تبعا للدخل وأيضا من خلال تبنّي العديد من الإجراءات حيال مسائل الإرشاد وانتقال الملكية.
وما يؤكده المؤلف في هذا الكتاب هو أن الدينامية المحافظة التي تأتي في إطار السياق العام لمقولة الثورة المحافظة هي في طور التراجع والتقهقر في الولايات المتحدة الأميركية التي تتأهب للقيام بـ «منعطف» نحو اليسار، وذلك على أساس أن تطورا كبيرا يشهده الرأي العام الأميركي كما تدل استطلاعات رأي عديدة.
ومفاد هذا التطور هو أن الأميركيين يولون أهمية أكبر اليوم لمسألة اللامساواة الاجتماعي مما كانوا يولونه لها قبل عشر سنوات. وبالتالي هناك ميل نحو تأييد تدخل الدولة من أجل حل المشاكل الاجتماعية المطروحة وبطريقة أكثر تقدمية ، والأمر الذي يترجمه المؤلف على أنه منعطف نحو اليسار.
ويقدم المؤلف أيضا سببا آخر لتراجع المحافظين ، وهو أن هؤلاء قد حققوا نجاحاتهم الانتخابية إلى حد كبير على أساس استثمار الفروق العنصرية. ومثل هذا الاستثمار تراجعت إمكانياته أيضا، بالقياس إلى الماضي القريب.
ذلك أن التنوع الثقافي والاتني قد تعزز في الولايات المتحدة والعنصرية قد فقدت الكثير من قدرتها على التعبئة.ومن الواضح أن المؤلف يؤكّد على ضرورة التمييز بين صفة ليبرالي بالمعنى المستخدمة به في أميركا وبدلالتها في البلدان الأخرى بأوروبا وغيرها.
فـ «عندما يقول الأميركيون عن أحدهم أنه ليبرالي، فهذا يعني عموما أنه من مؤيدي المساواة بين الأعراق بعيدا عن الأصل الاتني ولون البشرة ومناهضة الرأسمالية الكبيرة على الطريقة التي يقول بها المحافظون. باختصار صفة ليبرالي في أميركا تعادل، إلى هذه الدرجة أو تلك صفة يساري في أوروبا.هكذا جرى وصف التيار الذي دعم الرئيس فرانكلين روزفلت في مواجهة أزمة 1929-1930 الكبرى أنه تيار ليبرالي.
وكانت الخطوط العريضة لخطة روزفلت هي انتهاج سياسة تعزز دور السلطات العامة في منظور إصلاح آليات السوق وضمان توزيع أكثر عدالة للثروة بحيث يمكن تحقيق أفضل لمبدأ المساواة، هذا إلى جانب تعزيز دور النقابات العمالية.
إن المؤلف يقدم على مدى صفحات هذا الكتاب تفسيرا إيديولوجيا وسياسيا للتبدلات الاقتصادية ولتطور المجتمع الأميركي عامة. هكذا يرى أن اليمين المحافظ قد وضع منذ مطلع سنوات السبعينات المنصرمة حدا نهائيا للإجراءات التي تبنّاها روزفلت وترومان بعده من أجل إيجاد مؤسسات وتحديد معايير تهدف كلها إلى تقليص هامش اللامساواة في المجتمع.
وكان من نتيجة المنعطف اليميني تضاؤل وجود ودور الطبقة الوسطى بينما أصبح مبدأ تكافؤ الفرص »نوعا من التوهم . بالمقابل تعاظم كثيرا دخل رؤساء ومدراء الشركات و الكوادر العليا. باختصار جرى تدمير كل المكتسبات الاجتماعية لسنوات الثلاثينات مما بعث من جديد، وبقوة، جميع أشكال اللامساواة الاجتماعية .
في المحصلة، وعلى قاعدة التأكيد على الدور الحاسم للقوى الاجتماعي وليس لـ «الأيدي الخفية» في تحديد توزيع الدخل وفي مسيرة المجتمع كله بشكل عام، يرى المؤلف أنه قد يمكن للديمقراطيين الأميركيين، في إطار السياق الحالي الذي يتميز بواقع أن الولايات المتحدة قد أصبحت أقل بياضا وأكثر مطالبة بـ «تعميم» الضمان الاجتماعي والصحي على جميع المواطنين الأمريكيين مثلما فعلت مختلف البلدان الغنية وفي مقدمتها الدول الأوروبية وفي مقدمتها ألمانيا وفرنسا، أن يكرروا الإنجاز الذي كان قد جرى تحقيقه في سنوات الثلاثينات المنصرمة.
وبالتالي تغيير صورة الولايات المتحدة كي تصبح أكثر مساواة من الصورة التي صاغها المحافظون الجمهوريون . ويحدد المؤلف الشروط المطلوب تحقيقها من أجل نهوض جديد لـ «الديمقراطيين» باستكمال المسيرة التي كان روزفلت، في إطار برنامج الإصلاح الجديدقد بدأها في سنوات الثلاثينات المنصرمة وبالانتهاء من سيطرة اليمين المحافظ الجمهوري الذي جعل الولايات المتحدة اليوم في حالة لم تكن الهوّة فيها منذ سنوات العشرينات الماضية أكثر عمقا مما هي عليه اليوم بين الأغنياء والفقراء، كما يؤكد في كتابه.وكملاحظة نهائية يؤكد المؤلف بأشكال مختلفة على أنه يمكن لأصحاب القرار الأميركيين أن يستلهموا من الموديل الأوروبي وخاصة بنسختيه الألمانية والفرنسية.
الكتاب: ضمير ليبرالي
تأليف: بول كروغمان
الناشر: دبليو دبليو نورتون نيويورك 2007
الصفحات: 352 صفحة
القطع: المتوسط
The conscience of a liberal
Paul Krugman
W. W. Norton 7002 kroY weN
253.P
