«الغضب والزمن» كتاب يستدعي عنوانه إلى الذاكرة مباشرة كتابا آخر لفيلسوف ألماني آخر، بل لأحد أكبر الفلاسفة في القرن العشرين مارتن هايدغر الذي كتب الوجود والزمن الصادر عام 1927. اهتم بيتر سلوترجيك مؤلف هذا الكتاب في أعماله السابقة بتحليل مختلف المراحل التي أنتجت حالة الرخاء التي تعيشها المجتمعات الاستهلاكية الغربية، وهو يحلل في هذا الكتاب الجديد ما يعتبره المحرك الرئيسي لهذه الحضارة الغربية أي الغضب.
بل ليس للحضارة الغربية وحدها، وإنما بالنسبة إلى الحضارة الإنسانية كلها. إنه يحلل الآليات التي تتحكم بهذا الشعور الانفعالي والقابل للاستشارة، والذي كان له دوره الكبير في مسيرة البشر من هوميروس حتى لينين ومن التوراة حتى الكتاب الأحمر لماوتسي تونغ ومن قابيل حتى سيغموند فرويد. تجدر الإشارة هنا إلى أن المؤلف يعتبر كتابه «دراسة سياسية-بسيكولوجية»، كما يقول العنوان الفرعي.ويبيّن سلوترجيك في تحليلاته على مدى الفصول الأربعة التي يتألف منها الكتاب كيف أن الغضب الذي يشكل في الأساس شعورا غريزيا قد تحوّل شيئا فشيئا إلى ما يسميه البنك العالمي للثأر. وهو بنك يتم من خلاله استخدام مشاعر التمرّد لدى المضطهدين ك«عملة» جارية للوصول إلى السلطة.
ويقول المؤلف ان هذه المنظومة فعلت فعلها لألف سنة في تاريخ الغرب.وبالتوازي مع المقولة الشائعة انه في البدء كان الكلمة يعود المؤلف إلى ما يسميه الغضب الهوميري» غضب هوميروس كما تبدّى في الأسطر الأولى من الإلياذة لدى أخيل. ثم أخذ ذلك الغضب أشكالا مختلفة منها ما هو روحاني مع المسيحية في الغرب الأوروبي، وما هو دنيوي تمّت ترجمته عبر الثورات التي قامت ب«استثمارات جماهيرية» للغضب. هكذا يتحدث المؤلف عمّا يسميه البنك الشيوعي للغضب والذي كان وراء قيام الثورة البلشفية في روسيا عام 1917.
وما يؤكد عليه المؤلف أن مثل ذلك الغضب الجماعي لم يعد فاعلا اليوم ولم يعد مقنونا. وهذا عنى أن الثورة قد ماتت داخل النفوس. وكان الوجه الآخر لمثل هذا الخمود الثوري هو التطرّف المزدوج، إما باتجاه الايديولوجيات الغيبية أو الانغماس أكثر فأكثر في المتع المادية. ومثل هذه الحالة جعلت المجتمعات الأوروبية أمام مأزق كبير، بل وفي مأزق لا يكاد يكون بدون أي أفق مفتوح يسمح بالخروج.
ذلك أن مثل هذا الخروج يستدعي، حسب رأيه، على الصعيد السياسي بروز تيار جديد أو يسار ما بعد شيوعي و ما بعد اشتراكي يستطيع استثمار ما يختلج في أعماق الفقراء أو المضطهدين من غضب واعتزاز بالنفس وإرادة في فرض احترامهم على الآخرين، وذلك في حقبة محكومة بمشاعر الجشع التي لا تنافس الغضب فقط وإنما تكبحه وتمنعه من الفعل. لكن المشكلة كما يراها المؤلف هي أن العالم الغربي لم يعد قادرا على إيجاد بنك عالمي للغضب على طريقة الأممية الثالثة، المعروفة بالتسمية الشيوعية - الكومنترن«.
بالمقابل يرى بيتر سلوترجيك أن الحالة الوحيدة التي يتم فيها استثمار الغضب في العالم الراهن موجودة في العالم الإسلامي. لكن سلوترجيك يرى أيضا، حسب التشخيص الذي يقدمه، أن مثل هذا الاستثمار لن يصل إلى نهاياته الثورية ، كما كان الأمر بالنسبة للشيوعية. هذا على الرغم من وجود بعض السمات المشتركة في آليات استثمار الغضب بين الحالتين.
وفي مثل هذا النهج من الأفكار يحاول بيتر سلوترجيك أن يبرهن على لا جدوى التمرد ضد العولمة الليبرالية الجديدة، كما يدعو مفكرون عديدون. هذا مع أن هذه العولمة الليبرالية تزيد أكثر فأكثر من أعداد أولئك المهمّشين و المنبوذين من المنظومة السائدة . ومثل هذا الوضع يدعو بدوره المؤلف إلى الحذر من إمكانيات حدوث عواصف اجتماعية« تلوح في الأفق، كما تدل جميع المؤشرات .
إنه لا يدعو لها، وإنما يؤكد على خطورتها وعلى ضرورة السعي من أجل التصدي لها. وبهذا المعنى يؤكد على ضرورة عدم التمرد ضد المنظومة الليبرالية الجديدة السائدة في عالم العولمة. ولا يكتفي بالدعوة إلى عدم التمرد بل يطالب بضرورة عدم الانسحاب من اللعبة باسم عناوين كثيرة يلخّصها كلها بعنوان واحد هو فقدان الصبر .
إن الإجابة التي يقدمها على حالة الفراغ التي يحذر العديدون منها، يمكن أن تلخصها بشكل جيد الجملة التالية القائلة: فيما يخص المسألة الاجتماعية الجديدة، من نافلة القول ان العودة إلى تكرار أخطاء الماضي لن تجلب حلا . ثم يضيف ما يعتبره الحل الوحيد الممكن ما يلي: ان الحل الوحيد يكمن في تكرار التجربة التاريخية في التوليف بين رأس المال والعمل، إن مثل هذا التوليف بينهما يمكنه أن يؤدي إلى تهدئة نسبية .
وفي الفصل الأخير من هذا الكتاب يحلل بيتر سلوترجيك الأسباب العميقة لحوادث العنف التي عرفتها عدة ضواحي مدن فرنسية كبرى في مقدمتها العاصمة باريس في خريف عام 2005. ويرى أن ميل أعداد كبيرة من الشباب نحو ممارسة العنف و الشغب إنما يعود إلى عدم قدرة هؤلاء على التصرّف كمواطنين في ظل غياب الإطار الذي يمكن أن يجمعهم. مثل هذا الإطار يحدده سياسيا ب«اليسار» الذي لا يوجد في حالة يمكنه معها أن يطوّر أساليب مناسبة لاستيعاب الغضب. ويصل إلى نتيجة مفادها أن هناك حالة من التراجع السياسي لثقافة الغضب لدى اليسار .
انه كتاب يحلل فيه مؤلفه أشكال الغضب وأنواعه في مختلف الايديولوجيات التي اجتاحت الغرب في تاريخه الطويل من ثوراتية وفوضوية وماركسية ـ لينينية وفاشية وماوية... ويطرح الكثير من التساؤلات حول دور الغضب لدى الحركات التي يضعها المؤلف تحت عنوان «الإسلام السياسي» . وينتهي إلى إعلان بعض التفاؤل عبر القول ب«فشل» جميع أشكال الغضب القائمة على أساس مبدأ الثأر .
وما يمكن تأكيده في النهاية أن بيتر سلوترجيك مؤلف هذا الكتاب يطرح الكثير من الأفكار المثيرة للجدل ، ولعلّ هذه هي ميزتها الكبرى حيث لا يتم الاكتفاء بترديد ما يقوله الآخرون.
الكتاب: الغضب والزمن
تأليف: بيتر سلوترجيك
الناشر: ليبيلا مارين باريس 2007
الصفحات: 309 صفحة
القطع: المتوسط
Colère et temps
Peter Solterdijk
Libella Maren - Paris 2007
P.309

