«ستالين الشاب» هو كتاب آخر عن جوزيف ستالين أحد صانعي التاريخ الروسي، وإلى حد كبير، التاريخ العالمي خلال القرن العشرين. وإذا كان سيمون سيباغ مونتفيور مؤلف الكتاب قد كرّس له عدة كتب أخرى، فإن هذا الكتاب يخص فترة مجهولة إلى حد كبير من حياة ستالين، إنها فترة شبابه.

وما نفهمه عن منشأ ستالين أولا هو أنه ابن اسكافي جورجي في جنوب القوقاز وأن والدته كانت امرأة شديدة التعلق والإفراط في حماية ابنها بعد أن كانت قد فقدت أخوين له.

لقد عاش طفولة فقيرة، لكنه تميّز منذ سنوات طفولته الأولى بقدر كبير من الذكاء وميله نحو الشعر خاصة الرومانسي منه. وكان الشاب ستالين قد أراد متابعة دروسه الجامعية لكنه وجد نفسه في سن مبكرة عبر الانخراط في العمل الثوري.

الصورة التي يرسمها مؤلف هذا الكتاب لجوزيف «ستالين الشاب» هو أنه كان يجمع بين ثلاث صفات رئيسية هي المثقف والخارج على القانون والإرهابي. هذه الصفات الثلاث جعلت منه نموذجا قابلا للعب دور هام في روسيا عام 1917، أي في تلك السنة التي انطلقت فيها الثورة البلشفية ضد القياصرة.

كان ستالين، كما يصفه كاتب سيرته، ذا شهية كبيرة للحياة وللسلطة منذ سنوات شبابه، ولكن تحت غطاء ثوري.

هذه هي النتيجة التي يصل إليها من خلال دراسته للأراشيف الخاصة بحياة ستالين، لاسيما تلك التي جرى فتحها للجمهور منذ فترة وجيزة في كل من روسيا وجورجيا. ولكن أيضا بالاعتماد على مذكرات العديد من الشخصيات والشهود الذين عاشوا في تلك الفترة. ويحدد المؤلف هدفه في هذا الكتاب بـ «رفع غبار الأساطير» عن الصورة التي جرى رسمها لجوزيف ستالين.

ويشرح المؤلف أن مجموعة عناصر قد اجتمعت في شخصية جوزيف ستالين الشاب وجعلت منه ذلك الديكتاتور الكبير.

ويحدد هذه العناصر بـ «ميله القوقازي»، من خلال أصله الجورجي، إلى الخروج على القوانين وبـ «حالة الفصام النفسي الشديد» التي كان يتحلّى بها وأخيرا بـ «البعد الايديولوجي» الذي شكّله انتماؤه الشيوعي. ويرى المؤلف أنه من خلال هذه العناصر مجتمعة استطاع الوصول إلى رئاسة الاتحاد السوفييتي كسيد للكرملين على مدى عدة عقود من الزمن وحيث لم يتردد في إصدار الأوامر بـ «قتل» الآلاف من معارضيه وهو ينفث دخان غليونه بهدوء.

ويتم التعرّض في فصول هذا الكتاب القصيرة التي يبلغ عددها حوالي الخمسين عنوانا إلى مختلف جوانب حياة ستالين عندما كان شابا. هكذا نقرأ عن علاقاته الغامضة مع الشرطة السريّة القيصرية وعن علاقاته النسائية العديدة وعن الجنح الكثيرة التي ارتكبها، ولكن أيضا عن دوره الهام في ولادة الحزب البلشفي (الشيوعي) وفي ثورة أكتوبر لعام 1917.

ويؤكد المؤلف على أن اللقاء بين ستالين وفلاديمير ايليتش لينين كان حاسما بالنسبة للسيرة اللاحقة في حياة الجورجي الشاب. إذ عندما دعا لينين للكفاح المسلح ضد النظام القيصري كانت المهمات التي تولاها ستالين هي تأمين الإمكانيات المالية للتنظيم البلشفي، وهكذا لم يتردد في القيام بعمليات سطو عديدة وكبيرة دون أن يأخذ باعتباره، كما يؤكد المؤلف، ما يمكن أن يترتب عليها من ضحايا.

ويذكر تحديدا في هذا السياق عملية السطو التي قادها عام 1907 في مدينة تفليس والتي خلّفت أربعين جثة، ولا تزال مادة للحديث. ومن السمات التي يتم التأكيد على أن جوزيف ستالين قد تحلّى بها منذ سنوات شبابه هو أنه كان رجلا شكّاكا بالذين يحيطون به. وتعززت تلك الصفة لديه بعد أن عرف العديد من خيانات رفاق في الحزب له أثناء فترة النضال السري. هكذا لم يتردد في نفي مقرّبين له إلى سيبيريا على خلفية أدنى الشكوك حيث ان أبرياء كثرا دفعوا ثمن ما لم يقوموا به .

وعندما قامت الثورة البلشفية عام 1917 أصبح ستالين الذي كان قد أمضى قرابة سبع سنوات من الحياة السريّة هو الرفيق المقرّب من لينين الذي كان يقول عنه، أي عن ستالين: يمكننا أن نطلب منه كل شيء. كان تروتسكي هو الضلع الثالث في المثلّث القيادي الثوري. واشتهر ستالين آنذاك أنه الرجل الفولاذي الذي تبرر عنده الغايات استخدام جميع الوسائل. هذه المكيافيللية لم تفارقه طيلة حياته.

ومن الواضح أن المؤلف - المؤرخ يولي اهتمامه الرئيسي في كتابة سيرة حياة ستالين الشاب للوقائع والأحداث أكثر مما هو للمسائل الايديولوجية والفكرية. هذا إلى جانب التأكيد منذ البداية وأن ستالين كان على قناعة بأنه يجسّد التوجّه التاريخي الصحيح للثورة وللبلاد، ولذلك لم يتردد في إزالة جميع العقبات التي بدت أنها قد تهدد تقدمه، وحتى لو تطلّب ذلك نفي ما يقارب ال28 مليون شخص إلى معسكرات الاعتقال السيبيرية.

وفي المحصلة يرى مؤلف هذا الكتاب أن سنوات شباب ستالين قد تركت بصماتها على مسيرة حياته كلها وأنه قد قاد الاتحاد السوفييتي بنفس الطريقة التي كان قد قاد بها مجموعة ثورية صغيرة ملاحقة.

الكتاب: ستالين الشاب

تأليف: سيمون سيباغ مونتفيور

الناشر: فونيكس لندن 2008

الصفحات: 512 صفحة

القطع: المتوسط

Young Stalin

Simon Sebag Montefiore

Phoenix - London 2008

P.512