«كل الأمور متداخلة» كتاب يروي فيه الموسيقي الشهير قصة تأسيس أول فرقة اوركسترا عربية ـ يهودية بمبادرة مشتركة للمؤلف مع المفكر الراحل ادوار سعيد في منظور السعي نحو تشجيع السلام. الملاحظة الأولى في هذا الكتاب هو أن القارئ يحس ب«استمرار» بحضور الصديق الراحل للمؤلف ادوار سعيد والإشارات المتعددة تلميحا أنهما، أي المؤلف وصديقه الراحل، كانا يريدان أن يكتبا معا أيضا مثل هذا الكتاب حيث كانا قد ساهما معا من قبل في تأسيس فرقة اوركسترا تضم موسيقيين شبابا، فلسطينيين وسوريين ولبنانيين ومصريين وأردنيين وتونسيين وإسرائيليين بحيث يعزفون الموسيقى معا في أرض محايدة .

وكانت هذه المجموعة قد قدمت حفلا موسيقيا برام الله عام 2005، واستطاع الجميع الوصول إلى المكان رغم إجراءات الحظر المختلفة.وما يؤكده دانييل بارنباوم هو إدراكه العميق أنه لا يمكن لعمل «فرقة موسيقية» أن يجلب السلام في الشرق الأوسط. لكنه يؤكد أن الثقافة تشجع التواصل بين البشر وقد تستطيع التقريب بينهم وتساعدهم على أن يفهم بعضهم بعضا بصورة أفضل. بالطبع يعتبر الموسيقى أحد أشكال التعبير الموسيقي السامية. ويؤكد أنه وإدوار سعيد تصورا إقامة فرقة موسيقية مشتركة في مثل ذلك المنظور الذي يمكن منه أن يشجع على السلام.ويؤكد دانييل بارنباوم أن اختيار اسم الاوركسترا المشتركة قد جرى القيام به اعتمادا على أحد أشعار الشاعر الألماني الشهير غوته، الذي يصفه المؤلف بالقول انه أحد أول الأوروبيين الذين اهتموا بثقافات الآخرين. ثم يشير إلى أن غوته بدأ بتعلم اللغة العربية وهو في الستين من عمره.

كما أنه اكتشف الشاعر الفارسي الشهير حافظ الذي كانت أشعاره هي أحد المصادر التي استقى منها أشعاره هو نفسه التي تعرّض فيها ل«فكرة الآخر» وذلك في المجموعة الشعرية التي حملت عنوان «الديوان الغربي ـ الشرقي» وهو الاسم الذي حملته فرقة الاوركستراالتي أسسها مؤلف هذا الكتاب وادوار سعيد. وفي إشارة أيضا لغوته يخبرنا المؤلف أنه في نفس الفترة التي نشر فيها مجموعته الشعرية المذكورة عام 1819، كان الموسيقار الكبير بيتهوفن قد كتب السيمفونية التاسعة التي كانت بمثابة تشيد للأخوّة بين البشر .

وفي حديث دانييل بارنباوم عن فترة تكوين فرقة الاوركسترا المشتركة التي بدأت عام 1999 يشير إلى البلدة التي شهدت ولادة الفكرة كانت في مدينة تورينغ الألمانية بمنطقة «تايمار»، أي في موطن باخ وشيلر وغيرهما مما تركوا بصماتهم على الموسيقى العالمية حتى اليوم. ولكن أيضا حيث كان النظام النازي قد قام بأفظع جرائمه. ويؤكد دانييل بارنباوم في معرض حديثه عن تجربة العمل المشترك لأعضاء الفرقة الموسيقية أن مسألتين هامتين برزتا بنفس الوقت.

المسألة الأولى هي التعبير عن النفس كشرط أساسي في أية مساهمة موسيقية حقيقية، والأخرى هي الإصغاء ل«الموسيقيين» الآخرين. هذه العلاقة المزدوجة بين التعبير والإصغاء يشكلان شرطا لابد منه في أي عمل موسيقي إذ بكل الحالات من المستحيل العزف الجيد في إطار اوركسترا إذ ركّز المرء اهتمامه على أحد هذين الحدين في العلاقة، كما يقول المؤلف.

ذلك أنه لا يكفي أن يعزف المرء بشكل جيد النوتة الموسيقية المكلّف بها، فإذا لم يستمع للآخرين فإن نغمته قد تصبح قوية إلى درجة أنها قد تغطي على نعمة الآخر، أو أنها قد تصبح منخفضة إلى درجة تغدو فيها غير مسموعة. ويخلص المؤلف إلى القول: فن الموسيقى هو فن العزف والإصغاء في نفس الوقت.

ويؤكد دانييل بارنباوم أن الهدف الذي دفعه بصحبة ادوار سعيد نحو تأسيس تلك الاوركسترا المشتركة هو تشجيع الحوار في منظور التعرف على الآخر، على اعتبار أن مثل هذا التعرف يشكل السبيل الأمثل لنبذ التنافر، ليس في الموسيقى فقط وإنما في الحياة أيضا.

نقرأ: لقد شرح ادوار سعيد بوضوح أثناء حديثه مع الموسيقيين الشباب أن الفصل بين الأشخاص ليس حلاّ للعديد من المشاكل التي تفرّقنا وجهل الآخر لا يقدّم أية مساعدة لأحد.

ويضيف: كان هدفنا أثناء التدريب هو أن نسير خطوة إلى الأمام، خطوة واحدة، وأن نجد أرضا للتفاهم بين أشخاص كل شيء يفرّق بينهم ويجعلهم خصوما .

الكتاب: كل الأمور متداخلة

تأليف: دانيال بارنباوم

الناشر: ويدنفيلد ونيكلسون نيويورك 2008

الصفحات: 224صفحة

القطع: المتوسط

Everything is connected

Daniel Barenboim

Weidenfeld and Nicolson N.Y. 2008

Weidenfeld and Nicolson N