في ضوء الضجة الكبيرة التي أحدثتها الرواية الثالثة للروائي الباكستاني نديم أسلم، الصادرة مؤخراً بعنوان «اليقظة المهدرة» بادر موقع بورزوي الالكتروني المتخصص إلى إجراء هذه المقابلة معه، حيث ألقى الضوء على الأسباب التي دعته لاتخاذ أفغانستان ساحة لأحداث هذه الرواية وطبيعة الأبحاث التي أجراها تمهيدا لتأليف الرواية بما في ذلك الترحال طويلا في أفغانستان، وتتطرق إلى الشخصيات التي تبرز في هذه الرواية، وأعرب عن اعتقاده أن كل كتابة تظل سياسية. حتى وإن تضمنت التشديد على الخروج من عباءة السياسة. وفيما يلي نص الحوار:

ما الذي جعلك تختار أفغانستان ساحة لروايتك «اليقظة المهدرة». في عام 1992 عندما انتهيت من تأليف روايتي الأولى، فإنني قمت بشكل أو بآخر بقذف عملات معدنية في الهواء، لتحديد ما الذي سأقوم بتأليفه عقب ذلك، روايتي الأفغانية أم روايتي عن المهاجر إلى بريطانيا. وقد بدا الموضوعان كلاهما ملحين بالدرجة نفسها، فقد اندلعت حرب أهلية دموية لتوها في أفغانستان، وبدا أن مجتمع المهاجرين الباكستانيين في بريطانيا قد غذ السير على الدرب الذي سيفضي به إلى انفجارات 7 يوليو 2005.

وقد بدأت في تأليف رواية «خرائط لعشاق مفقودين» وهي روايتي التي تدور عن المهاجر، وما أن فرغت منها في ربيع عام 2003 حتى شرعت في الاشتغال على «اليقظة المهدرة» وفي الثمانينات من القرن الماضي عندما بدأت عملية تمويل وتدريب المجاهدين في أفغانستان وتسليحهم، كانت عائلتي من بين أولئك الذين حذروا من الأخطار المرتبطة بإعطاء كميات هائلة من الأسلحة للمتشددين، وتنبأوا بأن ذلك سيطلق سيلا من الرعب على الشعب الأفغاني عما قريب.

ولكن الأمر اقتضى عقودا لكي يصل هذا التحذير إلى العالم الأوسع نطاقا، وفي الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 أصبحت العواقب جلية للجميع. وقد أردت أن استكشف آفاق هذا كله. وأن أسجله في «اليقظة المهدرة» فقد بدت أفغانستان وهي مفترق طرق للتاريخ مكاناً مناسباً لمناقشة لقاء الثقافة الإسلامية والعربية ومهام جلب الحضارة و استدعاء الديمقراطية وترديد أصداء وصول نابليون إلى الإسكندرية وإعلانه أن تعاليم القرآن تتماشى مع مبادئ فرنسا الثورية.

كيف مضيت في إجراء الأبحاث التمهيدية لهذا الكتاب؟ هل ارتحلت إلى أفغانستان؟

لقد ارتحلت إلى أفغانستان وباكستان خلال تأليف هذا الكتاب وتحدثت مع أصحاب المقاهي، الأساتذة الجامعيين، حفاري القبور، وكذلك مع المشرفين على المتاحف. وفي بريطانيا أجريت مقابلات مع حوالي مئتين من اللاجئين الأفغان حول ذكرياتهم عن أفغانستان، عن حزنهم على ما جرى لبلادهم.

وقد سافرت مع صديق لي، هو مؤرخ أضفى عمقاً معيناً على نظرتي إلى الأشياء، فعندما كنت أنظر إلى المشاهد الطبيعية لم أكن أفكر فقط في المعركة التي وقعت هناك في عام 1995، وإنما كذلك في الإسكندر الذي عبر هذا المكان قبل قرون مضت. وفي غمار ترحالي في أفغانستان أحسست بأنني مضطر إلى حجب هذا الجانب أو ذاك من هويتي، إلى التحرك بين قوميتين، ففي بعض الأماكن كنت أحدث الناس بأنني باكستاني لأن الباكستانيين كانوا محبوبين هناك، وأن يكون المرء بريطانياً هناك هو أمر خطر. وفي أماكن أخرى اضطررت إلى الاعتراف بأنني بريطاني لأن الباكستانيين كانوا مكروهين هناك.

لقد تحدثت مع فتية وشباب كانوا قد انخرطوا في معسكرات التدريب في أفغانستان، باكستان، وكشمير. وقد كان من السهل أن أتصور هذا الجهادي، عندما أدركت أن الكثيرين يعتقدون أنهم وبلادهم عرضة للمخاطر، وقد جاء الاختراق عندما فكرت فيما حدث في رحلة الطائرة يونايتد 93 في 11 سبتمبر 2001.

وها هنا ما يفكر فيه أحد الجهاديين عند منعطف ما في الرواية. هل يتذكر المرء ما حدث على متن الطائرة يونايتد 93؟ لقد اكتشفت مجموعة من الأميركيين المتحضرين، وليس البرابرة، أن حياتهم، بلادهم، عائلاتهم، مواطنيهم، ماضيهم، حاضرهم ومستقبلهم تتعرض للهجوم، وقرروا المخاطرة بأرواحهم، ومستقبلهم تتعرض للهجوم، وقرروا المخاطرة بأرواحهم، وبالفعل ضحوا بحياتهم، لمنع الجانب الآخر من النجاح. لقد كان يمكن أن يكون على خطأ، ولكنه بدا له شبيهاً إلى حد كبير بما يفكر فيه مفجرو القنابل قبل أن يقدموا على ما استعدوا له طويلاً. ومعظم غضبي لا ينصب على هؤلاء الفتية الذين أصبحوا متشددين، بل موجه إلى القادة الإرهابيين، أولئك الذين يقودون هؤلاء الشباب الضائع بلا بوصلة إلى الزيغ والضلال.

تبدو رواية «اليقظة المهدرة» كما لو أنها تنتقد الولايات المتحدة بقدر ما تنتقد المتشددين. فهل تعتبرها رواية سياسية؟

إنني أقول دوماً إنني أدلي بصوتي في كل مرة أكتب جملة. والسياسة، بالنسبة لي تدور حول الإحساس بمسؤولية معينة نحو العالم الذي أعيش فيه. ومن وجهة نظري فإن الكتابة كلها عمل سياسي، وحتى الكتابة غير السياسية هي كتابة لا يمكن أن تخلع عباءة السياسة وإذ جئت من باكستان، منتمياً إلى العالم الإسلامي، فليس بوسعي إلا أن أدرك كيف تؤثر على حياتنا اليومية، وكيف أنها ليست مجرد تشريعات وقوانين وتصريحات جافة، بل هي مليئة بالحياة.

ولقد أقمت على مرمى حجر من البيت الأبيض عندما كنت أعمل بالتدريس في واشنطن العاصمة في وقت سابق من العام الحالي، ولم أستطع إلا التفكير في أن قرارات معينة قد اتخذت في ذلك المكان في الثمانينات من القرن الماضي وقد أصبحت بمثابة قبضات وهي تنتقل إلى باكستان، قبضات ومطارق هشمت أجسام أصدقائي من الصحافيين. وما من شيء من هذا يعني أن عملي مؤلف من شعارات فأنا في المقام الأول والأخير روائي. وأنا أكون في أسعد حالاتي عندما أكتب شيئاً يرضيني على الصعيد الجمالي، ولكنه شيء يقوم أيضاً بسداد بعض الدين الذي أحس بأنني مدين به للعالم.

من هم الكتاب الذين تعجب بهم وهل ألهمك أي أحد هذه الرواية على وجه التحديد؟

فاسكو بوبا، إيفان لاليتش، سيشلاو مليوتش، فيسلافا سيمبورسكا.. ويبدو أنني لا أسمي إلا الشعراء وحدهم. ومن بين كتاب النثر هناك ميلفيل، جون بيرجر، في. اس. نايبول، مايكل أونداتجه، برونو شولتز.

منى مدكور