يطل مؤلف رواية «خرائط لعشاق مفقودين» من جديد برواية تجمع بين النزعة الغنائية والطابع الوحشي الضاري للأرض التي تجري أحداثها عليها، حيث تتناول الحرب في زماننا، منظوراً إليها من خلال عيون ستة أشخاص التقوا في زمان ومكان واحد في أفغانستان.
في الفصل الاستهلالي للرواية نلتقي ماركوس، وهو رجل إنجليزي أقام طويلاً في أفغانستان واكتسب طباع أهلها، وقد فقد ذراعه اليسرى، وسوف نعرف السر الرهيب الكامن وراء ذلك مع توالي أحداث الرواية. ونقرأ هذه العبارة الدالة: لن يكون أمراً مدهشاً إذا كفت أشجار أفغانستان وكرومها عن النمو ذات يوم، حيث تخشى أنها إذا استطالت جذورها فإنها قد تمس لغماً مدفوناً قريباً منها . وسوف نكتشف في مشهد رهيب من الرواية أن ماركوس لم يفقد يده بفعل انفجار لغم، وإنما بتأثير شيء آخر أشد قسوة وضراوة.
ولكن هذا الاستهلال المذهل يكرس ماسيلي بعد ذلك، ففي هذه الرواية الملحمية الممتدة يتناول الروائي الباكستاني المقيم في انجلترا نديم أسلم، عبر نثر شعري أخاذ، الواقع المتفجر في أفغانستان، وهو يمضي عبر حقل الألغام هذا بردود أفعال حادة، ليقدم لنا كتاباً يجمع بين الجمال والوحشية.
وترصد هذه الرواية وقائع ثلاثين عاماً مما تطلق عليه أجهزة الإعلام وصف «الصراع الأفغاني»، الذي تحول الآن إلى خط المواجهة في الحرب على الإرهاب وهي تعود إلى تناول جنود مفقودين في حرب فيتنام، الأيام الأولى من برنامج الفضاء السوفييتي، وغير ذلك كثير، ولكن جوهرها يتألف من تقاطع حياة ناس أثرت فيهم الحرب الجارية في أفغانستان والذين تضمهم «رفقة الجرح» على نحو ما يعبر نديم أسلم.
هكذا يلتقي روس وأميركيون وأفغان في سلاسل من القطع الإبداعية المكتوبة بجرأة وقوة استناداً إلى مزيج نادر من الإلهام والبحث والعمل الدؤوب. ولكنه سيكون من الخطأ قراءة الرواية باعتبارها كتاباً مرجعياً حول تاريخ هذا البلد المنكوب، فهي أقرب إلى أن تكون تأملاً شعرياً في النوازع المدمرة التي تجمع الناس سوياً، وسعياً أدبياً إلى تلمس الإنسانية في أكثر الأماكن بعداً عن توقع وجودها فيها.
في مصنع مهجور لتحضير العطور نلتقي الروسية لارا التي تصل للبحث عن أخيها الذي فر من الخدمة في صفوف الجيش السوفييتي، ونقابل ديفيد العميل السابق في الـ «سي. آي. إيه» والرجل المخضرم في الحرب السرية الأميركية والذي يتعين عليه أن يصارع شياطينه، وماركوس صانع العطور السابق والذي يلزم الحداد على زوجته الأفغانية، التي مضت ضحية لحرب طالبان على النساء، والذي يبحث عن حفيد لا يدري ما إذا كان لا يزال على قيد الحياة.
وفي الوقت الذي يتساءل فيه القارئ عن السر في وجود عدد محدود من الأفغان في رواية تدور عن أفغانستان، نجد أنفسنا أمام كاسا، وهو طالب شاب يسعى إلى ملاذ يخلصه من زعيم الحرب الذي يتبعه بعد أن أخفق في أداء مهمة كلفه بها. وتتصادم أفكار الغرب عن الحرية مع أفكار كاسا عن الخلاص.
لا تحجم الرواية عن سرد كل هذه القصص من منظور الآخرين، ولا تبدو لنا القبائل الأفغانية هي تلك القبائل الخشنة والمستقلة التي نجدها في الأعمال التي تدور حول المرحلة الكولونيالية، فهي تقتل أبناءها بالضراوة ذاتها التي تطارد بها الغزاة.
والأميركيون الذين نلتقيهم في الرواية يحلمون بالضواحي، ويناقشون السياسة الخارجية التي تتبعها حكومتهم، ولكنهم لا يترددون في حرق عيني فتى أفغاني، قد يكون أو لا يكون منتمياً إلى صفوف الأعداء. ينسج نديم أسلم ببراعة مذهلة لحظات أساسية من تاريخ مفعم بالعذاب، فيمضي بنا لنشاهد جثة الرئيس الأفغاني الشيوعي نجيب الله وقد علقت من عمود إشارة مرور، ونحن نرتحل مع رجال طالبان فيما هم يتأهبون لدخول كابول، ونجلس صامتين أمام مشاهد مروعة لقطع الأيدي وإحراق الكتب، ونتابع لعبة البوزكوشي التي يمارسها اللاعبون وهم على ظهور الجياد ولكن بدلاً من الماعز فإنهم يستخدمون في اللعبة جندياً سوفيتياً.
لكن الرواية مع ذلك مليئة باللحظات الرقيقة في أماكن لا تخطر لنا على بال، حيث ينمو حب رقيق بين كاسا ودنيا، وهي فتاة واثقة من نفسها تهرب بدورها من أحد قادة الحرب، فيما هما يتبادلان سجادة صلاة، وربما يتوق كاسا إلى الموت، ولكن ما يتوق إليه حقاً يتمثل في الطفولة والعائلة اللتين لم يعرفهما قط.
وهناك وقائع في الرواية بالغة الحدة والفظاعة بحيث أن القارئ قد يجد نفسه مضطراً لإغلاق الرواية ومحاولة التقاط أنفاسه قبل أن يستطيع معاودة القراءة من جديد. وبالمثل هناك صور شعرية مذهلة للغاية بحيث تدفع القارئ إلى التوقف ومطالعتها من جديد لتذوق الجمال الفائق للغة التي صيغت بها.
ومن المحقق أن هذا العمل سيقرأه الكثيرون بحسبانه رواية عن أفغانستان، لكنها في حقيقة الأمر ينبغي أن تقرأ باعتبارها كتاباً عن الحب في كل زمان ومكان.وقد قال نديم أسلم إن والده قد نصحه بأن يكتب دائماً عن الحب، وهو في روايته الثالثة يظهر التزاماً مطلقاً بالعمل بهذه النصيحة الثمينة.
وقد كان من الطبيعي أن يلقى عملاً إبداعياً على هذا القدر من الأهمية اهتماماً فائقاً من الكتاب والنقاد، وبصفة خاصة في المطبوعات المتخصصة المعنية بعروض الكتب.
تقول مطبوعة «لايبراري جورنال» عن هذه الرواية، بلا تردد، إنها: أفضل رواية عن الوضع الراهن في الشرق الأوسط، حيث يتم التعبير عن الجهاديين، سادة الحرب، الأميركيين الغارقين في الحروب جميعاً من خلال نثر هادئ ومتدفق وشديد الجمال يكشف عن الخطأ الجوهري الكامن في الصراع الراهن من كل زاوية. وليس هناك تزويق ولا كاريكاتير، وإنما كتابة أصيلة تستهدف المساهمة في خلاص العالم وجمع من الشخصيات المذهلة، فلا يملك المرء إلا التوصية بقراءة هذا الكتاب .
الكتاب: اليقظة المهدرة
تأليف: نديم أسلم
الناشر: فيبر أند فيبر لندن 2008
الصفحات: 384صفحة
القطع: المتوسط
The wasted Vigil
Nadeem Aslam
Faber and Faber
London 2008
P.384
