ترى د. رغداء مارديني في كتابها «المناظرات الخيالية» أنَّ هذا الفن شغل الكثير من الدارسين ولاسيما ما تعلَّق منها بالمناظرات الدينية والعقائدية والنحوية والسياسية، انطلاقاً من أنَّ إرهاصات المناظرات الأولى بدأت مجادلةً حول الحق في الخلافة بعد وفاة النبي (ص) ، وما ترتَّب على ذلك من معارك لاحقة بين المتناظرين، وظهور الفرق والأحزاب والمنافحين عنها.
وقد لقي فن المناظرات عناية فائقةً من هؤلاء الدارسين لما قدَّمه من مصنَّفات ورسائل، حملت رؤيً وأفكارا قامت في أساسها على الجدل والحجة والبرهان والمنطق.
تتحدَّث د ـ رغداء مارديني في كتابها عن نشأة فن المناظرات كالتي بين البلدان والأمكنة والمباني، وبين أنواع النبات، وبين الحيوانات، وبين مظاهر الكون والفصول. وبين أنواع الأسلحة والقلم وما يعنيه الصراع الذي نشأ بينهما، انطلاقاً ممَّا يمثِّله القلم من رأيٍ يصدر عن أصحاب الفكر، وما يمثِّله القلم أحياناً من تشابهٍ واضحٍ مع الرمح أو العصا.
الأمر الذي صارت تُقدَّم فيه تلك المحاورات أو المناظرات بين السيف والقلم نتيجة صراع السلطة والقوَّة القاطعة، مع من ينطق بما يملي عليه الفكر ليخترق السلطة ويطولها عن بعد. ومن هذه المناظرات تورد الباحثة مارديني مفاخرة جرت بين السيف والقلم لابن نباتة المصري؛ إذ يقدِّم فيها القلم نفسه على إنَّه منارة الدنيا، ونظام الشرف والعليا، وعون الدولة، ووسيلة علمها، والمهم في نشر أفكارها، ولا يُستغنى عنه في السلم ولا في الحرب.
ثمَّ تذهب د. رغداء مارديني إلى البحث في أغراض المناظرات الخيالية التي تشعَّبت وتعمَّقت في مضمونها بين كثير من الأهداف والغايات التي نثرت بواطنها، والتي أراد الأدباء من خلالها إطلاق صيحة دينية سياسية حيناً، وسياسية اجتماعية دينية حيناً آخر، وتصنفها في خمسة أنواع: الأغراض الدينية، والسياسية، والاجتماعية، والتعليمية، والأدبية.
ففي الدينية استخدم أدباء المناظرات ثقافتهم الدينية في دعواتهم للإصلاح الديني العقائدي، وحتى الاجتماعي والسياسي، بما فيه من حكمة وتسامح وضرورة لعدم الابتعاد عن تعاليمه، ولاسيما أنَّ الأصل في المناظرات وبداياتها كان البحث والحوار والمناقشة والتناظر في أمور الدين والعقيدة. ومن هنا امتزج موضوع الدين بالسياسة، والسلوك الاجتماعي الأخلاقي.
وتداخلت بعض الموضوعات مع بعضها إلا من أمثلة حافظت على موضوعها الديني النقي، فقد ردَّ (السيوطي) مثلاً في مناظرته النار والتراب، ردّاً عقائدياً دينياً على كثير من الملاحدة الذين هدفوا إلى بذر الشقاق والخلافات بين المسلمين، ضمن مواجهة الأدباء والشعراء الذين عارضوا نظريات القرآن الكريم ومنهم مثلاً بشار بن برد.
أمَّا المتصوِّفة فلهم مناظراتهم كتلك المناظرة بين أعضاء الإنسان الجسدية التي جعل فيها (ابن قيم الجوزية) القلب والعين يتناظران إذ يجري صراع بينهما حول من يدفع الآخر لارتكاب المعاصي والشرور، ما يدعو الكَبِد لأن يتدخَّل لتنشأ مناظرة بين الروح والجسد.
في الأغراض السياسية تعتبر د ـ مارديني أنَّ رسالة (سهل بن هارون) التي تبادلها النمر والثعلب، ومن ثمَّ الذئب؛ فاتحة مهمَّة بالمناظرات الخيالية التي اتَّخذت من السياسية غرضاً لها، حين أسند إلى النمر دور الملك، وإلى الذئب دور الوالي، والتي نرى أنَّ أبعادها تتَّصل بالفتنة التي شبَّت بين الأمين والمأمون في القرن الثاني للهجرة. ولعلَّ المحاورة التي أقامها الجاحظ بين الكلب والديك تعدُّ أيضاً من أولى المناظرات التي جسَّدت التكثيف الخيالي للمناظرات.
كما تضيف رسالة «الصاهل والشاحل» عند أبي العلاء المعري إلى ما اقتصر عليه المؤرخون من سرد الأحداث السياسية، وتتبع تعاقب الحكَّام والولاة والصراع الدامي المحموم على السلطة، عرضاً حافلاً لأحوال المجتمع وأوضاعه.
هذه الأحوال التي دفعت أديباً مثل (الخلوتي) لأن يستخدم الطرفة السياسية في أدب المناظرات الخيالية، فيبرز الخوف المكبوت، في الاختباء وراء الفكاهة حين يقيم مناظرة بين الفئران في (مقالة درية في مقامة فأرية) فيرصد حالة تلك الفأرة التي عاثت فساداً في منزله: لا أدري ما هنالك إذا نزل سلطان الفأر وجيوشه بساحتي، ومنعوني بأصواتهم وأذاهم قراري وراحتي، لا أدع طعاماً إلا أكلوه، ولا شراباً إلا أفسدوه، ولا متاعاً إلا أتلفوه، ولا كتاباً إلا مزَّقوه، فقلت هؤلاء الفيران صاروا لنا جيرانا، نعاملهم معاملة الجار، فطال منهم الباس، إلى أن كاد ينهدم من الجدران الأساس.
ولم يكن الخلوتي وحده من استعار الفئران لمناظرته، وإنَّما استعارها صفي الدين الحلي في (رسالة الدار في محاورات الفأر) ليُظهر ما حصل بينه وبين أرباب الدولة بالخزانة العالية بقلعة «ماردين» حين ضيَّعوا حقَّه، فجعل هذه المناظرة شكوى بين دار ابن دكناس وهي تشكو إلى القلعة، مقرَّ الصالح الأرتقي وحشتها بعد الإيناس، والفأر يلعب فيها ولا يجد له قوتاً.
ثمَّ تخلص د.رغداء مارديني أنَّ الأدباء لجأوا إلى أسلوب المناظرات الخيالية العامَّة والفرعية في الكتابة النثرية، انطلاقاً من إظهار المقدرة والبراعة الذي بدأ في مدح الأشياء وذمِّها منذ العصور المتأخِّرة ـ كمدح الدينار وذمِّه عند الحريري في إطار جلب الدينار للخير أو الشر..الخ.وقد تطوَّر هذا إلى نوعٍ من إبراز الثقافة العلمية الموسوعية بما تحمله من مضامين خاصَّة بكلِّ عصر، فصار التستُّر وراء تلك الرموز التشخيصية الخيالية أسلوباً مهمّاً في طرح كثيرٍ من الموضوعات والأفكار الحسَّاسة التي تتعلَّق بالدين، والعقيدة، والقضاء، وأسلوب الحكم، وسياسة الحكام، والرأي، والشكوى، والصراع بين الجند والكتَّاب، والردِّ على الخصوم والأعداء ، وكذلك التقرُّب من الحكَّام والأمراء والولاة ومدحهم.
وقد رسم أسلوب بعض هذه المناظرات وجهاً مهمّاً في عملية الإصلاح الديني والسياسي والتعليمي في المجتمع بشرقه وغربه عبر العصور، كما رسم وجهاً جمالياً أدبياً وترفيهياً من صيغ التفاخر بالسيادة، والحكمة، والحصانة، والمنعة، والمقدرة، مع ما أخفته من أهدافٍ وغايات عميقة وعلمية مفيدة.
الكتاب: المناظرات الخيالية
تأليف: رغداء مارديني
الناشر: دار الفكر دمشق 2008
الصفحات: 566صفحة
القطع: الكب
أنور محمد
