يعتبر محمد حسن رمضان مؤلف كتاب «السلفية والعلمانية» ان أحد أسباب عظمة الإسلام ومرونته وديناميكيته ورؤيته الفذة للمستقبل هو أنه قد ترك النظام السياسي من دون شرح أو تفصيل أو إلزام، لعلمه الجازم بأن الزمان والمكان متغيران. فحين وفاة الرسول، صلى الله عليه وسلم، لم يكن مفهوم الشورى يتعدى تطبيقات أولية للنبي في بعض مسائل الحرب والمجتمع والاقتصاد، بمعنى أنه لم يكن مفهوماً مكتملاً ومؤصلاً ومفصلاً، ولم يكن مصطلح «أهل الحل والعقد» معروفاً، والنبي لم يستعمله أصلاً، وحتى آليات الاستخلاف والعزل لم تكن محددة.
ولعل أكبر العلل التي أصابت الفكر الإسلامي في صميمه عبر الأربعة عشر قرناً المنصرمة أنه لم يوجد كاتب إسلامي إلا من رحم ربك كتب عن الآخر المختلف عنه بحياد وتجرد. فعندما هاجموا المعتزلة ومن بعد القرامطة اتهموهم بالإلحاد والتفلت من كل ضابط أخلاقي، والرذيلة، والتحلل، والتعري، والشذوذ، والجنس الجماعي، وتناول الخمور.ولم يختلف الأمر مع الجهمية والقدرية والأشعرية والماتريدية وغيرهم.هذا لا ينفي وجود قلة من العلماء يتمتعون بالحصافة العلمية، كأبي حنيفة النعمان الذي وضع أساساً طيباً للحوار البَنَّاء حينما قال: كلامنا هذا رأي، فمن كان عنده خير منه فليأت به!من خلال الآية الكريمة التي تقول: (اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام دينا)، والحديث الشريف الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم حينما سئل عن تأبير النخل (أنتم أعلم بشؤون دنياكم)، وسرد مفصل للأحداث التي أعقبت وفاة النبي، صلى الله عليه وسلم، حيث تبين أنه لم يستخلف أحداً بعده، ولم يُلزم المسلمين بنظام حكم معين.
. يتوصل محمد حسن رمضان إلى أن مبدأ فصل الدين عن الدولة الذي تعتمده العلمانية إنما هو مبدأ إسلامي بامتياز.المشكلة، في أن مفهوم العلمانية قد ارتبط في أذهان غالبية الشعبين العربي والإسلامي بالإلحاد، والتحلل الأخلاقي، وهم يعتبرون أن أي توجه ينادي بالتمييز بين ما هو دنيوي وما هو ديني هو توجه عَلماني يجب رفضه، بل ومحاربته. ويرون أن المجتمع يجب أن يكون إسلامياً.. والاقتصاد، والسياستان الداخلية والخارجية، والقانون العام، والتجاري، والجنائي، وتصرفات الأفراد والهيئات والمؤسسات يجب أن تكون كلها إسلامية.
إن النبي صلى الله عليه وسلم حينما طُلب منه إبداء رأيه في مسألة دنيوية قال: أنتم أعلم بشؤون دنياكم. وقال أيضاً: في مسائل الدنيا هم بالخيار، إن أخذوا به أو تركوه لا بأس عليهم.
والسؤال: هل سمعتم في حياتكم، أو قرأتم في مكان ما من ذلك التراث الإسلامي الطويل العريض، أن شخصاً أتى يسأل رجل دين إسلامياً عن مسألة ما فأجابه بفتوى النبي صلى الله عليه وسلم السابقة؟
إن الباحث حسن محمد رمضان يتمتع بالمنهجية العلمية والمعلومات الغزيرة التي تساعده على الخوض في هذا الموضوع الشائك، وأهم ما يلاحظ عنده أنه غير متعصب لفكر أو آيديولوجية أو طائفة معينة، بل يريد أن يصل إلى ما ينفع المسلمين المعاصرين في حاضرهم ومستقبلهم، ويبين ما يؤذيهم، وإنه لا يؤذيهم شيء بقدر ما يؤذيهم التناحر والتنابذ وإلصاق التهم بالآخرين بلغة الإنشاء اللغوي بدلاً من السعي إلى الحقيقة بلغة العلم والوثائق والمنطق.
الفكر الانتقائي
أهم سمة للفكر السلفي هي أنه انتقائي، يأخذ من الإسلام ما يلزم له من أجل دعم موقفه السياسي، ويتغافل عما يُعارض هذا الموقف، والسمة الأخرى هي «مطاطية» هذا الفكر، وهي أهم نقاط ضعفه، ولكنها للأسف أكثرها خطورة وتطرفاً. فالفكر السلفي التقليدي (أو الحكومي كما يحلو لبعضهم أن يسميه) يرفض أية صورة من صور الانتقاد وخصوصاً من عامة الشعب لشخص الحاكم وأفعاله، فَمَنْ يفعل ذلك يخرجْ عن دائرة السلف الصالح، أو حتى عن الإسلام. وسبيل الإصلاح لديهم هو أن ندعو الله لنا وللحكام بالصلاح، لا أكثر.
الكتاب: السلفية والعلمانية
تأليف: حسن محمد رمضان
الناشر: دار الحصاد دمشق 2008
الصفحات: 332صفحة
القطع: المتوسط
خطيب بدلة

