يتلاعب جميل شفيق بالخطوط والألوان بشكل عبقري، وكأنك تشاهد فضاء رحبا يشي بالآفاق البديعة العابقة بالأمل ويضفي معنى جميلاً، وواقعاً محتملا يلامس الملامح الرومانسية يجسد الإحساس بالتطور والبعد الثالث حيث تم ذلك من خلال المنظور الواقعي الحقيقي للأشياء والمنظور التخيلي الذي هو من وجهة نظر الفنان تعبير عن الفكرة السائدة في كل لوحة.

حالة شجن

إذا ما دققنا في لوحات جميل شفيق نجد حالة أخرى من الشجن والاندماج والتوحيد بين عناصره التشكيلية في كل لوحاته، وتأكيد على التنويعات بالخط والفورم والعنصر والتكوين بالأبيض والأسود.

والذي قد يتصور المتلقي من أول وهلة بساطته وسهولته في التعبير، لكنه على العكس تماماً، فمِن الصعوبة البالغة أن تدرك وتحقق وترصد وتوضح وترسم كل معاني ورموز وعناصر الفن التشكيلي في لوحة من الأبيض والأسود، فعند ذلك تكمن الصعوبة، صعوبة التعبير عن العناصر والتكوين والقيم التشكيلية من تكوين وترديد وتوليف وظل ونور وشكل وأرضية وأبعاد وتطور بالأبيض والأسود فقط.

كما تكمن مهارة شفيق الفنية والتقنية ليس في التعاطي بالأبيض والأسود فقط، لكن في كل مندرجاتهما، مرورًا بالتونات اللانهائية بين الأبيض والأسود وتأثيراتها في إخفاء وإثراء فكره وفلسفته في كل لوحة، وكذلك هناك تبدل من نوع آخر في المواضيع ما بين الواقعية والتجريدية والسريالية.

تكامل لوني في اللوحة

يجمع الفنان جميل شفيق في كثير من لوحاته بين العديد من المدارس الفنية، معبراً عن هدفه وفكره وما يدور في خلده، تحقيقاً للجمال المنشود الذي يود أن يصل إليه، والشيء الجميل الذي رأيناه من خلال أعماله والغوص ما بين لوحاته أن «شفيق»أحدث نوعا من الهارموني والتكامل والتوليف بين العناصر التشكيلية والمدارس المختلفة في اللوحة الواحدة بحيث إنه عمل دمج بين عناصر التكوين وخلفية تلك العناصر، وذلك لخدمة المضمون والمعنى الذي يريد أن يوصله للجمهور المتذوق.

جاء ذلك نتاج تأثره بالخلفية الثقافية والثراء البصري الذي اكتسبه من معايشته لمعظم المدارس والأعمال الفنية العالمية، كذلك حضوره للعديد من المعارض المحلية والعالمية وزياراته للمتاحف العالمية، وخبرة نشأته وبيئته التي أثرت فيه بشكل كبير، والتراث الثقافي والفني وحبه الشديد لعناصر المكان والزمان في أي مكان يتواجد فيه، كذلك حبه للحكايات والأساطير الشعبية من خلال حكايات أجداده.

ومما لا شك فيه أن وجوده ونشأته في مدينة طنطا، إحدى المدن المصرية الخالدة بمعالمها التراثية ساهمت في تشكيله الثقافي والفني حيث تأثر بالعديد من الموروثات الاجتماعية والفكرية والثقافية، أبرزها مولد السيد البدوي بكل ما يحوي من أحداث وعادات وقيم متوارثة، فأحيانا تجده شاعرا يغرد بالفرشاة وأحيانا أخرى تجده متأملاً للأحداث.

الفنان جميل شفيق عاشق حقيقي للرسم بالأسود على فراغ كوني أبيض، وقد يكون ذلك عائدا لانغماسه في العمل الإعلامي كرسام صحفي في بعض الجرائد، كما يلاحظ أن معظم إنتاجه بمثابة انعكاس لروحه المبدعة في بناء خيالي للفكرة التي تراوده في كل لوحة، وصياغة للمفردات الواقعية في أسلوبها فني يميزه عن غيره، فهو شخصية متفردة في تألقها الفني، وهذا يضاف إلى تميزه الفني المعبر عن شخصيته.

فالإنسان في لوحاته عنصر يختلف تجسيده من لوحة إلى أخرى، كذلك الطبيعة وموج البحر والجبال والكائنات الحيوانية كالسمك والحصان، يعبر عنها بطرق وحلول تشكيلية متنوعة نجدها أحيانًا وكأنها أجساد ممتدة في العمق تتحرك بنبض الطبيعة، وأحيانًا أخرى يطبق المعادلات الطبيعية معكوسة للعناصر المألوفة بقياسات لا معقولة.

ضد العولمة المتسلطة

إضافة إلى ذلك تتحكم بالفنان جميل شفيق عناصر مختلفة ومتنوعة ما بين درجات الأبيض والأسود المميزة للوحاته، فهو يطوعها حسب رؤيته لخدمة موضوع اللوحة.

وعن الرسالة التي يود أن يقدمها قال شفيق«الفن الجميل، يعكس معاني الحياة ومفرداتها، والتأكيد على إنسانية الإنسان، ومحاولة إثبات الذات والبعد عن العولمة المتسلطة، وسيطرة بعض الدول والأشخاص على مصير باقي الشعوب والناس، وإجبارهم على أساليب وثقافات معنية بمصالحهم الشخصية، وأن على الفنان في أي زمان ومكان في العالم أن يكون صادقا مع نفسه كي تصل أعماله إلى الناس بصدق وشفافية.