تحتضن مدن أوروبية عديدة، هذه الأيام، معرضا فنيا فريدا من نوعه حول مغني فرقة البيتلز الراحل جون لينون يكشف النقاب عن وجهه الفني التشكيلي المعروف أقل من الوجوه الفنية الأخرى التي تمخضت عنها الموهبة الفريدة، حيث يحاول هذا المعرض الابتعاد عن عالم الموسيقى ليعرض للإنتاج التصويري الزاخر الذي أبدعه الموسيقار الشهير.
«الفن التشكيلي كان، بالنسبة لجون، حبه الأول»، هذا ما أشار إليه منظمو المعرض بعد ذكر أنه «استهل الرسم حتى قبل أن يقتني قيثارته الأولى».وكان معرض «فن جون لينون» قد فتح أبوابه أمام الجمهور، مؤخرا، في ضاحية «جيرميش ـ بيرتينيكيرشن» في إقليم بافاريا الواقع جنوبي ألمانيا بغية عرض حوالي 150 عملا فنيا تصويريا من المجموعة التي أبدعها عضو فرقة البيتلز الأسطوري، وهو أقل مظهر فني عرفه الناس عنه، وسيبقى المعرض مشرعا أبوابه هناك حتى 21 أغسطس لينتقل بعدها إلى مدن ألمانية وأوروبية أخرى بعد محطة له في ليفربول، مهد البيتيلز. ويضم المعرض سلسلة من الرسومات والرسومات الكاريكاتيرية وأعمال الحفر التي أبدعها ملحن أغنية «إيماجن» ـ تخيل ـ بين 1968 وديسمبر 1980، التاريخ الذي تم فيه اغتيال جون لينون رميا بالرصاص على يد مارك ديفيد تشابمان بالقرب من شقته في نيويورك.
وذكرت صحيفة «كلارين» الأرجنتينية أن غالبية هذه الأعمال الفنية تنتمي إلى مجموعة خاصة ضخمة من رسومات لينون تمتلكها أرملته الفنانة ياكو أونو، وهي تصور المشاهد والأشخاص الذين لعبوا أدواراً رئيسية في حياة الموسيقار، على غرار ابنه سيان.
لوحات تشكيلية ورسومات كاريكاتورية تعكس رهافة «الخلق الإنساني الرفيع»، الذي كان يميز شخصية لينون» و«النظرة التهكمية، التي تأمل موسيقار ليفربول محيطه من خلالها»، على حد تعبير منظمي المعرض.
في بعض الأحيان، كان هذا المؤلف الموسيقي يصنع توليفة خاصة ويجمع رسوماته مع نصوص شعرية وأدبية بلا معنى «داعياً المتفرج ليس للابتسام فحسب وإنما للتأمل أيضاً»، حسبما أضافه منظمو المعرض، الذي يمكن زيارته في جيرميش- بيرتينيكيرشن.
أما هدف المعرض، فإنه يكمن في تعريف الجمهور بالمنتج التصويري واسع النطاق الذي أبدعه جون لينون، والذي يعكس ميلا فنيا بقي مغموراً إلى حد ولم يبرز تماما على غرار غيره من الميول الفنية المتعددة التي كان يتمتع بها الموسيقار، والذي ظل قابعا خلف ظلال النجاحات الموسيقية الكبيرة التي ابتكرها الأب الروحي للرباعي الشهير الذي تحول في وقت لاحق إلى أحد أهم الظواهر الثقافية في القرن العشرين.
في ظل حالة موته الدراماتيكية، تعرضت رسوماته لعملية إقصاء لا علاج لها وبقيت عند المستوى الثاني من الاهتمام، بينما تحفظ بعض مؤلفاته الموسيقية مثل «النجدة»، «لوسي في السماء مع الماس» و«يوم في الحياة» في أعماق ذاكرة عشاق الموسيقى حول العالم. وهذا هو بالذات الدافع الذي يقف وراء فكرة المعرض القائمة على التعريف بالميول الفنية التشكيلية التي تظهر شخصية لينون العبقرية.
وبالعودة إلى إشارة منظمي المعرض التي تقول إن «الفن التشكيلي، بالنسبة إلى جون لينون، كان حبه الأول»، يمكن اعتبار أن هذا المعلم هو الأبرز الذي يتيح هذا المعرض الاستثنائي للجمهور الاطلاع عليه، ذلك أنه ليس صدفة أن يكون جون لينون قد استهل مسيرته الفنية بالرسم والشعر حتى قبل أن يقتني قيثارته الأولى وقبل أن يصبح عضواً في فرقة البيتلز.
وقبل أن يبلغ المجد من موقعه كموسيقي، فلقد كان لينون قد درس ليصبح رساماً ، كما أنتج آلاف الرسومات التي تمتلكها أرملته حالياً، بعضها، على غرار الرسومات المعروضة في المعرض الجوال الأوروبي، رأى النور ويعرض في أهم متاحف العالم مثل متحف الفن الحديث في نيويورك(موما)، بينما لا يزال البعض الآخر مجهولاً.
في عام 1957وقبل تأسيس الفرقة الإنجليزية ذائعة الصيت، التي كانت ستقوده إلى الشهرة العالمية إلى جانب بول مكارتني وجورج هاريسون ورينغو ستار، درس لينون في كلية الفنون في ليفربول، كتب ورسم في عدة مجلات تحت اسم مستعار قصصا وموضوعات تهكمية ساخرة قصيرة تسعى حاليا مؤسسات عالمية إلى جمعها وضمها في كتاب. وفي تلك السنوات أيضاً تم تكليفه بوضع تصميم غلاف اسطوانة موسيقية وتمكن من إصدار ثلاثة كتب.
قادته شخصيته القوية وروحه الموسيقية الثائرة إلى الوقوف بقوة ضد حرب فيتنام والنضال في سبيل هدف وحيد هو السلام العالمي. ومبادئ لينون السياسية والأخلاقية، التي تشاطرتها معه زوجته يوكو أونو، مجسدة في عدد من رسوماته المعروضة ضمن هذه المجموعة، وغالبيتها تنحدر من كتابه «الحب الحقيقي»، الذي كتبه عندما كان ابنه سيان لا يزال طفلا.
شكلت فرقة البيتلز عموما وجون لينون على وجه الخصوص ظاهرة فنية ثورية متكاملة بأبعاد أيدلوجية واضحة لا لبس فيها، ويعتبر لينون أحد أهم العمالقة في تاريخ الموسيقى كله، إنه إنسان في أسطورة وضع موته العبثي العنيف غير المنتظر النقطة الأخيرة فيها وهيج الخيال وفتح قريحة الناس على شتى التأويلات والقصص، لكن أحداً لا يختلف حول عبقريته التي لا يمكن إنكارها كموسيقي وعازف وشاعر وفنان تشكيلي وكشخصية كاريزمية ملتزمة بقضايا الناس الاجتماعية والسياسية ومناصرة لقضية السلم الأهلي.
روح التغيير تلك تعدت حدود الأداء الموسيقي وإدخال الكثير من التغييرات الحيوية على صعيد الأوزان والكلمات وطريقة ألداء والعزف وتمكنت من توسيع رقعة انتشار الموسيقى الشعبية وتوصيلها إلى قطاع واسع من الجمهور بعد أن ظلت ولسنوات طويلة حبيسة المقاهي والنوادي الليلية، ولقد تزامنت هذه النقلة النوعية في الفلسفة الموسيقية مع عدد من العوامل التقنية والاجتماعية، التي يتصدرها ظهور راديو الترانزيستور وخروج الموسيقية الشعبية من أوكارها الضيقة، وانتقال المجتمع الانجليزي إلى رحاب الثورة الرأسمالية بأوسع تجلياتها التي تجسدت أولا وقبل كل شيء بظهور أحياء المدن الصناعية الحديثة.
كما تمكن رواد هذا الجيل من الموسيقيين وعلى رأسهم جون لينون من إحداث ثورة حقيقية حتى على صعيد المفاهيم الاجتماعية والعقليات التقليدية التي كانت سائدة في النصف الأول من القرن العشرين، ثورة تجسدت في تحويل تفاصيل الأحداث ومجريات الحياة اليومية إلى قيم فنية شمولية قادرة على الولوج إلى أعماق النفس البشرية وتحريكها باتجاه آفاق حقيقية للتغيير بعيدا عن دجل المراكز الاحتكارية وتلاعب وسائل إعلامها بالناس وتوجهاتهم وحتى أحلامهم.
وربما شكل هذا الجانب الثوري من حياة وموسيقى جون لينون الدافع الرئيس لاتخاذ قرار تصفيته جسديا، حسب اعتقاد البعض، على الرغم من اعترافات قاتله مارك ديفيد تشابمان التي أصر فيها على الدافع الشخصي مدعيا أن الغيرة هي التي دفعته إلى إطلاق الرصاصات الخمس التي اخترقت ظهر الفنان وأسدلت الستار على حياة أحد أهم موسيقيي القرن العشرين.
جون لينون في سطور
ولد جون لينون في 9 أكتوبر عام 1940، وتوفي في 8 ديسمبر 1980. مغنٍ وشاعر وعازف غيتار في فرقة البيتلز وفنان تشكيلي. بعد توقف الفرقة عام 1970، عاش مع زوجته الفنانة أيضاً يوكو أونو في الولايات المتحدة، حيث أكمل مشواره الفني.بدأ لينون مسيرته عضواً في فرقة البيتلزفي ليفربول في انجلترا.كان يعزف على الغيتار، ومن ثم تعلم العزف على البيانو.
أغلب قصائد أغاني الفرقة كتبها لينون وكذلك بول مكارتني. من أشهر الأغاني التي كتبها لينون للفرقة «ليلة يوم عصيب» و«النجدة» و«حقول فراولة للأبد» و«يوم في الحياة». حينما انتقل إلى الولايات المتحدة، عاش أغلب الوقت في نيويورك، حيث سجل عدة ألبومات هناك، أشهرها ألبوم «تخيل». في عام 1980 اغتيل وهو ذاهب إلى منزله في نيو يورك على يد مارك ديفيد تشابمان الذي يعتقد أنه مختل عقلياً. توجد الآن حديقة في نيو يورك اسمها على اسم أغنية حقول الفراولة.
باسل أبو حمدة

