بعد ظهور الحكومة أصبحت المرأة تخشى الخروج من المنزل حتى لا تتعرض للخطف أو القتل بسبب زيها أو توجهها السياسي، خصوصا إذا كانت إعلامية لأن الصحافة والإعلام أصبحا مرتبطين بأحزاب وتنظيمات وطوائف كل منها لها مشاريعها وأهدافها.
عالية طالب هي روائية وصحافية حملت بداخلها هموم وطنها وجراحه وترجمت ذلك في كتاباتها. تصف ما يجري في وطنها العراق بالكارثة، وأنه بحاجة إلى صحوة أديب وليس صحوة مجتمع مثلما يحدث الآن، صدرت لها أول مجموعة قصصية بعنوان «الممرات» العام 1989، ومجموعة أخرى تحت عنوان «بعيدا داخل الحدود» العام 1999م، ورواية «أم هنا - أم هناك» العام 2001، و«الوجود» العام 2002، ومجموعة قصصية تحمل عنوان «امرأة في العراء» العام 2006.
«مسارات» التقى الكاتبة وهذا الحوار التالي نصه معها: لتكن البداية بالمشهد العراقي.. إلى أي مدى عبرت الرواية عن المآسي التي يعيشها العراق الآن؟
إلى الآن لم تظهر روايات بهذا المعنى، لأننا مازلنا نعيش في تلك المآسي والرواية تحتاج إلى زمن للكتابة ولا نستطيع أن نسجل ما يجري يوما بيوم، ربما تستطيع المقالة أن تفعل ذلك، أما الرواية فهي تحتاج إلى زمن تمثيل وامتصاص ثم إعادة إنتاج، وهناك بعض الكتابات مثل القصة القصيرة ربما عبرت بعض الشيء، ولكنها لم تستطع الدخول إلى العمق.
إن ما يجري في العراق كارثة بكل معاني الكلمة، فنحن نحتاج إلى صحوة أديب حتى نفيق من الصدمة، وقد حاولت أن أكتب عملا روائيا وأنا داخل العراق ولم أستطع، وحينما ابتعدت قليلا منذ عام بدأت في كتابة الرواية، والتي سترصد ما جرى لنا منذ العام 2003 وحتى اليوم بطريقة متغيرة.
رواية هادئة
ما أبرز ملامح هذه الرواية ؟
استرسلت في الرواية حيث ابتعدت عن التوتر اليومي الذي يستفزني فيغيرني من حالة إلى أخرى وفي ثوان قليلة متسارعة أجد أن هناك نقطة اهتزاز ألقت الأولى جانبا واستحوذت على وجداني قبل أن أهضمها أو تترسخ في داخلي لأعيد إخراجها، وحينما ابتعدت استطعت أن أصغى لما جرى بصوت متأنٍ بطريقة تمثيل حقيقي، وأعدت كتابة ما جرى بطريقة هادئة وليست متشنجة فخرجت الرواية هادئة.
حرية المرأة العراقية في ظل النظام السابق والآن.. هل يمكن مقارنتها؟
في السنة الأولى بعد سقوط النظام كانت هناك حرية حقيقية عندما كنا بلا حكومة، وكنا نستطيع أن نكتب ما نريد ونتحرك كما نريد، ويظهر جيل من الشباب والشابات استطاعوا ايجاد نوع من الحراك الثقافي والسياسي، فأصبحت هناك 125 جريدة و50 فضائية، وفي السنة الثانية وبعد ظهور الحكومة أصبحت المرأة تخشى الخروج من المنزل حتى لا تتعرض للخطف أو القتل بسبب زيها أو توجهها السياسي، خصوصا إذا كانت إعلامية لأن الصحافة والإعلام أصبحا مرتبطين بأحزاب وتنظيمات وطوائف كل منها لها مشاريعها وأهدافها.
إذن في أي جو يعمل الصحافي الآن؟
إذا أردت العمل في هذه الصحيفة أو تلك يجب أن تتبنى سياستها وخطابها الذي أنشئت من أجله وتتحمل النتيجة، فقد قتل من الإعلاميين العراقيين حتى الآن أكثر من مئة، وتم تحجيم المرأة فالمرأة الآن التي تعمل في الإعلام تفضل أن تبقى في الجريدة ولا تخرج أو تكتب باسم مستعار، وعندما تخرج تتنكر حتى لا يعرفها الجيران أو يعرفوا المكان الذي تعمل فيه فتكون عرضة للقتل، فاليوم لا توجد حرية للتعبير وإنما قمع للتعبير، فان تكتب وأنت خائف فأنت لست صحافيا، وأن تكتب وأن تخشى سيفا مسلطا على رقبتك إذن لن تتمتع بحرية التعبير.
زمن الشعر
كيف ترين المشهد الروائي العربي الآن؟
الزمن ليس زمن الرواية، فنحن كعرب دائما لدينا الشعر حاضر، فأنت عندما تستشهد بحادثة يسعفك بيت الشعر لأنك لا تستطيع الاستشهاد بفصل من الرواية، وقد فقدت الرواية أجزاء من أهميتها بعد دخول السينما وتكنولوجيا المعلومات، والتي أصبحت من انشغالات العصر ومتغيراته السريعة، وكذا العولمة أخذت من حصة الرواية.
هل أخذت المرأة العربية حقها بجوار الرجل في الكتابة الأدبية؟
الكاتبة العربية عموما منذ فترة ليست بالقصيرة أثبتت حضورا جيدا، وبرزت بعض الأسماء وإن لم تكن بكثافة أسماء الرجال، لكنها أسماء كان لها بصمة واضحة، بمعنى أنها استطاعت أن تقول كلمتها في مجتمع ذكوري شرقي، ليس هذا فحسب بل استطاعت أن تخرج من طور بعض المفردات التي كانت قديما تجعلها تتراجع، فالمرأة ليست في نطاق الند وإنما في نطاق أن تعطي وأن يكون عطاؤها مميزا ومستمرا ومتواصلا ومجديا للمجتمع، وأعتقد أن تلك المحددات قد آمنت بها المرأة الكاتبة، واستطاعت الخروج من طوق القبيلة والعشيرة وأصبح مداها أكبر.
إلى أي مدى تؤثر الرواية في الواقع الاجتماعي وتغير فيه؟
الراوئي ليس مصلحا اجتماعيا، ولكن دوره مهم لأنه يعيد ترجمة ما يجري ويحوله إلى مشهد سياسي، ومن أدواره أيضا إظهار الكلمة على ما يجري في بلده لصالح مشروعه السياسي، والآن في العراق المثقف ربما يحاول البحث عن هذا الدور حقيقة.
وهناك روايات كتبت بعض الأشياء ولم تخف لأنها لم تكن في العراق بل خارجه مثل بعض الروايات التي صدرت في دول المهجر وأغلبها كان جيدا ومتميزا، وقالت كلمة في وجه الواقع السياسي مثل (القارورة - الصاخب والنساء ومصابيح أورشليم) لعلي بدر ومحمد الحمراني، ولكن مساحة انتشارها كانت ضعيفة، ولم يخدمها الإعلام، وربما كان على المثقف أن يفتح الطرق أمامه لكنه بحاجة إلى رعاية مؤسسة ودولة وعقل عربي.
(دار الإعلام العربية)
