قام ميلان كونديرا في كتابه «الستارة» بتقديم لوحات فنية في التاريخ و الأدب، الموسيقى والأيديولوجيا، ولكنه أبدا لم يذكر رواية واحدة لكاتبة نسوية وكأن التاريخ الروائي للعالم خلا كلية منذ مئات السنين من اسم واحد لكاتبة واحدة.

«الستارة الممزقة، ستارة سحرية من الأساطير، كانت متدلية أمام العالم. أرسل سرفانتس دون كيشوت في رحلة ومزق الستارة يتبدى العالم بكل العري الهزلي لنثره». هكذا شرح ميلان كوندير فكرة تسميته لكتابه «الستارة» في الجزء الرابع من الأجزاء السبعة التي طرح فيها أفكاره حول الكتابة الروائيةيناقش الروائي التشيكي ميلان كونديرا في «الستارة» مفهوم الستارة الممزقة، حيث مزق سرفانتس من خلال حركة بطله ستارة التفسير المسبق ووضع هذا الفن الجديد المسمى رواية على الطريق، فإن حركة سرفانتس الهدامة تنعكس وتتطاول في كل رواية خليقة بهذا الاسم، إنها رمز هوية فن الرواية. فقط أطلق سرفانتس بطله، وفقط صار طموح كل روائي أن يرى ما لا يراه السابقون عليه من الروائيين. منذ ذلك الحين، لم يعد الطموح الحقيقي لكل روائي هو أن يتفوق على أسلافه، بل أن يرى ما لم يروه وأن يقول ما لم يقولوه.

إنها تلك الستارة التي تقف بيننا وبين هذه العوالم الزاخمة ويجب تمزيقها لنكتشف النصوص الاستثنائية التي شكلت ذائقة القارئ والروائي معاً. تلك النصوص التي أثرت الذاكرة الإنسانية وأعادت تشكيل التاريخ الإنساني، فتاريخ الفن لا يحتمل التكرار «الفن موجود ليخلق تاريخه الخاص».

يصف كونديرا كتابه بأنه مقال في سبعة أجزاء ويحتفي في الرواية بالسرد الروائي طارحا عددا من الأسئلة الشائكة حول أصالة السرد الروائي وجدته وعلاقته بالفنون الأدبية، وفي طياته يشير إلى أن المشروع السردي هو مشروع الحياة، ينغمس فيه الكاتب طوال حياته وبعد انتهائه من مشروعه الكبير يكتشف أنه لم يعد هو نفس الشخص، لقد غيرته التجربة الروائية والسردية وقد كبر معه. لأن الرواية كانت تعبيرا عن الجدة ولم تكن مسبوقة فقد كان عليها أن تخط تاريخها وسلالتها. كان عليها أن تؤكد حضورها ومبررات وجودها.

إن الشكلانيين الروس وعلى رأسهم فيكتور شكلوفسكي يرون أن الروتين اليومي يجعل كل ما هو جميل وناضر يتسرب خارج وجودنا، ويصبغ الأشياء بالآلية، فنصبح بذلك عاجزين عن الاندهاش أمام السحر الكامن في الحياة، لذا فإن غاية الفن،هي إعادة الدهشة إلى كل ما هو المألوف،وإشاعة الحياة والحيوية في إدراكنا الذي تبلد.

يطرح كونديرا هذا المعنى في كتابه: «الستارة»، نحن ننشأ مع أفكار وتصورات مسبقة تزودنا بتفسير مسبق للعالم وتوصد أمامنا العديد من أوجه التجربة.

لقد قام ميلان كونديرا بالغوص في تاريخ الرواية العالمية بوصفها حقلا مميزا ومستقلا عن الحقول الإبداعية الأخرى. فالرواية في رأيه تقوم على استراتيجية الحفر في الطبائع الإنسانية،وتعرف كيف تشكل مسارها الخاص: «الحياة هزيمة محتومة، وعلينا محاولة فهمها، وهنا يكمن سبب وجود فن الرواية»، ويؤكد لنا أن الروائيين العظماء هم أفراد عائلة واحدة، منذ أن أطلق سرفانتس رائعته «دون كيخوته» لتكون فتحاً جديداً في الرواية، بابتكار سرد مشحون بالسخرية والفكاهة.

إنها مقاربة لتاريخ الرواية تلك التي يقدمها لنا الكاتب الذي يرى أن أهم ما يميز هذا التاريخ أنه لا يعيد نفسه كما هو الحال مع التاريخ الحقيقي. بدأ التاريخ الروائي مع سرفانتس الذي رفع الستارة التي تغطي نثريات الحياة،ولكن ترى ما الستارة التي يقصدها؟ إنها ستارة الأحكام المسبقة و الأيديولوجية و القناعات الموروثة و كل شيء نستخدمه لنعمي أبصارنا عن التفاصيل و الجمال الحقيقي للحياة اليومية.

لقد طرح الكاتب إشكاليات ثقافية و وجودية معقدة، بطريقة واعية و إدراك إبداعي، ومعرفة بالتحولات التي طرأت على فن الرواية كشكل من أشكال التعبير التي تمتلك تاريخاً خاصاً يغاير التاريخ الذي تعبر عنه السرديات السياسية و الثقافية التي أنتجتها الأيديولوجيات الكبرى.

لقد قام كونديرا باكتشاف إمكانية التعدد في تاريخ التعبير الروائي، وحاول أن يثبت أن للرواية تاريخ يختلف عن التاريخ بمعناه الواسع فقدم رؤيته لما فعله الروائيون قبله، فأكد علي أن بلزاك أعطى شكلاً متماسكاً للتاريخ، حين وظّف الوصف بشكل مكثف، وحرص على الوصف الدقيق لكل التفاصيل و كأنه يحاول تثبيتها و حمايتها من الزوال و الإضمحلال، في حين أن دوستويفسكي أعطى للرواية كثافة غير مسبوقة عبر ملء العالم الروائي بطبقات متعددة من الحوادث و الصدف التي تتجاوز السطح الراكد للحياة اليومية.

أما فلوبير فقد قدم للرواية شيئاً مغايراً عبر إصراره على نزع الطابع المسرحي للمشهد الروائي، لا ليكشف عن سطحية الحياة اليومية و خوائها فقط، بل أيضاً عن غباء تلك الحياة و خلوها من القيمة و الدلالة أما تولستوي فإنه ترك انتحار أنا كارنينا لغزاً و دوامة بالنسبة لأكثر نوازعنا و هواجسنا عمقاً و سرية.

حدد كونديرا رؤيته للرواية ودوره كمنظر وروائي قائلا: «روائي يتحدث عن فن الرواية ليس أستاذا يقدم خطابه من على منصة،، فهو سيتحدث عن نفسه، وأكثر من هذا عن الآخرين، وعن رواياتهم التي يحبها، والتي يوجد لها حضور سري في عمله. وبحسب معياره وقيمه، سيقوم مرة أخرى بملاحقة كل تاريخ الرواية الماضي.

وبقيامه بهذا فإنه يقوم بتقديم صورة عن شعرية الرواية، الشعرية التي تنتمي لنفسه. من خلال الفهم يخوض كونديرا مغامرته الروائية التي يرى أن الروائي فيها لا يقدم أو لا يكتفي بتقديم ما هو مكتوب على الستارة، بل عليه أن يمزقها. فالرواية، فن الرواية، ليست فرقة قرية موسيقية تقوم باستعراض، ولكنها هناك لكي تصنع تاريخها.

يحدد كونديرا مآلات الرواية ومساراتها منذ البدء فهو كمهاجر، ينظر لنفسه كضحية للنظام في بلاده وللقانون الأدبي الذي لا يعترف به، ينتقد البيروقراطية أو ما يطلق عليه البقرطة حيث يخصص جزءاً من كتابه الصغير هذا للحديث عن علاقة كافكا بالبيروقراطية. ولكن كونديرا يتعامل مع المفهوم ليشير إلى منظري الرواية و الأدب ـ خاصة الأكاديميين ـ ومن هنا فكتابه هذا يمزج بين خيال الروائي وصرامة الناقد.

ثم يستقصي الكاتب روح الواقع في الرواية، وينكر على من ينتظرون من الروائي دروسا أخلاقية في الوعظ والتربية، بل يتهكم علي مقولة سانت بوف حين نقد رواية مدام بوفاري قائلا: «اللوم الذي ألقيه على كتابه هو أن الخير غائب عنه أكثر مما ينبغي» ويتساءل لماذا لا توجد في هذه الرواية شخصية من شأنها أن تواسي القارئ وتريحه يقول كونديرا: «من المغري لي التهكم علي هذا الدرس الأخلاقي الذي يعيدني على نحو لا يقاوم إلى المواعظ التربوية للواقعية الاشتراكية»، ويؤكد على أن الرواية لها آلياتها الخاصة التي تتعامل بها بخلاف بقية الفنون.

فهي ذات تكوين خاص يتموضع في لحظة لا تنتمي إلا لها، فالروائي يستطيع أن يلتقط الصوت الخفي الذي لا يكاد يسمع لروح الواقع، عليه أن يعرف كيف يسكت صرخات روحه الخاصة، فالمؤلف ينفتح على العالم عند كتابة الرواية، ولا يعود هو نفسه كما عند نهاية العمل كما بدأه، ففي عالم الروايات لا توجد حدود للدول، والروائيون العظام الذين يحتمون برابليه جميعهم قرؤوه مترجما.

كما يميز ميلان كونديرا بين نوعين من الإقليمية الأدبية: إقليمية الأمم الكبرى وإقليمية الأمم الصغرى، إن الأمم الكبرى برأيه تقاوم فكرة جوته في الأدب العالمي لأن أدبها الخاص يبدو لها غنيا إلى درجة أنها لا ترى لزاما عليها أن تهتم بما يُكتب في مكان آخر.

الأمم الصغيرة، حسبما يرى كونديرا، تحافظ على احترام فائق للثقافة العالمية،ومع ذلك تبدو لها هذه الثقافة كشيء غريب. غرست الأمة الصغيرة في كاتبها اعتقادا بأنه لا ينتمي إلا لها. وإذا ما تطلع إلى الجهة الأخرى من حدود وطنه والتحق بزملائه إلى الأرض فوق الوطنية للفن اعتبروه مدعيا ومحتقرا لأهله.

ويضيف: بما أن الأمم الصغيرة تجتاز غالبا حالات يكون فيها بقاؤها على قيد الحياة موضع رهان فإنها تنجح بسهولة في تقديم موقفها على أنه مبرر أخلاقيا. كافكا كان يرى أن الأمة الصغيرة تظهر احتراما فائقا لكتابها لأنهم يزودونها بالكبرياء إزاء عالم عدائي يحيط بها. فالأدب بالنسبة لأمة صغيرة هو قضية شعب أكثر مما هو قضية تاريخ أدبي .

وهذا التداخل الاستثنائي بين الأدب وشعبه هو الذي يسهل انتشار الأدب في البلد ويرتبط فيه بالشعارات السياسية. هكذا يصبح تملكية الأمة إزاء فنانيها بمثابة «إرهاب» في السياق الصغير الذي يلعبه هذا الأخير في بلده الأم.

أما إقليمية الأمم الكبيرة فإنها تتبدى في العجز أو الرفض عن التفكير بثقافتها في السياق الكبير. يضرب كونديرا مثلا: منذ عدة سنوات أجرت صحيفة فرنسية تحقيقا شمل ثلاثين شخصية لها وزنها المهني: منهم صحفيون، مؤرخون، علماء اجتماع، ناشرون وكتاب. كان على كل واحد منهم أن يذكر حسب الأهمية أكثر من عشرة كتب مثيرة للاهتمام في كل تاريخ فرنسا. من القوائم التي صدرت سحبت بعد ذلك قائمة المائة كتاب الفائزة.في النتيجة خرج بؤساء فيكتور هيجو منتصرين (بالنسبة للكتاب الأجانب لا تعتبر هذه الرواية مهمة في تاريخ الأدب) في المرتبة الحادية عشرة جاء كتاب ذكريات الحرب لديغول (!! ماذا يهم الثقافات الأخرى بمذكرات قائد عسكري).

لكن المحير هو عدم حصول أعظم الروائع إلا على المراتب التالية. جاء رابليه في المرتبة الرابعة عشرة.مع أن رابليه إلى جانب سرفانتس هو مؤسس فن الرواية. أين «الأحمر والأسود» معجزة ستاندال في القرن الثامن عشر وأين مدام بوفاري، أين الكوميديا الإنسانية.؟ أين (البحث عن الزمن المفقود) أعظم روايات القرن العشرين؟

لاشيء من الشعر أو المسرح. هكذا أضاع الفرنسيون صموئيل بيكيت ويونسكو. يرى كونديرا أن دلالة هذا الاستطلاع أن النتائج تدل على تضاؤل المعايير الجمالية أكثر مما تدل على الإقليمية.

يطرح الكاتب فكرة شديدة الأهمية، وهي أننا إذا انتزعنا الأعمال الفنية من تاريخ فنونها، فإنه لن يظل لها أهمية تذكر، فلو أننا انتزعنا رواية السائرون نياما لهيرمان بروخ (1929 ـ 1932) من سياقها التاريخي ما كشفت لنا كل دلالة حداثتها الجمالية.

يختم الكاتب أجزاءه السبعة بفكرة الأبدية التي يمكن أن يطرحها الفن الروائي فيقول: «لقد مضت عصور مديدة لم يكن الفن يسعي خلالها إلى الجديد، بل كان يتفاخر بالتعبير عن جمال التكرار وتوطيد التقليد والتأكيد علي رسوخ حياة جماعية. جميع الفنون الأوربية خلقت كل واحد منها في موعده، واستحالت إلى تاريخها الخاص.

تلك كانت معجزة أوروبا العظيمة، ليس فنها، بل فنها المتحول إلى تاريخ.

للأسف زمن المعجزات قصير، ومن يحلق سيهبط يوما. يعتريني القلق وأنا أتخيل يوما سيكف الفن عن السعي إلى القول المطلق وسيضع نفسه ثانية صاغرا، في خدمة الحياة الجماعية التي ستطلب منه أن ينتج جمالية التكرار ويساعد الفرد علي الإندماج بسلام وفرح في نسق الوجود. لأن تاريخ الفن زائل، أما ثرثرته فأبدية».

هويدا صالح