إن عبارة «حتى لو خرجت من جلدك لما عرفتك»، هي من باب الاستحالة، ولكنها ضرب من ضروب التأكيد على حيوية الجلد وأهميته لصاحبه لباسنا اللحمي الفطري، معبرنا إلى الداخل، كما هو متكأ انطلاقتنا إلى الخارج، إنما هو الوضع الكشكولي لِما نحس أو نتحسس، إنه إسطرلاب شعورنا الحسي المباشر: جلدنا!
ليس جِلد أيٍّ منا، هامشَه اللحمي، أو غلافنا الجسدي البسيط فقط ، إنما به نكون، من خلال ثراء مساماته: كوى اطلاعنا على محيطنا الحسي، نعمة وجودنا واقعاً، متحرّي مؤثرات الخارج!
إن عبارة (حتى لو خرجت من جلدك لما عرفتك)، هي من باب الاستحالة، ولكنها ضرب من ضروب التأكيد على حيوية الجلد وأهميته لصاحبه. الجلد غلاف وقائي للإنسان، ولكنه يقوّي صلاته بالعالم الخارجي، حيث إن أي تحول في بنية الجلد، أي تعرضٍ له لخلل حيوي، ينعكس فوراً على المسكون به، أي أننا نهتدي به، إلى يقين صحة، إلى أفق الرغبة المنعشة لذائقتنا الجمالية للعالم، إلى تلك السكينة التي تخص كينونتنا.
ونحن نتحرك بها هنا وهناك، أي أننا نشكل حقيقة جسدية، فجسدنا بطاقة تعريفنا إلى العالم، سجل ثرٌّ للكثير مما يعنينا في حلّنا وترحالنا، إنما الصحيح كذلك، هو أننا نمثل حقيقة جلدية واقعاً، فجلدنا في تحولاته، في ألوانه وتضاربات ألوانه تلك، يعرّف بمقامنا، بوجاهتنا، بقوتنا، بضعفنا، برقَّتنا، بخشونتنا.
ولَكَم، نسعى إلى تعزيز وجودنا بالنسبة لأنفسنا، وللآخرين، من خلال حاملنا الجلدي الذي هو أكثر من المعتبر شكلاً! أليس وجود، وتنامي المنتجات الكيميائية (المراهم «أنواع الكريما»..)، أو مواد التجميل، أو عمليات التجميل...الخ، توسلاً إلى الجلد ليكون بالصورة التي نشتهي، الصورة الأمثل التي نعتقدها ملبية استجابات مختلفة، تتمثل في أنظار الآخرين، وخصوصاً إذا كنا في موقع لافت للنظر، في وسط يمركِز الجلد بجلاء.
( أذكر هنا: شد الجلد، فهو ليس أكثر من دخول في صراع مع مؤثرات الزمن - العمر، فالشد للجلد، نزع بتضاريس الوجه الأكثر تبياناً، إلى الحالة الأكثر انبساطاً، وكأن الغضون - التجاعيد، اعتراف قسري ذاتي، بتحولات الزمن القاهرة الخارجة عن إرادة المَععني، وما في ذلك من هروب من وطأة المتحول الزمني، واحتماء بالجلد المحبوك، كأنه توقيف لعوادي الزمن)!.
من جلدنا إلى جلدنا، فضاء عنوان واسع، إشكالي أيضاً، إذ نتوخى هذا التنوع الهائل في التعامل مع الجلد، ونحن نظهره «نطهّره»، أو نخفيه بصيغ شتى، حتى ونحن نربّي ذقوننا، إذ نولي هذه أهمية واعتباراً، ففي الحالتين ثمة جلد ينبض، جلد مهيوب، يجلو فعلَ السنين والتجارب فيه، نمنح الجلد خاصية مواقعية، نابعة من رؤية ثقافية، اجتماعية، حضارية، نقيم فاصلاً نوعياً بالمقابل، بين الذكورة والأنوثة، نسعى إليه، بمواصفات قائمة، وكما نريد أحياناً، بلعبة الأزياء، الحركات، بأشكال من الوشم حيث الأقنعة تتنوع، والأقنعة هي ذاتها نماذج جلدية مصطنعة، وكأننا نريد التحرك بأكثر من حقيقة جلدية، في التمويه والتنكر.
أليس من يكسينا محاولة لتغليف جلد بجلد آخر: الجلد القماشي، الجلد المحضَّر صناعياً، جلد الحيوان عبر فرائه..الخ؟ حتى في الكتابة على الجلد، صيغة توافقية، لجعل الكتابة ممثلة الجلد، جلداً آخر، وزحزحة الجلد داخلاً، وفي الرسم كذلك، إذ نملأ مساحة الجلد كاملة، لنوحي بأن الجلد هو الظاهر ليس إلا، فنحن هنا نؤول الجلد، في حين أنه لا يدعنا في نشوة الجلدية المصوَّرة، إذ يفسّرنا بمُحكَمه اللحمي ومؤثره الزمني، ونحن ننوس واقعاً بين ألم يرسم خطوطه في جلدنا، وأمل يتجاوز جلدنا، ليبقى الاسم وحده، الاسم الذي يعلو بنا، من خلال الدور الذي نتمثله حياتياً، ولكن من قال ان جلدنا لا ينغمر بظلال الجلد، بمؤثراته: نضارة، أو تغضناً، أو تغيراً؟
من قال أن اسمنا لا يمكن تقديره من خلال ما هو جلدي، في حقيقته الزمنية، أو حتى خارج مفهوم الزمن، وما تعنيه رغبة الأبدية فينا، من بقاء الجلد في أوج حيويته وبريقه وفتنته، كما هو المفهوم الفردوسي المنعش له معنيً ومبنيً.
إبراهيم محمود
