مدينةِ حلب التي يعود أول ذكرٍ لها في التاريخ إلى عام 2530 ق.م، حين استولى «ريموش الأكادي بن سرجون» عليها وأسر ملكها «لوكال» خمسة عشر باباً؛ لم يبق منها سوى خمسةِ أبواب؛ باب قنسرين- وهو أربعة أبوابٍ في باب واحد، وباب إنطاكية، وباب المقام، وباب النصر، وباب الحديد.
ومن الأبواب المندثرة« باب الجِنان» ويلفظه العامة« باب جنين»، وسميَّ بذلك لأنَّه يفضي إلى جنانِ حلب حيث يجري«نهر قويق». وهو نهرٌ كان يُغذِّي مدينة حلب بالمياه، حيث يعود أقدم ذكرٍ له إلى سنة(500) ق.م حيث ذكره المؤرخ الأثيني«اكستوفون» وسمَّاه نهر خالس، ويسمى أيضاً شاليس، أو كالوس.نهر قويق تزداد مياهه في فصل الشتاء وتنضب في الصيف. وقد ابتنى الملوك ـ الرومانيون-على الأغلب، قناةً تجري فيها مياه هذا النهر، وسائرُ الينابيع التي تصبُّ فيه، لتوزَّع على القصور، وبعض البيوت،و المعابد، والأسواق، وبعض الحدائق. وهو ينبع من مدينة «عينتاب» التركية ويبلغ طوله الإجمالي 129 كم منها 110 كم في الأراضي السورية، حيث يصبُّ في منطقة «المضخ» بعد قريتي الوضيحي والحاضر.
وكلمة قويق/قواق هي لفظةٌ تركية تعني «الحور» أي شجر الحور، لكثرة ما يُزرع على ضفتيه من هذا الشجر.لكنَّ الشاعر أبو العلاء المعري يُخالف هذا التفسير ويرى أنَّ «قويق» تصغير لكلمة «قاق» أي الغراب؛ وينشده من شعره قائلاً فيه:
فقويقٌ في أعين القوم بحرٌ
وحصاةٌ منه نظير ثبيرُ
على أنَّ أول ظهور لاسم(قويق) في الأدب كان أيام الدولة الطولونية835-884 م في فترة حكم الأتراك لحلب حيث ذكره الشاعر البحتري 820- 897 م بقوله:
يا برقُ أسفر عن قويق، فطرَّتيْ
حلب، فأعلى القصر من بطياسِ
فيها لعلوة مصطاف ومتربع
من بانقوسا وبابلي وبطياسِ
أمدُّ يدي لأخذ الكأس من رشأٍ
وحاجتي كلَّها في حامل الكاسِ
أما الشاعر الصنوبري فيمتدحه:
قويقٌ إذا شمَّ ريح الشتاءِ
أظهر تيهاً وكبراً عجيبا
وناسبَ دجلةوالنيلَ والفرات
بهاءً وحسناً وطيبا
لكنَّه لما شحَّت مياهه- نضبت؛ وصار يشكِّل عبئاً على حلب بما يصدر عنه من روائح، يسحبُ الصنوبري مديحه ويذهب إلى هجائه:
إِنْ أقبلَ الصيف أبصرته
ذليلاً حقيراً حزيناً كئيبا
تغوصُ البعوضة في قعره
وتأبى قوائمها أن تغيبا
إذا ما الضفادعُ نادينه
قويقٌ قويقٌ أبى أن يُجيبا
و لهذا كثرت محاولات تغذيته بجرِّ المياه إليه منذ أيام حكم الأيوبيين والمماليك، ومن ثمَّ العثمانيين لحلب، فقد حوَّلوا قسماً من مياه(نهر الساجور) إليه، وكذلك من نبع حيلان، وعين التل، وعين البيضا. إذ يقول «كامل الغزي» في كتابه(نهر الذهب) إنَّه في سنة 712 هجري بدأ(سيف الدين سودي) بجرِّ ماءٍ من نهر الساجور إلى نهر حلب، ففتح له مجريً أنفق فيه نحو(800) ثمانمئة ألف درهم، نصفها من ماله الخاص، والنصف الآخر من بيت المال. لكنَّه لم يكمِّلِ المشروعَ لأنَّ أحد المنجِّمينَ أو بعضهم قال له: إنَّ من يسعى بجرِّ ماء من (الساجور) إلى قويق يموتُ بغتةً.
فخافَ وأوقفَ مشروعه، إلى أن تولى حكم حلب الأمير(أرغون الدوادار) سنة 731 هجري، فأمرَ بإكمال المشروع، وبوصل مياه الساجور بمياه قويق، وخرج الأمير بنفسه مع أهالي حلب لاستقباله وهو يصب في نهر قويق، وذلك بالتكبير والتهليل. ما أثار يومها حفيظة الشاعر القاضي(شرف الدين الحسيني) فقال بهذه المناسبة:
لما أتى نهر الساجور قلت له:
ماذا التأخُّر من حينٍ إلى حين
فقال: أخَّرني ربي ليجعلني
من بعضِ معروف سيف الدين أرغون
وبقي نهر الساجور يرفدُ نهر قويق قرابة(200) مئتي سنة، كما يذكر «الغزي» في كتابه(نهر الذهب). وكانَ صدرَ مرسومٌ يمنع سقي المزروعات منه خوفاً من تناقص مياهه. لكنه لما آلت حلب إلى حكم المماليك الشراكسة، نقصت الموارد المالية من الأوقاف الخاصَّة بمشروع جرِّ مياه الساجور إلى قويق، فضعفت وانعدمت الصيانة اللازمة، مما أدى بالتالي إلى ضعف تدفُّق المياه ونقصها، ومن ثمَّ عدمِ وصولها إلى حلب، حيث زال مجرى الساجور وتعرَّض للخراب والاندثار، مع زوال دولة المماليك بهزيمة(قانصوه الغوري) في معركة «مرج دابق» شمال حلب عام 922 هجري 1516 ميلادي.
لكنَّ النهر بقي يجري حتى الخمسينيَّات من القرن المنصرم؛ حيث يقول كامل الغزي في كتابه «نهر الذهب»: إنَّ للنهر في بعض السنين طغيانا عظيما من كثرة الأمطار، فيتلفُ الزرع، ويهدم البيوت، وقد طغى على الصليبيين وهم يحاصرون حلب عام 1108 ميلادي فأغرقَ خيامهم وشتَّت شملهم. ومن أهمِّ فيضاناته التي حصلت؛ ما كان عام 1922 وعام 1952 حيث غمرت مياهه 50 متراً لكلِّ ما يقع من بنيانٍ على جانبيه، وبارتفاع 10 عشرة أمتار.
وكانت قد أقيمت البيوت والقصور والمتنزهات على مجراه، حيث كان قصر «سيف الدولة الحمداني» يطلُّ عليه. كما كان أول منتدى/ صالون أدبي نسائي في الوطن العربي يقع على إحدى ضفتيه؛ أقامته(مريانا مراش) التي توفيت سنة 1919، وهي شقيقة الروائي السوري (فرنسيس المراش) صاحب أول رواية في الأدب العربي «غابة الحق».
لكنَّه وبعد أن شحَّت مياهه- كانت قد قطعتها تركيا- صار مصدراً للأوبئة والأمراض حيث تصبُّ في مجراه كلُّ مخلَّفات المدينة. وهو يخترق الآن «الحديقة العامة» التي أقيمت على ضفتيه عام 1948 والتي قام بإنشائها المهندس «مجد الدين الجابري» رئيس البلدية في حلب آنذاك، والتي تعدُّ من أكبر الحدائق في الشرق الأوسط، وكان قد صمَّم خريطتها / مخطَّطها المهندسان الفرنسيان «ماكس كرافلور» و«أوكتاف بونه»، وقد فازا بجائزة قدرها (5000) خمسة آلاف ليرة سورية عن هذا المخطط، وكان مبلغاً كبيراً في حينها.
لكنَّ بلدية حلب في السبعينيات من القرن الماضي، ولكثرة ما يصدرُ عنه من روائح، وتتكاثر فيه الحشرات؛ قامت بسقف قسمٍ كبيرٍ منه، إلى أن تمَّ في الشهر الأول من العام الحالي 2008 وبحضور رئيس الجمهورية بشار الأسد،عملية تدشين جرِّ مياه الفرات إليه من القناة الرئيسية التي تروي مشروع مسكنة غرب؛و هي قناةٌ شبه منحرفة مكسوة، ذات تدفُّق 90 مترا مكعبا في الثانية، تتغذَّى من بحيرة الأسد قرب قرية تل حاصل. وبذلك فإنَّ مياهه ستصل إلى سد «خان طومان» جنوب مدينة حلب، لتجميع نحو 70 مترا مكعبا من مياه النهر في هذا السد التنظيمي، لري 22 ألف هكتار في سهول حلب الجنوبية.
وقد تمَّ جرُّ المياه هذه المرَّة بواسطة أنابيب، كلَّفت جهداً يُعتبر بمنزلة شقِّ نهرٍ جديد يخترق الصحراء وصولاً إلى حلب. وجلَّ ما نخشاه الآن هو أن يتوقَّف النهر عن جريانه كما يبدو الآن، حيث انخفض منسوب المياه فيه إلى أقل من ربع متر، فيما كان يوم التدشين يصل إلى أربعة أمتار فلا نقول فيه كما قال الشاعر القيسراني:
رأيت نهر قويق
فساءني مارأيتُ
فلوظمئت وأسقيت
ما ء ه مارويتُ
ولو بكيت عليه
بقدرة مااشتفيتُ
أنور محمد

