منذ ثلاثين سنة دأبت إدارة معرض فرانكفورت الدولي للكتاب على استضافة إحدى الثقافات العالمية كضيف شرف على التظاهرة الأبرز من نوعها في العالم، والتي تقام سنويا لمدة أربعة أيام (15-19) أكتوبر، ومن خلالها يتاح للثقافة المستضافة تقديم روحها الوطنية عبر برنامج منظم يشمل كل الطيف الثقافي لذلك الشعب.
خلال الدورة الجديدة للمعرض ستكون الثقافة التركية ضيف شرف، حيث كان الاهتمام المتزايد بالثقافة الإسلامية بدا واضحا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، كما برزت رغبة ملحة حول العالم لفهم الإسلام بطريقة جديدة بعيدا عن عوالم ألف ليلة وليلة، وهو ما فعلته إدارة معرض لندن للكتاب عبر تخصيص احتفالية كبيرة للثقافة العربية، وكان معرض فرانكفورت قد سبقها إلى ذلك عام 2005.
ولأن تركيا (العلمانية) التي يصل عدد سكانها إلى ثمانين مليونا تعتبر واحدة من الثقافات المؤثرة إسلاميا، فهي وريثة امبراطورية دينية دامت أربعة قرون، ومخزونها الروحي والثقافي يعد الأكبر من نوعه في العالم، فان طموحها السياسي للدخول إلى الاتحاد الأوروبي يكاد يكون الشغل الشاغل لجميع حكوماتها، ولعل الثلاثة ملايين تركي (إحصاءات رسمية ) الذين يعيشون في ألمانيا سيكونون ورقة ضغط عملاقة ثقافيا واقتصاديا، قبلما تكون اجتماعيا وسياسيا.
في تركيا اليوم صناعة نشر قوية نمت خلال الأعوام الأخيرة لتصل إلى أكثر من ثمانمائة مليون دولار تجول في 724 دار نشر وتتوزع على ستة آلاف متجر لبيع الكتب، وهذا يعكس اهتماما كبيرا بصناعة النشر التي تعززت بعد بروز أسماء لامعة لأدباء أتراك مشاهير يتصدرهم الفائز بجائزة نوبل في الآداب عام 2006 أورهان باموق، وأصلي أردوغان، وأليف شفيق، والأديب الألماني من أصول تركية فريدون صايم أوغلو.
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي لم تعد تركيا شرطيا أميركيا على الحدود الشيوعية، لقد فتحت دفاترها التاريخية وهي تريد اليوم أن تحضر بقوتها الروحية والوجدانية إلى وسط أوروبا، بدلا من جحافل الانكشاريين الذين تساقطوا على أبواب فيينا.
ونجاحها ليس مرهونا للنظام العالمي الجديد بل لطبيعة البنية الألمانية التي تشكل العمالة التركية قوتها الفاعلة والمؤثرة.لذلك ستكون الثقافة التركية ليس موضع احتفاء لعدة أيام فحسب بل محاولة ألمانية جادة تتيح لدولة كبيرة أن تبرر للعالم رغبتها المحمومة في دخول الاتحاد الأوروبي، ولكن هذه المرة من بوابة مختلفة.
