«في مواجهة الآلة» هو كتاب ضد الانترنت و ثقافة الانترنت ولـ «التمجيد» الكبير لهما بعيدا عن أي حس نقدي ، كما يقول مؤلفه لي سيغل منذ البداية ويضيف ناقدا الوهم الذي ينبعث من شاشة الحاسوب عن عالم جرى ترويضه واختزاله وتنسيقه في تريليون من الوحدات المربوطة بعضها مع البعض الآخر ويطلقون عليها تسمية مواقع .

ويشير لي سيغل أنه إذا كان الانترنت هو موضة افتخار الولايات المتحدة الأميركية التي كانت وراء ولادته فإنه بالمقابل كان أحد الأسباب الجوهرية في عملية تجهيل جيل من الشباب يمكن وصفهم أنهم أكثر غباء من الأجيال التي سبقتهم. هكذا لا يتردد المؤلف في توجيه أصابع الاتهام إلى المنظومة المعروفة باسم ويكيبيديا أو إلى وسائل الإعلام والاتصال التي أنتجتها ثورة المعلوماتية أو إلى العالم الافتراضي لحياة أخرى.

هذه الأمور كلها والإمكانيات المعرفية لدى الأجيال الصاعدة في المجتمعات المتقدّمة وعلى رأسها المجتمع الأمريكي. وبهذا المعنى يشارك الانترنت في تسطيح المعارف وبالتالي تسطيح الأجيال. ويعلن المؤلف أن أحد أهدافه الأساسية من الكتاب هو إثارة النقاش حول ثقافة الانترنت وما تتضمّن عليه من إمكانية ممارستها بعيدا عن أية رقابة، إنها السريّة التي يتمتع بها مستخدمو الانترنت وهم تابعون وراء شاشات حواسيبهم في خلوتهم.

ويشير المؤلف أنه لم يستخدم هذه السرية من أجل متابعة برنامج سري هو الآخر، وإنما من أجل محاربة مفهوم السرية نفسه. إنه يطالب في مواجهة ذلك بالتحلّي بـ «روح المسؤولية».إن هذا الكتاب بحجمه الصغير أقل من 200 صفحة وبلغة غاية في البساطة وأيضا في الوضوح، يقدم عملية توصيف، بل وبدقة أكبر، عملية تشخيص للحالة القائمة بالنسبة لـ «عالم الانترنت» اليوم.

وما يتم التأكيد عليه على مدى صفحات هذا الكتاب هو أن أخطاء كثيرة يمكن الاستدلال عليها في الحالة الراهنة لهذا العالم الإلكتروني التي فتح دون شك أبوابا كثيرة أمام ديمقراطية المعارف الإنسانية المتوفرة بالتعريف ولكنه ساهم بطريقة الاستخدام في مسخ المعارف نفسها.

وتتم الإشارة إلى أن هذا المسخ قد ترافق بمسيرة مشابهة، إلى هذه الدرجة أو تلك، في ميادين الفنون والعلوم وفي مجمل مناحي الحياة العامة إجمالا من أكثرها أهمية إلى أكثرها بساطة. وتتمثل إحدى الوسائل التي تبنّاها المؤلف في نقده لعالم الانترنت في المقارنة بين دوره المسييء اليوم والدور الذي كان قد لعبه التلفزيون في حقبة أخرى سابقة.

ولا يتردد في تقديم الانترنت على أنه ميدان مترامي الأطراف ولكنه أكثر إيذاءً بكثير بالنسبة للحقبة الراهنة من الأذى الذي سببه التلفزيون في كل الحقب. هذا لاسيما وأن عالم الانترنت لم يترك مجالا مهما كان تافها ووصولا إلى ابتذال الجسد الإنساني إلاّ وطرقه بينما بقي عالم التلفزة محدودا وخاضعا للرقابة الصارمة، إلى هذه الدرجة أو تلك. باختصار لم يترك الانترنت موضعا للأسرار، في مختلف الميادين.

وقد حرص مؤلف هذا الكتاب على تقديم عدد من الأمثلة المحددة التي استقى العديد منها من حواراته مع أولئك الذين كان يتواصل معهم عبر شبكة الانترنت، وباسم مستعار لمدة طويلة قبل الشروع في تأليف هذا الكتاب، كما يشير. ومن الملاحظ أنه يحامل القيام بـ «تقييماته» بكثير من الدقة المنهجية دون الدخول بأية أطروحات إيديولوجية. إنه يحاول رسم لوحة عيانية للواقع القائم، كما هو، وليس كما يريده أن يكون.

ويناقش المؤلف أيضا في الشروح التي يقدمها من موقع نقدي الذهنية التجارية الكامنة وراء نشاطات الانترنت، وذلك الخلط الكبير للأفكار التي يتم تقديمها، وهذا كله يترافق برأيه مع نوع من التراتبية النخبوية بينما أن الفكرة الشائعة عن الاتصال الإلكتروني هي أنه يفتح العالم أمام الأغلبية الساحقة من البشر الذين يستطيعون الوصول إلى نفس المعلومات بنفس اللحظة وبنفس السرعة ومن نفس المصادر، وذلك على عكس وسائل الإعلام والاتصال التقليدية السابقة التي كانت نخبوية بالتعريف.

ومن المظاهر التي يؤكد عليها لي سيغل بالنسبة لعالم الانترنت هو أنه يحاول التأقلم مع ما هو مطابق للحس السائد أكثر مما هو بالأحرى مع الإبداع ، ذلك بحيث أنه ينبغي عليه الظهور على شاكلة الآخرين أكثر من أية وسيلة اتصال أخرى. وهذا ما يجد ترجمته، كما يقول، في نوع من أحادية التقييم بالنسبة لـ «السلع الثقافية» والتماشي مع المعايير السياسية السائدة. ومفهوم السلعة يتعاطى، بالتعريف وبالطبيعة، مع مستلزمات الإبداع.

وفي المحصلة يرى لي سيغل أن استخدام الانترنت في الواقع يؤدي إلى عكس الشعارات المرفوعة حيث أن: البلاغة حول الديمقراطية والحرية والوصول إلى المعلومات هو في الغالب ورقة توت من أجل إخفاء مناهضة الديمقراطية والبلاغة القمعية وحيث يتم أيضا تغليف المطامع التجارية في ثياب الحَمَل الذي يرفع القيم الإنسانية ، كما نقرأ. وليس مهما ما يتم رفعه من شعارات وإنما ما يتم القيام به من ممارسات.

وضمن نفس السياق تصبح الشهرة عبر الانترنت مطلبا يسعى البشر إلى تحقيقه باعتبارها أصبحت نوعا من العملة الجديدة التي وجّهت بدورها التجديدات في ميدان الاتصالات الإلكترونية على خلفية الفائدة الاقتصادية، أكثر مما هو بقصد البحث عن نشر المعارف.

هذه المعارف أصبحت مجرّد وقائع أو ربما حكايات للتندّر ، أما الدلالات التاريخية فقد غدت مجرّد لحظات عابرة . هكذا جرى حذف العديد من النصوص الأدبية الهامة من المواد التي كان هذا الموقع أو ذاك قد حمّلها ليستعاض عنها بمواد لا قيمة كبيرة لها . المثل الذي يسوقه يتمثل في فيكيبدييا التي هي بصدد تحميل كتابات سيئة ومعلومات مسطّحة وخاطئة أحيانا .

ثم إن المعلومات المقدّمة عبر شبكات الانترنت خاضعة بالضرورة إلى وجهة نظر أولئك الذين يصيغونها. كتاب ضد ثقافة الانترنت التي يعرّفها المؤلف بالقول: ثقافة الانترنت هي إيجاد مادة ما تمّ بذل الجهد لإعادة إنتاج أسلوبها بالسبل الخاصة من التسطيح. ويتم استخدام الثقافة الشعبية من أجل جذب الناس إلى ما يحبّون... وثقافة الانترنت تجذب الناس إلى ما يحبّون .

بين التلفزيون والانترنت

تتمثل إحدى الوسائل التي تبنّاها المؤلف في نقده لعالم الانترنت في المقارنة بين دوره المسييء اليوم والدور الذي كان قد لعبه التلفزيون في حقبة أخرى سابقة. ولا يتردد في تقديم الانترنت على أنه ميدان مترامي الأطراف ولكنه أكثر إيذاءً بكثير بالنسبة للحقبة الراهنة من الأذى الذي سببه التلفزيون في كل الحقب.

الكتاب: في مواجهة الآلة من الكائن الإنساني إلى عصر الاتصال الإلكتروني

تأليف: لي سيغيل

الناشر: سبيغل وغرو نيويورك 2008

الصفحات: 192 صفحة

القطع: المتوسط

Against the machine, being of the electronic MOB

Lee Siegel

Spiegel and Grau - N.Y 2008

P.192