«من ثقب الباب» كتاب تؤرخ فيه مؤلفته مارسيلا اياكوب لـ «الحياء العام ما بين القرن التاسع عشر والقرن الحادي والعشرين»، كما يدل عنوانه الفرعي. وتدرس المؤلفة خاصة دور القانون في تحديد سلوكيات المجتمعات المعنية به حيال «الحياء العام»، أي في تحديد سلوكيات التعامل مع ما يسمى «الحرية الجنسية» التي خضعت في واقع الأمر دائما لـ «نصوص قانونية» صارمة، بل وحددتها كثيرا «نظرة الآخرين».
وتذكر المؤلفة في بداية تحليلاتها واقعة جرت عام 1857 عندما أدانت إحدى المحاكم مجموعة من الشباب على أساس أت سلوكيتهم في أحد المنازل الخاصة بأحدهم كانت «تخدش الحياء العام». وكانت تلك الإدانة على خلفية «الوشاية» التي تقدم بها أحد الجيران إثر مراقبتهم «من ثقب الباب».
هذه الواقعة وسلسلة أخرى من «الشبيهات» بها على مدى القرن التاسع عشر خرجت منها المؤلفة بالتأكيد على أن الحياء العام جهرا مقابل التساهل فيما يخص السلوكيات داخل المنازل الخاصة. وتشرح أن المادة 330 من القانون الجنائي الفرنسي الصادر عام 1810 الذي كان يحدد خدش الحياء العام قد ميّز بين الأماكن العامة التي طال الخطر فيها كل أشكال السلوك المخلّة بالآداب أو الكشف عن جزء من الجسد وبين الأماكن الخاصة.
حيث أظهرت تلك المادة دون قول ذلك صراحة احترام الحياة الخاصة للأفراد طالما أنه لا يتم أي استعراض لها. وتُطلق المؤلفة على إرادة السلطات العامة فرض رقابتها على السلوكيات العامة للأشخاص تسمية جدار الحياء ، أي الجدار الذي أقامته الدولة بغية أن لا ترى وأن لا تجد نفسها مضطرّة لفرض عقوبات.
وإذا كان مثل ذلك الجدار يشكل، بمعنى ما، تحديدا للحريات الشخصية عبر قنونة السلوك في الأماكن العامة، فإن المؤلفة ترى به أيضا صيغة من تحرير السلوك عرفها القرن التاسع عشر في المجتمعات الغربية، طالما أن الأمر يتعلق بما يجري في إطار المجال الخاص .
ويتم تعريف الأماكن العامة على أنها كانت تعني آنذاك مختلف أماكن التجمّع التي كان يحق لكل فرد ارتيادها نهارا وليلا مثل الشوارع والحدائق العامة والطرقات. وكان يتم أيضا اعتبار أمكنة إقامة الاحتفالات أو العروض بمثابة أماكن عامة إذا كان يحق لكل فرد أن يؤمّها إذا دفع رسم دخول .
أما الأماكن الخاصة فقد كانت تلك التي تقوم على أساس علاقات المعرفة الشخصية أو الأسرة أو الصداقة مثل المنازل شريطة أن لا تكون رؤية ما يجري بداخلها متاحة من الخارج. وتشير المؤلفة هنا إلى أن أماكن الاحتفالات التي كان حضورها يتم بواسطة المعرفة الشخصية أو العلاقات وليس بواسطة الإعلان العام عنها بمثابة أماكن خاصة .
كذلك تفتح مارسيلا اياكوب قوسين في هذا السياق كي تؤكد أنه اعتبارا من سنوات الأربعينات في القرن التاسع عشر ارتفعت أصوات عدد كبير من القضاة ورجال القانون في الاحتجاج على جدرا الحياء على اعتبار أنه يحمي العالم الخاص من العقاب بدرجة مبالغ بها وبحيث أن الأماكن الخاصة تحوّلت بنظرهم إلى نوع من مدارس الفساد الأخلاقي والرذيلة .
هكذا مال القضاة أكثر فأكثر إلى اعتبار الأماكن الخاصة كـ «أماكن عامة» لمجرد وجود أي فتحة صغيرة تتيح رؤية ما يجري بداخلها، وحتى لو كانت تلك الفتحة مجرد ثقب في قفل الباب . مثل ذلك المنطق بلغ ذروته في عام 1877 عندما أصبحت الأماكن الخاصة ، المغلقة والممنوع دخوزلها بالنسبة للعامة، بمثابة أماكن عامة بنظر القضاة مثل شارع .
وتشرح مارسيلا اياكوب أن ذلك السياق أدى إلى فقدان المنازل ذاتها لـ «خصوصيتها» مما دفع الأفراد إلى تغيير طريقة حياتهم وسلوكياتهم داخل بيوتهم التي غدت قابلة لـ «التحوّل إلى أماكن عامة» لمجرّد أنه يمكن لأحدهم أن يفاجئ الموجودين في الداخل.
وكان رد فعل الكثيرين حيال ذلك هو إغلاق غرفهم بالمفتاح خشية الاتهام بخدش الحياء العام. وتقفز المؤلفة هنا إلى سنوات السبعينات في القرن العشرين لتشير إلى قرارات أصدرتها محكمة النقض بإدانة أشخاص لم يغلقوا أبواب غرفهم بالمفتاح، أو بسبب إمكانية التجسس عليهم عبر ثقب في جدار. وكان من النتائج التي ترتبت على ذلك تعزيز إجراءات تحصين الأماكن الخاصة.
ولكن في نهايات القرن التاسع عشر، وفي الوقت الذي كان فيه القضاة يحاصرون البيوت وغرف النوم باسم المحافظة على الحياء العام، أبدى المجتمع المدني، وخاصة الفنانين ومنظمي العروض والطلبة والمثقفين، احتجاجهم على إجراءات الرقابة المتزايدة.
وتتحدث المؤلفة عن حرب حقيقية شهدتها السنوات الأولى من القرن العشرين ضد القضاة ونظرتهم في الدعوة لحماية الحياء العام. وقد ظهرت نتائج تلك الحرب على صعيد الثياب النسائية التي قطرت وانحسرت وكذلك على صعيد العديد من المظاهر الثقافية مثل الاستعراضات والعروض المسرحية الجريئة.
وتحدد المؤلفة في هذا السياق القول أن لباس البحر النسائي من قطعتين الذي شهدته سنوات الستينات المنصرمة، كان الصدام الأول للموضة مع القانون والذي أدى إلى تراجع القضاة وتلطيف موقفهم بحيث قبلوا ما فرضته الضرورات الفنية، ولكن ذلك لم يمنعهم من التدخل.
وعلى أسئلة مثل هل ينبغي السماح بارتداء البكيني على الشواطيء، وهي أمكنة عامة مفتوحة للجميع؟ وهل ينبغي إعطاء نفس القدر من الحرية للنساء وكلهن على غرار الراقصات والفنانات؟ وكان إجابة محكمة النقض هي بالنسبة للسؤالين: كلاّ. لكن مع ذلك كانت متطلبات الموضة أقوى من النصوص القانونية.
وفي الصفحات الأخيرة من الكتاب تتعرض المؤلفة لشرح التعديلات التي عرفها القانون الجنائي الفرنسي عام 1992 وحيث أصبح خدش الحياء العام الممنوع قانونيا لم يعد ذلك الذي يتم القيام به في مكان عام، مثلما كان الأمر في الماضي، وإنما ذلك الذي يتم فرضه على آخر في مكان عام.
في المحصلة العامة ترى المؤلفة أن تاريخ الحياء العام هو في نهاية المطاف تاريخ مسيرة من التباين بين فعل من ينظر و من يُنظر له. وكانت القاعدة هي دائما عدم عقاب من ينظر، فالخطير دائما كان هو التعريض لنظر الآخرين.
القانون والموضة
للإجابة على أسئلة مثل هل ينبغي السماح بارتداء البكّيني على الشواطئ، وهي أمكنة عامة مفتوحة للجميع؟ وهل ينبغي إعطاء نفس القدر من الحرية للنساء وكلهن على غرار الراقصات والفنانات؟ وكان إجابة محكمة النقض هي بالنسبة للسؤالين: كلا. لكن مع ذلك كانت متطلبات الموضة أقوى منالنصوص القانونية.
الكتاب: من ثقب قفل الباب تاريخ للحياء العام من القرن التاسع عشر حتى القرن الحادي والعشرين
تأليف: مارسيلا اياكوب
الناشر: فايار باريس 2008
الصفحات: 352 صفحة
القطع: المتوسط
Par le trou de la serrure : une histoire de la pudeur publique XIXe-XXIe siècle
Marcela Iacub
Fayard - Paris 2008
P.352
