«رحلات إلى بلاد الرايخ» لمؤلفه اوليفييه لوبريش كتاب يجمع في دفتيه عددا كبيرا من الكتابات والشهادات التي كان أصحابها من كتّاب وأدباء مفكرين مشهورين قد قدّموها حيال ألمانيا التي زاروها خلال سنوات 1933-1945، أي منذ وصول أدولف هتلر إلى السلطة عام 1933 وحتى اختفائه نهائيا عن المسرح السياسي وعن العالم مع نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945.

وهؤلاء المبدعون، من كل الأصناف هم من نساء ورجال نالوا شهرة عالمية، وليس أقلّهم شأنا فيرجينيا وولف وكارن بليكس وصموئيل بيكت وألبير كامو وجورج سيمنون وجاك شاردون وحيث يصل عدد الشهادات-النصوص المقدّمة إلى 25 شهادة الكتابات والشهادات المقدّمة التي يحتويها هذا الكتاب تطال مختلف نواحي الحياة في ألمانيا أثناء الحقبة النازية. إنها تعالج مواضيع تتعلق بعالم العمل ومنظومات الرعب التي سادت آنذاك وآليات الدعاية السياسية وعسكرة المجتمع والنشاط الاقتصادي وآلام الحرب والحرب نفسها وما آلت إليه لقد كانت ألمانيا آنذاك وجهة يقصدها مثقفون ومفكرون وكتّاب من مختلف مناطق العالم.هكذا كان صموئيل بيكيت قد قام بزيارة ألمانيا في 28 سبتمر ـ ايلول من عام 1938، بعد أن كان قد أنهى روايته التي تحمل عنوان «مورفي».

وكان أكثر ما لفت انتباهه من موقع اهتمامه الكبير بالرسم واقع اكتشافه أنه كان من المحظور على عدد من الرسامين القيام بأي نشاط مهني بسبب انتماءاتهم العقائدية، فالرسامة وولويك كان مسموحا لها فقط أن تقوم بتنظيم معارض خاصة بحيث لا تدعو سوى اليهود ولا تبيع سوى لليهود . وهناك كتابات عديدة يأخذ المؤلف مقتطفات منها وتخص علاقة هتلر والنازية باليهود.

وتذهب الشهادة التي تقدمها فيرجينيا وولف في نفس الاتجاه حيث كتبت في شهر مايو من عام 1935 عندما كانت في زيارة إلى مدينة هايدلبرغ أنها رأت لافتات في الشورع مكتوب عليها اليهودي هو عدونا أو ليس لليهود أي مكان هنا .

وهذا ما تعلّق عليه الكاتبة الكبيرة بالقول: لقد ابتعدنا آنذاك بأقصى سرعة ممكنة كي نكون بعيدين عن الجموع المؤهلة، كما كان يبدو، لتطيع كل الأوامر وهي في حالتها الهستيرية. ما كتبته فيرجينيا وولف يؤكد على أن هتلر كان السيد المطلق الذي يأمر ف«يطاع» بل و يطاع بحماس أحيانا.

وبالإضافة إلى الشهادات التي تحدثت عن موقف النظام الهتلري النازي ضد اليهود، فإن كتّابا آخرين نظروا إلى ما كانت عليه الأوضاع بصورة أعمّ وأشمل. وهكذا لم يكتب البير كامو صاحب رواية « الغريب» الشهيرة، سوى بعض السطور في وصف سهول سيليزيا الشاسعة بعيدا عن السياسة. واكتفى جان جينيه بالقول: لقد كنت شديد الانفعال كون أنني كنت الإنسان الحر الوحيد وسط شعب كامل جرى تركيعه .

بالمقابل كانت هناك شهادات وكتابات تذهب في الاتجاه الآخر ، أي في اتجاه التعاطف مع النظام النازي. ومثل هذه الشهادات وجدت مكانها في الكتاب أيضا إلى جانب الشهادات الأخرى. المثال البليغ على مثل هذا النموذج نجده فيما كتبته الكاتبة الدانماركية كارين بليكسن، صاحبة رواية «المزرعة الإفريقية».

حيث كانت قد أمضت شطرا طويلا من حياتها في القارة السمراء، وكانت قد قامت بزيارة ألمانيا في شهر مارس من عام 1940، أي بعد نشوب الحرب العالمية الثانية. ولقد جرى استقبالها في ألمانيا، ك«صديقة للنظام». ويتم التأكيد في هذا السياق أنها كانت باستمرار أثناء تلك الزيارة برفقة أحد المسؤولين في وزارة الدعاية النازية وبأحد المترجمين من وإلى اللغة الدانماركية.

وهذا ما وصفته الكاتبة أنه دليل مودة كبيرة . كما قابلت أثناء زيارتها المغنية الشهيرة آنذاك زارا ليندر التي كان هتلر من المعجبين بها.ومما يتم نقله عنها في هذا الكتاب أنها قالت أمام جمع من الجنود يتوجهون نحو الغرب ، أي نحو احتلال فرنسا.

ما مفاده: نعم يمكن للمرء أن يفكر أنه يمكن لعرق (...) كي يمنع تمازج الدماء أن يدخل الحرب كضرورة، وأن يدخل أية حرب من أجل المحافظة على سلامة سريان الدماء . هذا النص يشكل تبريرا واضحا للسياسة التي انتهجها أدولف هتلر.

وما يتم تأكيده في هذا السياق، وفيما يخص مختلف الشهادات واتجاهاتها هو أنها لم تكن تتسم بقدر كبير من الموضوعية وإنما كانت بالأحرى ذات طابع ذاتي وسريع التأثر بالجو المحيط. هذا على عكس ما كان يقوم به الصحفيون الانكلو- سكسون خاصة.

ويتم في هذا الإطار ذكر اسم الصحفي وليام شيرر الذي كان مراسلا لصحيفة شيكاغو تريبيون ما بين 1934 و1940 و هوارد سميث مراسل «النيويورك تايمز» خلال عامي 1940 و1941. ويبدو بوضوح في هذا السياق تعاطف المؤلف مع عمل الصحافيين الموضوعيين بالقياس إلى ذاتية الكتاب والأدباء.

لقد وصف هذان الصحفيان ظاهرة «عسكرة المجتمع» ودور الجيش والشرطة والانسياق الشعبي باسم الاعتزاز الوطني ومختلف أشكال القمع. ويبدو من الواضح في مقاليهما أنهما كانا ينذران بحدوث كوارث قريبة . هكذا يصف وليام شيرر الألعاب الأولمبية التي شهدتها برلين عام 1936 على أنها دعاية حديثة تضاف إلى جهاز بوليسي فعّال.

وتذهب الشهادات الصادرة عن صحفيين دانماركيين سويديين أو هنغاريين مجريين في نفس الاتجاه. ويتم وصف كتاباتهم جميعا أنها أكثر نضجا مما كتبه أدباء ومفكرون كبار. إنها فكرة الموضوعية المشار لها سابقا التي تمثل، أو «ينبغي أن تمثل» السمة الأولى لعمل الصحافيين.

سارتر والنازية

الصمت الرهيب الذي التزمه جان بول سارتر مع أنه أمضى عدة شهور في برلين تحت ظل النظام النازي لا يتردد المؤلف في وصف صمته أنه كان بمثابة فضيحة حيث كان سارتر آنذاك طالبا شابا يدرس الفلسفة ومناضلا في معارك الحرية وهي الفترة التي أسس فيها مجلة الأزمنة الحديثة .

المؤلف في سطور

يعمل أوليفييه لوبريش منذ سنوات أستاذا للأدب المقارن في جامعة برلين الحرّة. جعل من عملية رصد الكتّاب الذين كانوا قد قاموا بزيارة ألمانيا في ظل النظام النازي مركز الاهتمام الأول لأبحاثه. وقد جمع كماً كبيرا من الشهادات لكتّاب ومبدعين تخصّ العلاقة مع ذلك النظام ووجدت طريقها إلى النشر في ألمانيا، كما جرت ترجمة العديد منها إلى لغات أجنية ،غير الألمانية.

الكتاب: رحلات إلى بلاد الرايخ: كتّاب زاروا ألمانيا 1933-1945

تأليف: اوليفييه لوبريش وآخرون

الناشر: أكت سود باريس 2008

الصفحات: 314صفحة

القطع: المتوسط

Voyage dans le Reich : des écrivains visitent l'Allemagne 1933-1945

Olivier Lubrich et

Actes Sud- Paris 2008

P.314