لم يكن من قبيل الصدفة أن تحقق راوية «فتية مفقودون» لجيمس ميللر، وهي الأولى له إصداراً والثالثة تأليفاً، هذا النجاح الذي وصف بأنه عاصف وهادر ولم يسبق له مثيل منذ عدة عقود، وأكسب مؤلفها، على الفور تقريباً، لقب نجم لندن الصاعد في عام 2008، ذلك أن الرواية تتسم بثراء مدهش إلى حد جعل النقاد يحارون في تصنيفها.
لقد أصدرتها دار ليتل براون اللندنية على أنها رواية تنتمي إلى التيار الرئيسي في الأدب البريطاني الحديث، لكن ذلك لم يحل دون إصرار بعض النقاد على أنها رواية خيال علمي، وتأكيد البعض الآخر أنها رواية إثارة وتشديد فريق ثالث على أنها تنتمي، بامتياز، إلى أجواء الفانتازيا ربما كانت هذه الحيرة في التصنيف دليلاً آخر على الثراء الكبير لهذا العمل، وعلى أي حال فإن بمقدورنا أن ننحي هذا البعد جانباً عندما نتذكر هذا التخلص البارع الذي طرحه فرانسيس جيلبرت في مقال مطول له عن الرواية في صحيفة «تايمز» اللندنية.
حيث يذهب إلى القول: الرواية مزيج من أجناس عدة، حيث تجمع عناصر من الخيال العلمي والرعب والإثارة. وعلى الرغم من تعقيد نصها، فإنها في جوهرها تضم عملين سرديين متميزين أحدهما عن الآخر، فهناك قصة طقوس العبور التي تدور حول الفتى الذي يتعرض للتنمر في المدرسة، وما يلبث أن يختفي، وهناك البحث اليائس عنه، الذي يخوض أبوه غماره للتوصل إليه وإلى نوع من المعنى لعالمنا المعاصر .
نحن في هذه الرواية مع أرثر أشروود، الرئيس التنفيذي لشركة نفط كبرى، والذي تفشل شركته في حمايته من التعرض للاختطاف في العراق خلال جولة متعلقة بعمله النفطي في بغداد، وبعد عودته إلى لندن إثر خروجه من محنة اختطافه يلتقي عائلته التي غمرتها مشاعر الصدمة، لكن كل شيء لا يمضي على نحو ما ينبغي، فهو بعد أن ترك شمس الشرق الأوسط المتقدة وفنادقه المترفة، تحسباً لجولة أخرى من المتاعب، يجد أن الخطر مازال يتربص به الدوائر في عقر داره.
سرعان ما تبين لأرثر أن ابنه ثيموثي يعبر أرضاً معادية في المدرسة الخاصة التي ألحق بها، فهو يتعرض للتنمر من زملائه وللإهمال من أبويه في آن، ومن ثم ينسحب إلى عالم فانتازي خاص به، هو عالم هجين من مناطق حروب رجال العصابات الكمبيوترية والأحلام المترفة المتعلقة بالوقت الذي كانت عائلته تعيش فيه في دولة خليجية بحكم عمل أبيه، وهي مكان يمكن لفتية المدرسة هؤلاء أن ينسحبوا إليه.
ولو بالخيال، ويحاربوا مدرسيهم وعائلاتهم على حد سواء.يختفي أحد زملاء تيموتي ثم آخر، ومن ثم تحقق الشرطة معه، وتضيق عليه الخناق، لكنه سرعان ما يختفي بدوره تاركاً وراءه حائطاً مصمما من علامات الاستفهام الوحشية، التي انطلاقاً منها يمضي أبوه إلى المجهول بحثاً عنه.
وكان حرياً بالمرء أن يشارك الكثيرين في هذا الحماس للرواية، بل والإشادة الجماعية بها، باعتبارها عملاً فريداً حقاً، لولا أننا في الواقع نواجه في هذه الرواية عيوباً جسيمة لا يمكن التقليل من شأنها بحال، وإن شئنا الدقة فإننا نواجه أربعة عيوب رئيسية تشكل كياناً متكاملاً، نأمل أن يتجاوزه المؤلف في روايته الرابعة التي يعكف حالياً على تأليفها.
العيب الأول في الرواية، وربما الأكثر بروزاً ومدعاة إلى غير قليل من الشعور بخيبة الأمل، هو ضيق نطاق الرؤية بكاملها، وربما لهذا على وجه الدقة فإننا نجد أن ميللر يقدم لنا إلمادة ذاتها ثلاث مرات، مرة من منظور ا لابن تموثي، أو تيمي كما يدعوه أصدقاؤه.
ومرة من منظور باكستون المحقق الخاص الذي استدعاه أرثر للتحقيق في اختفاء الابن، والذي تبدو لنا شخصيته أقرب إلى رسم سريع أكثر مما هي إبداع متكامل لشخصية من لحم ودم، ومرة ثالثة من منظور الأب، أرثر أشروود.
هنا لفت نظرنا بصفة خاصة أن القسم الأوسط من الرواية والذي يصغى فيه أرثر للأدلة التي يسوقها باكستون يبدو بعيداً عن الإقناع حقاً. هذه واحدة، وأخرى أنه أطول مما ينبغي، فضلاً عن أنه يعتمد على حيلة قوامها أشرطة تسجيل سجلت عليها مادة مكتوبة بالعامية اللندنية أقرب إلى أجواء الرعب، تفضي في النهاية إلى الصمت.
لا تقف متاعب هذا العيب الأول عند هذا الحد، وإنما نحن بإزاء مشكلة أكبر، فالكتاب يفترض أنه يحمل إلينا رؤية أو استبصاراً للتركيبة الذهنية لهؤلاء الفتية، ولكن ثلث الكتاب الذي يفترض أنه يرى الأحداث من منظور تيموثي هو في الواقع أقل أجزاء الكتاب قابلية للتصديق وقدرة على الإقناع.
العيب الثاني يتمثل في أن بناء الرواية يتعرض لضرر حقيقي بتكامله من خلال دفاع الكاتب عن قضية الفتية المفقودين، حيث يمضي في تبرير مواقفهم وتصرفاتهم، ذلك أنه ليس بمقدوره الانفصال عنهم أو مقاومة التصدي لهم بالدفاع والتأييد بدلاً من تركهم يتبدون لأعيننا بحسبانهم الوسطاء الذين يصعب فهمهم لقدر غامض وملتبس يحلق دوماً في الأفق البعيد.
هنا يحسن أن نتوقف لحظة لنقارن الفتية كما يطلون علينا من خلال رواية «سيد الذباب» على سبيل المثال، حيث نرى المؤلف يتعمد أن يترك الرواية حبلى بالتساؤلات حول ما إذا كان الفتية وحوشاً على هذا النحو المروع لأن حرباً دموية تدور حولهم أم لأنهم مجرد فتية. وبالمقابل فإن ميللر يكاد يرقص ويغني ويطبل للمفهوم المتداول إلى حد الابتذال والقائل بأن الفتية يبدون هكذا لأن خطايا الغرب قد ردت إليه.
العيب الثالث في الرواية يكمن في أن قرار المؤلف بجعل والد تيمي والشركة الكبرى التي يمثلها يتورطان مباشرة وعلى نحو مكشوف فيما يجري في العراق هو قرار يفتقر إلى البصيرة الأدبية الحقيقية. ذلك أن بساطة تجريم أرثر أشروود تعرقل على الدوام الجهود المبذولة لتقديم متاهة ثقافية عامة.
كما أن تقديم الأدب وقد دخل في متاهات الاختطاف ينقل بؤرة التركيز بصورة سيئة بعيداً عن الصورة المتوهجة بالحياة للفتية المفقودين إلى عوالم أكثر قتامة من ذنب الكبار، هي في النهاية عوالم هامشية بالنسبة لجوهر ما يسعى الروائي لتحقيقه. العيب الرابع في الرواية هو محاولة المؤلف استعراض عضلاته اللغوية للارتفاع بمستوى الرواية، وهي محاولة نخشى أنها أدت على وجه الدقة إلى نقيض المراد منها، فجعلتها بالغة الانكشاف والضعف بما لا ضرورة ولا مبرر له على الإطلاق.
من مدينة الرماد إلى عاصمة الضباب
معجزة حقاً هي التي شاءت لأرثر أشروود أن يفلت من محنة اختطافه في بغداد، من دون خسائر تبقى معه حتى نهاية العمر، عدا ما يرتسم بين الحين والآخر على صقال الذاكرة، دموياً ورهيباً.لكن الإحساس الغامر الذي راوده، مع عودته إلى لندن، لم يقدر له أن يستمر طويلاً، شأن كلما هو جميل في حياته.
كانت أحلام غريبة وعصيبة على التفسير تداهم ابنه تيموثي، الذي لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، أحلام ملونة بتهاويم استشراقية، يعفرها تراب الشرق وذهبه وسديمه وخيالاته، أحلام توشيها الغواية، وتأخذ بخناقها رغبة داهمة في المضي إلى هناك، إلى الدروب ذاتها، التي غادرها أبوه مسرعاً، حتى وإن ساءت العاقبة .
الكتاب: فتية مفقودون
تأليف: جيمس ميللر
الناشر: ليتل براون لندن 2008
الصفحات: 275صفحة
القطع: المتوسط
Lost Boys
James Mille
Little Brown, London 2008
P.275

