وفي إحدى لقاءات الروائي نبيل سليمان مع جريدة الوطن تطرق إلى موضوع الرواية السورية التي تتجه نحو الرواية التاريخية الملحمية التي يرى بأنها محدودة وحصره هذا النوع من الروايات لعدد من الكتاب السوريون أمثال »هاني الراهب، وخيري الذهبي، ونهاد سيريس« بالإضافة لما يقدم هو في هذا المجال.

ويرى سليمان بأن الأحداث الحكائية الروائية للرواية أيا كانت تاريخية أو ملحمية ليست ملزمة بمطابقة الوثائقي والوقائعي لا في الحاضر ولا في الماضي، وبرأيه ان للمخيلة دور أيضاً في العالم الروائي، ويعتبر الصدق التاريخي بمعنى المطابقة من شأن المؤرخ وليس الروائي، وأن الصدق التاريخي في الرواية وعلى يد الراوي يشير إلى انسجام البنيان وإلى نوعية القراءة التي يقدمها للحاضر والمستقبل، ولذلك عمد الكاتب إلى ابتاع وقائع في رواياته «مدارات الشرق، جرماتي، السجن » وأعاد أيضاً بناء وقائع معروفة أو مهملة أو منسية في أمال روائية أخرى مثل »المسلة، قيس يبكي، هزائم مبكرة«، ومن هنا يؤكد الناقد على أن الوثيقة أو الواقعة التاريخية حين تنتسب إلى العالم الروائي تغدو شأنا آخر، وفي شأنها الجديد أو خلقها الجديد قد تتوفر على الصدق التاريخي بمعناه الجديد، وقد تقع أيضاً في نقيضه من الكذب أو التناقض أو سواهما.وعن مفهومه للشخصية في الرواية التاريخية أجاب سليمان بأنه مرتبط أيضاً بالصدق التاريخي، حيث تعتبر الشخصية الروائية جمع بصيغة الفرد.

أما عن رأيه بأن الرواية عبارة عن انطباع شخصي عن الحياة ما يشكل قيمتها بالدرجة الأولى، ويتفاوت ذلك بقدر كثافات انطباعات المبدع، حيث يرى الكاتب بأن للطبيعة والكون والجمال دور عميق مما جسده هو في كل من (ثلج الصيف، أطياف العرش، ومدارات العرش.

بالإضافة إلى الدور الذي تلعبه الحياة الاجتماعية في تعقيداتها وتناقضها وصراعاتها، وقد تأثر بانطباعاته في هذا الإطار بدءا بقريته ثم المدن السورية إلى تركيب ذلك في القراءة والكتابة، وأضاف لذلك الحياة الشخصية وما يتعلق بها من طفولة وحب ومرض وتفاعل كل ذلك مع الحياة الإبداعية للمبدع).

ويعتبر الكاتب بأن التجربة الحداثية الروائية كجزء من الحداثة التي قامت بتهشيم العمود السردي للرواية التقليدية، حيث بدأت التجربة الحداثية الروائية العربية مع مطلع الستينات راحت تتخلص من المفردات، والذي أدى إلى انفراط تماسك الحكاية، ولم يعد الإخبار المنتظم هما روائيا، وغلب على اللغة الروائية إيثار الانزياح الشعري من الشعر، وطغت ذاتية الكاتب.

وفي سياق آخر اتجه المؤلف إلى المجال النقدي الذي قدم من خلاله عدة أعمال نقدية، ومن هنا يرى بضرورة عدم تحول المنهج المتبع في النقد إلى صنم وألا يتقزم النص على قد المنهج أيضا، بمعنى دون أن يتعالى النقد على المنقود وأيضا أن لا يتقزم أمامه وان لا يهمل خطابه.

ومن هنا تبدو تلك العلامة المعقدة بينه وبين الواقع والتاريخ بدعوى استقلالية النص، ويعتبر نقد الرواية كالرواية نفسها،يتطلب مستويات عديدة من الاجتماع أو التاريخ أو علم النفس أو الفلسفة أو المسيقى أو الفن التشكيلي أو العمارة...ونقدها قد يتطلب كل ذلك بحسب ثراء النص وبحسب الزاوية التي يقرأ الناقد منها ذلك النص.

وفي هذا الإطار استعرض الناقد عمله على نقد النقد حين حاول النظر في تجليات عدد من المناهج البنيوية،التكوينية، العلمنفسية... من خلال دراسته للأعمال النقدية التي تعرض لها مثل رواية موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح، ومن خلال نقود أعمال غسان كنفاني الروائية والقصصية، وكذلك من خلال أبرز ما تعرض له من نقد لرواياته، لتكون النقطة الأخيرة لما انتهى إليه سليمان في كتابه «المتن المثلث» حيث الجدل بين الكاتب والناقد، حيث تجلى لون آخر نادر هو نقد النقد .

ومن جهة أخرى تطرق سليمان إلى المدى الذي حققته الرواية العربية من استقلالية وخصوصية وتنوع بالمقارنة مع الرواية الغربية، فهو يرى بأن الرواية قد طرأت مع الاغتصاب الأوربي الثقافي والغير الثقافي الأمر والذي أدى إلى اعتبار الرواية الغربية نموذجا وأمثولة بدرجات متفاوتة ومتناقضة من الانبهار والتقليد إلى الرفض أيضا.

وبالمقابل يعتبر الرواية العربية في يومنا هذا تختلف عن الرواية التقليدية قبل ثلاثين سنة، ويؤكد سليمان على أن المشهد الروائي العربي عبر العقدين الأخيرين قد تخلص من الانبهار بالمنجز الروائي الغربي، ومن تقليده أو ترجيعه، حيث بدأ التنوع والثراء والتناقض في الإنتاج الروائي العربي ليحقق استقلالية وخصوصية غير منبتة عن أمسها.

أما عن اللغة الروائية القريبة من المحكي المحلي والتي أصبحت تستخدم في الرواية العربية المعاصرة اعتبرها الكاتب بأنها مرتبطة بحالات متنوعة وشخصيات كثيرة وبالأحداث والفروق الفردية والاجتماعية والقومية،الأمر الذي أدى بالرواية إلى الخروج من أسر اللغة الواحدة إلى أفق اللغات المتعددة في الوصف والسرد والحوار والتأمل.

وقد تنزل كل ذلك بالكتابة من علياء البلاغة التراثية إلى بلاغة جديدة هي البلاغة الروائية، وكان بذلك الاقتراب من المحكي المحلي ومن العاميات كلها واحدا من تعبيرات ذلك.وفي السياق نفسه أشار الروائي سليمان إلى اللغة باعتبارها مادة الأدب وغايته، إذ يعتبرها ؟ اللغة ؟ تملص من الروح كما تملص الروح من الجسد،سوى أن الجسد عندئذ يموت، بينما تحيا الكتابة جيلا أو قرونا وقد لا تموت.

وسلط المؤلف الضوء على جانب آخر وهو »كتابة الجسد« في الأعمال الأدبية والروائية العربية الحديثة والتي بدأت بالخروج من أسر أو ضغط الأخلاق السائدة أو القيم والأعراف في الكتابة العربية، حيث بدأ بعض الكتاب والكاتبات يفسحون للجسد أمكنة للحضور في أعمالهم بنقائضه وعاهاته وحاجاته، ومن هنا يؤكد سليمان على أن دفع الكتابة الروائية والغير الروائية مثل دفع (الفن التشكيلي، والسينما، وغيرها) إلى المنطقة الخطرة منطقة الجسد هو أمر تاريخي بدأ انجازه.

أسئلة وأجوبة

يتناول هذا الكتاب »رجع المجالس« المطارحات التي يجيب عنها الروائي والناقد السوري نبيل سليمان،مجبولة من حياته الشخصية والإبداعية وذلك من خلال مجموعة من الحوارات التي أجراها مع العديد الجرائد اليومية العربية والمجلات والتي أجاب من خلالها الناقد على الكثير من الأسئلة المختلفة.

المؤلف في سطور

الروائي نبيل سليمان هو كاتب وناقد سوري ولد في جبلة (اللاذقية) سنة 1945، وتخرج من جامعة دمشق حاملا إجازة في اللغة العربية سنة 1967،عمل مدرسا وأسس دار الحوار للنشر وهو متفرغ للكتابة منذ عام 1990،كما أنه عضو في جمعية القصة والرواية.

صدر له العديد من المؤلفات في مجال الرواية والنقد والدراسة، وفي الرواية أهم أعماله رواية «بنداح الطوفان» ورواية «الطوفان» و«ثلج الصيف» و«مجاز العشق» و«أطياف العرش»، ومن أعماله النقدية كتاب «النقد الأدبي في سورية«، و»معارك ثقافية في سورية«، و»مساهمة في نقد النقد». وفي الدراسة صدر له كتاب «الرواية السورية»، و«وعي الذات والعالم»، و«أسرار التخييل الروائي»، و«جماليات وشواغل روائية».

ناهد رضوان

الكتاب: رجع المجالس

تأليف: مجموعة من الكتاب

الناشر: دار الحوار اللاذقية 2008

الصفحات : 239 صفحة

القطع: الكبير