حاول خالد زيادة في كتابه الجديد »العلماء والفرنسيس في تاريخ الجبرتي» أن يكون بحثا في كتاب » تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار« لعبد الرحمن الجبرتي، المؤرّخ المصري الشهير الذي اعتبر كتابه هذا مصدراً رئيسياً لتاريخ مصر إبان القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
ويؤكّد د. زيادة أن تاريخ الجبرتي يحتفظ بقيمته الكلاسيكية كمصدر للمعلومات، وفي الوقت نفسه يعتبر نموذجاً للمواجهة بين التاريخ التقليدي والأزمنة الحديثة، وإلى ذلك فإنه سوف يرصد في هذا الكتاب بشكل خاص مدى استجابة المناهج التقليدية للأوضاع المتغيّرة وحدود ذلك من خلال إعادة قراءة التراجم والأخبار.
يؤكد المؤلف أن كتاب تاريخ الجبرتي يقدّم فكرة شاملة عن الحياة في مصر متتبعا حياة العوام، وتقصّي أحوال العلم والعلماء في القرن الثامن عشر، من خلال سرديات الجبرتي. ثمّ تناول الكتاب قضية مهمة أخرى، ألا وهي أن مصر في تلك المرحلة لم تكن قد تعرّفت إلى ما يجري في أوروبا، وعمّا أحرزته من تقدّم في الصنائع والفنون والعلوم.
كما أنها لم تكن عرفت شيئاً عن تجربة التحديث التي كانت تجري في اسطنبول والتي منها يأتي الولاة وكبار الإداريين، وبالتالي فإنه لدى بلوغ خبر مجيء الفرنسيين لم يكن بإمكان الأزهريين سوى الصلاة والدعاء، إلاّ أن الفرنسيين سوف يشكّلون مجلساً من عشرة مشايخ للقيام بأعباء الحكومة المدنية.
ولكن هؤلاء المشايخ لم يجدوا في أنفسهم الكفاءة للقيام بأعباء الحكومة، فطالبوا بتعيين بعض المماليك كوالي الشرطة وأمير الاحتساب، نظراً لأن سوقة مصر لا يخافون إلاّ من الأتراك، ولا يحكمهم سواهم، كما أورد الجبرتي.
ومن جانب الصدمة الحضارية، يذكر المؤلّف أن دخول الفرنسيين حمل معه عناصر جديدة بدّلت من استقرار الأزهر على المدى البعيد، فلا تنحصر آثار الحملة في مشاركة العلماء في السلطة المحلية، وإنما تعدّاه إلى الناحية الفكرية، حيث إن عدداً من الأزهريين قد لحظوا بشغف علوم الفرنسيين.
فالقاهرة، بتعبيره، لم تكن تعرفت إلى أدنى تأثيرات العمارة الأوروبية في القرن الثامن عشر، إلاّ أنها مع الحملة الفرنسية سوف تخضع لهذه المؤثّرات خلال فترة قصيرة، حيث عمد الفرنسيون إلى هدم المباني وتوسيع الطرقات وبناء الجسور.
وإدخال نماذج من الإنشاءات لم تكن معروفة من قبل. وقد تجاوزت الإجراءات النطاق العمراني المحض لتصل إلى مجالات الإدارة المدنية والحياة الاجتماعية والتدابير الصحّية الوقائية، بحيث نشهد بداية المدينة الحديثة.
وإلى ذلك يبيّن المؤلّف ما قدّمه الجبرتي في هذا الجانب من معلومات تفصيلية في سياق تأريخه للحملة الفرنسية، ومن ذلك ما يذكره من أن الفرنسيين في الشهر الأول من دخولهم شرعوا في تكسير الأبواب التي تفصل ما بين الأحياء والحارات، ولم يكن السكان يفهمون سبب هذه الأعمال.
فاعتقد بعضهم أنهم عازمون على قتل المسلمين في صلاة الجمعة، إلاّ أن الفرنسيين سيواصلون عمليات التحديث في المدينة، فعملوا على إنشاء ديوان محكمة القضايا، وطلبوا من الأغراب في المدينة مغادرتها، ومنعوا دفن الموتى قريباً من المساكن، وطالبوا التجّار بوثائق تثبت الملكية، وضرورة حصول المسافرين على أوراق ثبوتية، وإعطاء المواليد شهادات ولادة.
يشير إلى تدخّلهم في شؤون الأوقاف، فأمروا بضبط إيرادها. أما الإجراءات في المجال العمراني، فقد كانت أبعد أثراً، كما يورد المؤلّف، فهم بعد هدمهم للبوابات والحواجز الفاصلة بين الأحياء، بدأوا بهدم الأبنية في منطقة القلعة.
ويذكر أن منطقة الأزبكية التي اختارها الفرنسيون مركزاً لقيادتهم قد تعرّضت أكثر من المناطق الأخرى لأعمال الهدم وإعادة البناء، لتتوسّع هذه الأعمال وتطاول بيوت الأمراء من المماليك وكما يذكر الجبرتي: شرعوا في هدم أخطاط الحسينية وخارج باب الفتوح وباب النصر من الحارات والدور والبيوت والمساكن والمساجد والحمامات والحوانيت والأضرحة.. إلاّ أن عمليات الهدم كانت تترافق مع عمليات تمهيد وبناء وشقّ طرقات وإقامة جسور.
وبذلك، حسب ما ذكره المؤلّف، فإن القاهرة بدأت تأخذ شكلاً جديداً على طراز المدن الأوروبية من حيث البناء والنظافة وإنارة الحارات والأسواق، وبالإضافة إلى ذلك حملت معها عادات اجتماعية جديدة، بفتح المقاهي والخمارات والمطاعم، وبداية عصر الموضة حيث استجابت النساء لنزعة التغريب وخروجهنّ متبرجات حاسرات الوجوه.
المؤلف في سطور
خالد زيادة باحث أكاديمي ودبلوماسي لبناني، عنيت كتاباته بالتاريخ الاجتماعي والسياسي المديني، والدعوة للحوار الإسلامي ـ المسيحي، والعلاقات بين العرب والغرب، ثمّ نقّب مطوّلاً في تاريخ مدينة طرابلس وغيرها، ويعمل حالياً سفيراً للبنان في مصر، ومندوباً دائماً لدى جامعة الدول العربية، كتب وألف عدداً كبيراً من الكتب .
نذكر منها: اكتشاف التقدّم الأوربي، النظرة الإسلامية إلى أوروبا، الصورة التقليدية للمجتمع المديني، كاتب السلطان/حرفة الفقهاء والمثقفين، يوم الجمعة يوم الأحد، حارات الأهل جادات اللهو، بوابات المدينة والسور الوهمي، حكاية فيصل، الخسيس والنفيس/الرقابة والفساد في المدينة الإسلامية.
عزت عمر
الكتاب: العلماء والفرنسيس في تاريخ الجبرتي
تأليف: خالد زيادة
الناشر: رياض الريّس للكتب والنشر
الصفحات: 142 صفحة
القطع: المتوسط
