منذ أن ارتبط بيان الصفدي بالكتابة للأطفال، وبالتحديد في العام 1976 وهو يعاني من كون ثقافة الطفل في الوطن العربي مُهَمَّشة، في البيت والمدرسة والمؤسسات الرسمية والخاصة، فهي تَجري وراء الحالة الاحتفالية وليس وراء العمل المنظم المخطط المدعوم مادياً ومعنوياً.
كانت صلة بيان الصفدي بشعر الأطفال وطيدة، فهو يكتبه، وينقده، ويؤرخ له متتبعاً خيوطه الأولى، فقد بدأ بدراسة «فنون الكتابة الأدبية للأطفال» سنة 1977، ثم دراسة في «قصيدة الطفل» 1979، ثم دراسة في «شعر الأطفال في سوريا» 1988. ومع أن المراجع ذات الصلة بهذا المبحث قليلة، والصعوبات كثيرة، فقد دأب بيان يجمع ويسمع ويراسل حتى وصل إلى مادة مقبولة علمياً.
أول أنواع شعر الأطفال هو ما سمي بشعر ترقيص الأطفال ، وهو قديم جداً، ومكتوب بإيقاع راقص يناسب من يُرَقِّصُ الطفل وعاطفتَه وصوتَه الذي يؤثر في الطفل فيدفعه إلى الكف عن البكاء إذا كان باكياً، ثم إلى الرقص، والمرح.
يتصف شعر الترقيص بأن جله مجهول المؤلف، وهو ارتجالي يعبر عن عاطفة أو حاجة للتسلية والمرح، وبظهور الإسلام أضيفت إليه معان لم تكن معروفة تتعلق بالدين الجديد، ومنه ما قالته المرضعُ حليمة السعدية:
يا رب إذ أعطيتَه فأبْقِهِ
وأعلِهِ إلى العُلا ورَقِّهِ
وادحضْ أباطيلَ العدا بحقِّهِ
ينتقل المؤلفُ إلى أشعار القَصّ في التراث العربي، ومنها قصيدة للنابغة الذبياني، وأخرى للحطيئة، وثمة قصة شعرية للفرزدق تحكي عن علاقته بذئب جائع (وأطلس عسال..). ويُعتبر كتاب داوود سلوم «قصص الحيوان في الأدب العربي» وكتاب شاكر هادي شكر الذي يحمل العنوان نفسه مرجعين مهمين في هذا المجال، ولن ننسى كتاب الحيوان للجاحظ وأهميته الكبرى بالطبع.
من الأمور المؤكدة أن أول من كتب قصيدة خاصة بالطفل هو رائد النهضة العربية رفاعة الطهطاوي، ولكن ما فعله لم يزد عن نظم عدة قصائد وأناشيد، وأما محمد عثمان جلال فقد وضع كتاباً ضخماً بعنوان «العيون اليواقظ في الأفكار والمواعظ» (صدر سنة 1850 تقريباً)، يمتاز بلغة وأفكار وصياغة مدهشة، وهو لم يقتصر فيه على صياغة كتاب الأديب الفرنسي «لافونتين» شعراً، بل تعداه إلى صياغة قصص من التراث الشعبي العربي، والمصري بخاصة، شعراً، نقبس منه:
بَسَمَ الزمانُ وعن كتابي أسفرا
وبه النسيمُ على محبته سَرى
فيه النكاتُ مع النوادر أينعَتْ
وظلامُ ليلِ الجهلِ منه أقمرا
ومن شعراء الأطفال في مصر عبدالله فريج الذي ألف كتاباً شعرياً لتلاميذ المدارس أسماه «نظم الجمان». وكان يصوغ الحكايات المعروفة شعراً كحكاية الأرنب والسلحفاة المعروفة:
لقد حكوا عن أحد السلاحفِ
حكايةً من الزمان السالفِ
بأنها مع سيرها المقاربِ
تسابقتْ مع أحد الأرانبِ
إن كان معظم الدارسين قد تجاهلوا التجربة السورية في شعر الأطفال، فإن المؤلف يشير إلى أن أول كتاب طبع في بولاق 1822 كان للسوري رفائيل زخور، ثم جاء رزق الله حسون المولود في حلب بصياغة شعرية متميزة لقصص الأطفال ضمن كتابه «النفثات»، تلاه لويس صابونجي صاحب كتاب «أصول القراءة العربية والتهذيبات الأدبية» سنة 1866، و«النفائس لتلامذة المدارس» سنة 1886.
وبدت لغة جرجس شلحت الشعرية في كتابه «النخبة من أمثال فنلون» أكثر تطوراً من التجارب السابقة، وقدم الدكتور جميل سلطان بعض الأشعار بدءاً من سنة 1927، وشكل عبد الكريم الحيدري نقلة نوعية في هذا المجال، حتى إن المؤلف يعتبره الرائد الحقيقي لشعر الأطفال في سوريا: (علمي المحبوب رفرفْ ـ زاهياً في كبرياءْ ـ مشرقَ الطلعة حراً ـ لابساً أبهى رداءْ).
وأما رائدة شعر الأطفال في سوريا فهي جسماني شقرا من حمص، عثر المؤلف على كتاب مهم لها بعنوان «روضة الأطفال» طبع سنة 1932. ويرصد المؤلف في دراسته أشعاراً طفلية كتبها حتى الخمسينات كل من سليم الحنفي وحسني كنعان وجرجس عبد الملك وعز الدين التنوخي ومصطفى الصواف وفخري البارودي وأديب التقي وخير الدين الزركلي وبدر الدين الحامد وشفيق جبري وتيسير ظبيان وعمر يحيى وبدوي الجبل.
وبعد السبعينات، ومع ظهور مجلة «أسامة» واهتمام وزارة الثقافة بأدب الأطفال ساهم بعض الكتاب الكبار في الكتابة للأطفال، كحسيب كيالي ونجاة قصاب حسن، ثم كتب كل من ياسر المالح وممدوح سكاف وسمير مراد ووفيق خنسة ومصطفى خضر ومعشوق حمزة وجمال علوش وموفق نادر وراكان الصفدي وأسعد الديري أشعاراً جيدة.. وأما سليمان العيسى ذو العطاء الغزير فقد اعتمدته المناهج الدراسية منذ زمن طويل: (بردى يتدفقُ بالنورِ ـ والشامُ عروسْ ـ تتهادى بثيابِ الحورِ ـ وتضيءُ شموسْ).
ويفرد المؤلف فصلاً خاصاً للتجربة اللبنانية في شعر الأطفال ملقياً الضوء على تجارب كل من خليل مطران وحليم دموس (عليك مني السلام ـ يا أرض أجدادي ـ ففيك طاب المقامْ ـ وطاب إنشادي)، ومصطفى الغلاييني، وناصيف اليازجي وأسعد طراد وجرجس همام وإيليا أبو ماضي وميخائل نعيمة والياس فرحات وروز غريب، وحتى الأخوين الرحباني كانت لهم تجارب شعرية للأطفال، بالفصحى والعامية.
وفي التجربة العراقية يتوقف المؤلف في البدايات الأولى عند أشعار على الشرقي ومعروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي ومهدي الجواهري. وقد شكل الرصافي ظاهرة تمتاز بالغزارة والأهمية والدعوة إلى الحداثة: (أما علموا أن الحياة بعصرنا ـ مدارسُ في كل البلادِ تُشَيَّدُ ـ فيا قومَنا إن العلوم تجددتْ ـ فإن كنتمُ تهوونها فتجددوا).
ثم جاء عبد الحسين الحويزي وعبد الرحمن البناء وعلي الخطيب ومصطفى جواد واسماعيل فرج الموصلي وأحمد الصافي النجفي وأكرم فاضل وداوود الوتري. وبعد سنة 1970 صدرت مجلتان مهمتان هما «مجلتي» و«المزمار»، وبرزت أسماء مهمة كعبد الرزاق عبد الواحد وفاروق سلوم وعلي جعفر العلاق وعبد الجبار عاشور ونبيل ياسين وخالد يوسف وغازي الفهد وخالد الخزرجي والملحن حسين قدري.
وهناك التجربتان الأردنية والفلسطينية، وتجربة علال الفاسي في المغرب، إضافة إلى شعر الأطفال في الجزيرة العربية والكويت والسودان. وأما الفصل الأخير من الكتاب فيخصصه المؤلف للتجارب النقدية التي تناولت شعر الأطفال في الوطن العربي.
نقاط مضيئة لم تستمر
النقاط المضيئة في ثقافة الطفل سرعان ما تزول، فقد اختفت مجلة «سندباد» المصرية، وتراجعت أحلام «دار ثقافة الأطفال» ببغداد، وتعثرت مجلة «أسامة» الرائدة في سوريا، وتوقفت دور نشر ومجلات وسلاسل عربية للأطفال.
المؤلف في سطو ر
ولد بيان الصفدي في تل الغزال (الحسكة) عام 1956. تلقى تعليمه في الريف السوري بحكم عمل والده في الشرطة. درس في جامعة دمشق وجامعة المستنصرية ببغداد. عمل في الصحافة. عضو جمعية الشعر باتحاد الكتاب العرب. مؤلفاته:
ويطرح النخل دماً ـ شعر ـ دمشق 1976
حكايات جميلة (10 أجزاء) شعر وقصص للأطفال ـ بيروت 1978.
حكايات عربية (للأطفال) بغداد ـ 1978 ـ 1982.
معجم طوائف المعاني (خاص بالفتيان) مشترك مع الدكتور المطلبي ومراجعة الدكتور المخزوني ـ بغداد.وأوراق العاشق ـ شعر ـ بغداد. والأغاني ـ شعر للأطفال ـ دمشق 1982.
مصباح علاء الدين ـ شعر ـ دمشق 1986
خطيب بدلة
الكتاب: شعر الاطفال في الوطن العربي
تأليف: بيان الصفدي
الناشر: وزارة الثقافة دمشق 2008
الصفحات: 288 صفحة
القطع: المتوسط
