من دمشق أقدم مدينة في التاريخ، وبجوار أحد أبوابها السبعة، ولدت ظاهرة فنية استثنائية جمعت بتناغم مدهش بين الفن والمكان، حيث أحيت تلك الظاهرة العفوية التي ازدهرت، حيا من أحياء دمشق المهجورة، وهو حي الأمين أو حارة اليهود بالقرب من باب شرقي. وما هي إلا بضع سنوات حتى تحول هذا الحي إلى مركز للحركة والأنشطة الفنية والسياحية المحلية والعالمية.
تزامنت نشأة الحي فنياً مع الفنان والنحات مصطفى علي الذي مثل نواة انطلاقة تلك الظاهرة التي بدأت بعد مرحلة بحثه عن بيت عربي قديم ليكون له بمثابة استوديو أو مشغل بهدف استيعاب أعماله الضخمة. ونظرا لغلاء الأسعار توجه إلى حي الأمين المهجور، وهناك وجد البيت المثالي الذي جمع بين كونه مشغلا خاصا به وصالة عرض للفنانين ولورشات فنية للشبان والأطفال، إلى جانب استضافته لعروض موسيقية وغنائية راقية ولندوات ثقافية وشعرية.
اثنان في واحد : ويقول عن البداية، «كنت خلال عملي على ترميم البيت وإعادة رونقه القديم الذي تطلب جهدا كبيرا، أشجع وأحفز أصدقائي الفنانين على الاقتداء بي. وهكذا انضم إلى الحي الفنان التشكيلي إدوار شهدا خريج الفنون الجميلة وحول بيته إلى مرسم أيضا». ويتابع، «وبعدما كان البيت مهجورا مسكونا بتاريخ الماضي مهددا بالخراب مثل كثير من بيوت ذاك الحي، تحول إلى مكان حيوي يقصده عدد كبير من الزوار سواء من المقيمين أو من محبي الفن من كافة أصقاع العالم».
تاريخ البيت
ويتجاوز عمر بيت الفنان مصطفى علي 400 عام مثل عدد كبير من بيوت حي الأمين، الحي الذي عرف عبر التاريخ باسم «حارة اليهود» حيث سكنته العائلات اليهودية مئات السنين قبل هجرة أغلبهم إلى الخارج في التسعينات.
وتدل مستندات ملكية البيت في مكتب عنبر المسؤول عن البيوت الدمشقية القديمة، أنه كان ملكا لعائلة بكري البقاعي اليهودية، وهو تاجر خيطان كبير اشتهرت أسرته بجمال فتياتها. وتروي السيدة روزا إحدى المعمرات التي مازالت تقيم مع شقيقتها في ذلك الحي، أن هذه العائلة كانت قد استخدمت الطابق العلوي للسكن العائلي والأرضي كمستودع.
أما الغرفة التي يستخدمها الفنان كمكتب له، فقد كانت معبد للعائلة ويستدل على ذلك من الكتبية التي كان يوضع فيها كتاب التوراة ومن تصميم المكان. ليس هذا فقط، إذ تشير زخارف الأقواس الحجرية المنحوتة في الجدران التي تضم أرففا أن تاريخ البيت إنما يعود لزمن أبعد بكثير، فزخارف النقوش في بعض الغرف التي عمل على ترميمها تعود إلى عصر المماليك.
من معبد إلى مرسم
ويقول الفنان إدوار شهدا الذي كان بيته فيما ورشة خياطة ومصلى في ذات الوقت، عن تأثير المكان على إنتاجه، «المساحة الرحبة والإضاءة المناسبة، وخصوصية المكان وذاكرته وقدمه إلى جانب هامش العزلة بعيدا عن صخب العالم الخارجي، بالإضافة إلى الحوار الفني الفعال مع الزملاء الفنانين في الجوار، يولد عندي بالمجمل إحساسا بالسكينة والألفة وحافزا للرسم والإبداع».
ومن مرسم إلى مجمع
وخلال فترة زمنية قصيرة انضم مجموعة من الفنانين واتخذوا من الحي مقرا لهم، منهم الفنان عبدالله مراد الذي حول ما كان فرنا فيما مضى إلى مشغل له، أما الفنان التشكيلي المخضرم نذير إسماعيل فقد خص نفسه بمساحة متواضعة اقتطعت من أحد البيوت ليكون جزءا من تلك الظاهرة الفنية على الرغم من أنه يملك مرسما له في مكان آخر.
وعن هذه التجربة الفنية يقول «قبل نشأة هذه الحركة الفنية بسبع سنوات بادرت محافظة دمشق بتحويل بيت دمشقي قديم كان مؤجرا لسفير ألماني من قبل الدولة إلى مشغل للرسامين، حيث اختارت ثمانية مبدعين من النقابة وخصصت لكل منهم غرفة في البيت الذي بني قبل 250 عاما.
وحققت التجربة التي استمرت لمدة عام ونصف نجاحا كبيرا من خلال التواصل اليومي والحياة المشتركة للفنانين، إلا أن المجموعة الجديدة التي تلتهم أخفقت نظرا لاختلاف تناولها للفكرة وتبنيها لمفهوم تجاري سرعان ما أدى إلى فشلها».
ويضيف أخيرا قائلا، «إن موهبة الفنان تشكل 5% فقط من إبداعه أما الممارسة المستمرة فلها الدور الأكبر في صقل موهبته وإبداعه. ومن هنا تبرز حاجة الفنانين للتجمع والتواصل الذي يشكل محرضا وحافزا لاستمراريتهم».
ثمار الظاهرة
وبعد تبرعم تلك الظاهرة أتت ثمارها حيث تم بالتنسيق مع جمعية المكان للفنون تبني مشروع فني من قبل منظمة البحث والتعاون الإيطالية (منظمة غير رسمية وغير حكومية)، بتمويل من المفوضية الأوروبية التي تمثل الاتحاد الأوروبي مع دعم شركاء مثل معهد غوتة ومحافظة دمشق في إطلاق مشروع «فصول تل الحجارة» الثقافي الذي أقيم على مدار عام 2007 في أحد أحياء حارة اليهود.
ولدى سؤال النحات مصطفى المسؤول عن جمعية المكان للفنون، قال انها بدأت مع الحركة الفنية في المنطقة وتضم أوائل الفنانين الذين استقروا في الحي، وهي مؤسسة فنية خاصة غير سياسية وغير ربحية، تسعى لتأمين التبادل الثقافي والفني بين الشرق والغرب والمساهمة في تنشيط الحركة الفنية السورية عربيا ودوليا.
وهي أول مؤسسة تساهم بدعم المشاريع الفنية من خلال تنظيم ملتقيات نحت عربية ودولية وتنظيم المعارض على كافة المستويات والمؤتمرات والندوات والمحاضرات الفنية ودعم معارض الفنانين السوريين الشباب مع تنظيم مهرجانات فنية في مختلف الاختصاصات والتأسيس لحي الفنانين في المدينة القديمة من خلال إنشاء محترفات لهم، مع ربط المحترفات والمهن اليدوية بالفنانين التشكيليين لتطويرها واستمراريتها.
«فصول تل الحجارة».. تعاون وتبادل وحوار
كان الهدف من هذا المشروع تعزيز التفاهم وخلق لغة حوار مشتركة وتبادل ثقافي بين شعوب أوروبا والحوض المتوسط، وتسليط الضوء على الجذور المشتركة مما يسهم في تعزيز التفاهم والاحترام والتعاون بين الحضارات. إلى جانب إعادة إحياء منطقة تل الحجارة المجاور لمدينة دمشق القديمة ـ حي الأمين، نظرا لأهميتها الفنية التاريخية مع تقديم المنطقة كحي للفنانين بعد قدوم العديد منهم ليتخذوا محترفات لهم فيها.
قسم المشروع على مدى عام كامل ليشكل بمجموعه فصولا فنية مختلفة من معارض وورش عمل ورسم حر للأطفال، وعروض فلكلور ومحاضرات، وعروض سيرك، كما شارك في هذه النشاطات فنانون من عدة دول أوروبية ودول الحوض المتوسط
فن العمارة
الحي اليهودي هو كسائر الأحياء الدمشقية القديمة من حيث الممرات الضيقة للحارات والأزقة. وتحمل بيوته سمات البيت الدمشقي من حيث التصميم والعمارة، كما انه يضم قصورا فخمة فيها روعة البيوت الدمشقية، فالفسيفساء والتزيينات والليوان والعلية واليوك وغرفة الفرنكة وأرض الديار، كلها حاضرة في هذه البيوت.
حاراتها ضيقة وأزقتها ملتوية قد لا يتجاوز عرضها المتر الواحد.. وأبواب صغيرة قليلة الارتفاع لا يكاد المرء يدخلها إلا منحنيا، تؤدي إلى مساحات كبيرة (ارض الديار) ودهاليز غامضة. وفي هذا الحي تجمع يهود دمشق وفتحوا في حاراته وأزقته المحلات التجارية والورشات المتنوعة، وان كان عدد منهم قد قصد أماكن أخرى في دمشق للعمل أو التجارة (القصاع، باب توما، الشعلان، طريق الصالحية..)
أسماء متعددة
تنوعت أسماء الحارات والأزقة في الحي اليهودي فمع بداية القرن العشرين سميت محلة الخراب «حارة اليهود» التي كانت تدعى في حالات قليلة «ثلاج» شرقي المدينة القديمة. وهنالك أيضاً شارع اسمه شارع تل الحجارة ويقال ان التسمية جاءت نسبه لكثرة الحجارة المنحوتة التي كانت في الشارع قديما، ويظن أنها تعود لسد آرامي قديم.
كما سميت بالخراب لأنها تعرضت لخراب قوي بعد عدة زلازل ضربت سوريا وفلسطين، ويوجد تحت هذه المنطقة ركام حضارات كثيرة عمورية وآرامية ويونانية ورومانية وإسلامية، وألغيت تسمية محلة الخراب إكراما وتقديرا للعلامة الكبير نزيل دمشق محسن الأمين، وذلك عام 1937 حين قام شكري القوتلي برفقة عدد من الشخصيات السورية بزيارته في منزله في تلك المنطقة وأعلمه بتغيير اسم محلة الخراب إلى اسم حي (شارع) الأمين تقديرا له.
رشا المالح


