دوماً وفي كل وقت يسعى الإنسان لاكتشاف وسائل للتعبير عن مشاعره، فكان الرقص واحداً من تلك الوسائل التي دخل فيها الانسان نحو مواقف وأحداث الحياة، وهو بذلك يحاول أن يضفي بالرقص لمسات جمالية وفنية عن تلك الوقائع والأحداث التي تتراكم في وجهه ومحاولة التخفيف من تأثيراتها وتفاعلاتها.

الرقص فن احتفالي اكتشفه الإنسان ليستطيع من خلاله أن يعبر عن مشاعره من واقعة ما، وهو يحدث على الأغلب في طقوس تكاد تكون تلقائية، لأن المحتفل يريد ألا يشغله شيء عن أمور الدنيا عن لحظات الاحتفال التي يرقص في محرابها. إنه هنا يمتلئ بحالة كرنفالية غامرة من النشوة يمكن معها أن يتسامح مع أي شخص يراه ولو مصادفة حتى لا تُفسد عليه هذه الطقوس الاحتفالية والاحتفائية سواء بالذات أو بالآخر الجسد هنا يعبر عما يمكن للغة أن تعبر عنه، وهناك أيضاً أشكال للرقص الانفرادي الذي يمكن أن يؤديه الفرد في منزل مغلق عليه كتعبير عن تلقي خبر مفرح، وكذلك يمكن أن يؤدي الرقص لدى جماعة متصوفة أو غير متصوفة إلى طقس عبادي يتقرب العبد من خلاله إلى ربه.

عالم الرقص هو عالم غني وممتع لأنه يعني جوهر الإنسان من خلال الظاهر لأن الرقص هو حالة ظاهرية، بيد أنه يعبر بقوة عما يجول في الداخل، وهنا يمكن أن نلحظ بأن عالم الرقص هو عالم صريح ومشع ليس فيه موضع للزيف فأنت يمكن أن تلحظ على شخص يرقص رقصاً بارداً في مناسبة فرح، فتدرك بأن مشاركة هذا الشخص هي مشاركة غير فعلية، بل هي ظاهرة فحسب، وهذا يؤكد مجدداً بأن الرقص هو حالة تلقائية بدرجة عالية ليس من اليسير على المرء أن يقوم بمحاولة التزوير في محرابها.

حديث الجسد

أحياناً يشعر الإنسان بأن اللغة المباشرة للمشاركة بالأفراح أو الأتراح لا تكون كافية، وأنها تكون تقليدية. الإنسان إذن كائن تواق لاكتشاف أشكال وألوان التعبير عن نفسه، وقد استطاع أن يبدع في هذه الألوان، أحياناً بشكل أدق من الكلمة المباشرة.

وهي في واقع الأمر لغات غير لفظية، فهو يمكن أن يعبر عن موقفه من واقعة ما من خلال نظرات عينيه، ويمكن أن يعبر من خلال حركة بشفتيه، من خلال تقطيب في الحاجبين، أو حركة في قسمات الوجه. الضحك أيضاً محاولة للتعبير والمشاركة في حدث ما دون لغة، كما أن البكاء له ذات الوقع.

وقد يعتمد الإنسان أحياناً على الصمت في محاولة لإبداء رغبة، أو رفضها، مثل الفتاة التي تصمت عندما تُسأل من قبل وليها إن كانت توافق على زواجها من فلان فيقال في ذلك (السكوت علامة الرضا). كما أنها يمكن أن تعبر بالصمت ذاته عن الفرض فتبدي استياء يظهر على قسمات محياها، وقد تهز رأسها علامة على الرفض وتستدير ذاهبة إلى حجرتها.

ويمكن للشخص أن يبدي عدة هزات من رأسه نحو الأسفل علامة بالموافقة، كما يمكن أن يرفع حاجبيه نحو الأعلى علامة للرفض. ثم استطاع الإنسان أن يصنع آلات تصدر أصواتاً تعبر عن فرحه أو ترحه، هذه الآلات التي سميت فيما بعد بالآلات الموسيقية، وهذه الآلات ذاتها يمكن لها أن تُرقص المرء، ويمكن لها أن تبكيه عندما تكون لغة الجسد هي المسؤولة في واقعة ما.

كما يمكن لجمع من الناس أن يعبّر عن ارتياحه لقول في الأدب أو الشعر أو السياسة من خلال التصفيق للشخص الذي يقف على المنبر، ويمكن في بعض الحالات أن تعبّر تلويحة اليد عن السلام، وكذلك عن الوداع.

عالم الرقص

عندما نتحدث عن عالم الرقص، فإننا نتحدث عن ثنائية العلاقة بين الظاهر والباطن في عالم الإنسان. للرقص مكانة هامة في حياة شعوب الأرض قاطبة، إذ لا يخلو مجتمع من المجتمعات من الرقص. يُستخدم الرقص في أهم المراحل الانتقالية في حياة الناس مثل حفلات الخطوبة، الزفاف، وكذلك الولادة، ويمكن استخدام الرقص في مناسبات أعياد الميلاد، والمناسبات الوطنية، والختان، والنجاح.

أكدت بعض الآثار على دلائل وعلامات الرقص قبل الميلاد بألف عام في بلاد الرافدين ووادي النيل حيث نقش السومريون والآشوريون وقدماء مصر نقوشاً على جدران معابدهم وهذه النقوش توحي ببعض الطقوس الراقصة في أثناء العبادة والشعائر الدينية.

واستخدمت المجتمعات العربية كسائر مجتمعات العالم فن الرقص لأغراض متعددة، فدخل الرقص إلى الغناء والمسرح والسينما، وافتتاح المهرجانات، وكذلك إلى السياسة فيمكن أن يحتفي ملك الدولة أو أميرها أو رئيسها بضيوفه من خلال تقديم حفلات راقصة من فلوكلور بلاده كبادرة ترحيب بهؤلاء الضيوف، ولعلي أذكر أن الراقصة المصرية سهير زكي رقصت أمام الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون.

وهنا يمكن أن يتعرف الضيف على روح إيقاع المجتمع من خلال ما يتلقاه من رقص شرقي وكذلك موسيقى شرقية على مائدة طعام شرقي. وهذه في جملتها تعابير عالمية موحدة لا تحتاج إلى مترجم، فالضيف لا يحتاج إلى مترجم عندما يستمتع بإيقاع الرقص الشرقي، أو عندما يستمع إلى موسيقى شرقية، أو عندما يتناول طعاماً شرقياً، أو يتناول كأساً من شراب شرقي.

وقد انتشر فن الرقص الشرقي في سائر أنحاء العالم ولاقى استحساناً من الراقصات الشرقيات اللواتي أبدعن في تقديم هذا اللون في فنون بلادهن، وهو رقص يعتمد على هز الصدر والخصر والأرداف يطلق عليه بالإنجليزية «رقص البطن» ويمكن له في مصر أن يجذب الكثير من السياح ليذكرهم بعصر الفراعنة باعتقاد أن الرقص الشرقي يعود إلى ذلك العصر.

وربما لذلك نرى أن القاهرة تقيم أكبر مهرجان عالمي للرقص الشرقي، وهي فرصة لتعلّم فن الرقص الشرقي من قبل راقصات متدربات في مختلف أنحاء العالم وهن يشاركن في هذا المهرجان. لعل ما يميز هذا الرقص أنه يعطي انطباعاً للجمهور الغربي بأن المرأة مازالت تحافظ على أنوثتها.

لكن تبقى الراقصات الأميركيات والألمانيات والنيوزيلنديات والفرنسيات وغيرهن من يشعرن بقلق وعدم طلاقة وهن يرقصن الرقص الشرقي في القاهرة أمام جمهور شرقي بعد تدريبات متواصلة على أيدي مدربات مصريات يقبضن ستين دولاراً من الراقصة المتدربة في الدرس الواحد.

والسبب حسب خبرة الراقصة سهير زكي ـ وهي أعلم بأسرار مهنتها ـ يعود إلى أن الراقصة الغربية مهما اتقنت من أساليب الرقص الشرقي، فإنها لن تصل إلى مستوى يعادل الراقصة المصرية بسبب افتقادها للأذن الموسيقية التي تتذوق الموسيقى الشرقية، ولروح الدعابة وخفة الظل.

ألوان الرقص

لم يكتف الإنسان بلون واحد من الرقص ليعبر من خلاله عن حالة الفرح لديه، والعالم مليء بمئات الراقصات، وأذكر من هذه الرقصات العالمية: الفالس، مصدرها البلدان الواقعة على ضفاف الدانوب مثل ألمانيا والنمسا، وقد عرفنا في بلادنا هذا اللون من الرقص في بعض الأفلام والأغنيات العربية ومنها: «ليلة الأنس في فيينا».

وهناك رقصة تدعى التانغو، انتقلت هذه الرقصة خلال هجرات الأفارقة عبر اسبانيا خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر. ومن الرقصات الأخرى: التشاتشا، وأصلها من الريف الكوبي تعتمد على الإيقاع السريع، ثم رقصة الرومبا يمكن أن تظهر في الأولمبياد، وكذلك رقصة السامبا وهي تعود إلى أصل برازيلي، وكذلك رقصة الباسادوبلي التي تعتمد على الرقصات الغجرية في جنوب إسبانيا.

كل رقصة تعبر عن إيقاع مجتمع، بل يمكن أن نرى حتى القبائل تختص برقصات معينة دون غيرها. ثمة أشكال وألوان متعددة من الرقص في سائر البلدان العربية مثل الرقص الخليجي، والرقص الصوفي، ورقص السماح، والرقص الإيمائي، ورقصة الصيف والترس. الرقص ملك وحق لجميع مجتمعات العالم، يمارسه الفقير كما يمارسه الغني، ويمارسه الخادم كما يمارسه السيد.

فإذا أتينا إلى مجتمع السودان على سبيل الإشارة، نراه غنياً بفنون وألوان الرقص من مختلف مواقعه الجغرافية والاجتماعية، حتى ذاك الذي يعيش في عمق الصحراء تراه يحتفل ببعض مناسباته من خلال رقصات معينة تعبّر عن طبيعته، فنرى الرقصات تنسجم مع وقت المناسبات.

ثمة رقصة في السودان تدعى رقصة كليبو وهي تقتصر على النسوة اللواتي يحتفلن حول النقارة، أو النقار الذي يبدي حركات بهلوانية من خلال هز الخصر، أو الهرولة والقفز، فيأخذ الرقص طابعاً احتفالياً بمشاركة هذين العنصرين الفعليين في الاحتفال.

وهذه الرقصة تكون عادة في حالات الزواج أو الخطوبة، أو الختان، أو مناسبات النجاح. ومن الرقصات الأخرى في السودان رقصة شوشنقا: وهي قريبة من رقصة كليبو، لكنها تختلف في سرعتها وفي الحركات وإيقاعات النقارة المتنافسة، مع حركة الرقصات السريعة مع اللعب بالضفاير المرسلة يميناً وشمالاً على حسب هزة الرأس.

ويهرولن في شكل دائري حول النقارة. ويبدأ الرقص للنساء فقط، وهذا لا يعني عدم تدخل الرجال نهائيا، بل يتنافسون للدخول لحظة بعد الأخرى لرفع الروح المعنوية للرقص، وإعطاء بعض الهدايا للنقار أو الراقصة الماهرة وغالباً ما تكون نقدياً.

الرقص عند جماعة الصوفية

يمكن أن نرى أشكالاً من الرقص في بعض المذاهب الصوفية، وهي تعتمد على الدوران، وتحريك الجسد، وإطلاق عبارات الذكر، فترى الصوفي يغرق في عالم هذا اللون من الرقص إلى أن يشعر بحالة من الإغماء من كثر الدوران والإغراق في عالمه الصوفي.

لقد أنشأ جلال الدين الرومي طريقة الدراويش الراقصين، ويحكى أن «مولانا» ـ وهذا لقبه ـ كان يستلهم غالبية قصائده من رقصة الدائري الذي كان يستسلم له، والرقص عند «مولانا» فعل يشرق الصوفي من خلاله على الحياة ويمكن أن يتحول إلى حالة تشارك فيه الملائكة والنجوم.

ولعل الحلاج يُعد من دعائم الحركة الصوفية وهو القائل: «اقتلوني يا ثقاتي، إن في قتلي حياتي. وقد عُرف الحلاج بشهيد الحب الصوفي، كما يُعد شيخ الإشراق «السهر وردي» من الدعائم الأساسية للحركة الصوفية.

وملخص ما ينظر إليه شيخ الإشراق أن «جوهر النور الأول هو الله، يهب إشراقاً متواصلاً، ليكون من خلال شعاعه، وكل شيء في العالم مشتق من نور ذاته، وكل الجمال والكمال من فضله، والسلامة من بلوغ هذا الإشراق».

رقص ما قبل التاريخ

أكدت بعض الآثار على دلائل وعلامات الرقص قبل الميلاد بألف عام في بلاد الرافدين ووادي النيل حيث نقش السومريون والآشوريون وقدماء مصر نقوشاً على جدران معابدهم وهذه النقوش توحي ببعض الطقوس الراقصة في أثناء العبادة والشعائر الدينية.

رأي أهل الكار

الراقصة الغربية مهما اتقنت من أساليب الرقص الشرقي، فإنها لن تصل إلى مستوى يعادل الراقصة المصرية بسبب افتقادها للأذن الموسيقية التي تتذوق الموسيقى الشرقية، ولروح الدعابة وخفة الظل.

عبدالباقي يوسف