تولد الحدائق من ثقافات مختلفة وبيئات أخرى تختار مكانها الحيوي الأجمل لتطبع على أشجارها وأزهارها لغات جديدة وذكريات جديدة، وهنا تنتمي الى ثقافتها الجديدة وتتوالد في مجتمعها الجديد وتتزيا بزي المدينة لا من حيث الشكل إنما من حيث الجوهر النفسي، وتكتسب حميميتها مع الآخرين من كونها مكاناً اجتماعياً وحاضنة ترفيهية.

حدائق دبي كثيرة ومتنوعة. اخضرار طويل بأشجار ونباتات مختلفة. تشكيلات هندسية لممرات مائية وأعشاب تجمّل الأرض وتسبغ عليها منظراً مبهجاً. لغة خضراء وسط الرمال . ثقافة حضارية تنتصر للجمال والبيئة وتأتي به من أقاصي الدنيا كي يثمر بهاء وصفحةً مشرقة تشرق به المدينة في جوها الحار فمضمار الحديقة، صغُر أم كبر، هو الحالة الرديفة لبيئة صحراوية ووجه آخر من وجوه الجمال الذي تستقدمه دبي كلما وجدت مساحة يمكن من خلالها توفير الحد الأدنى من الزرع والتشجير وإنماء الأعشاب ونباتات الظل وزراعة النخل والأشجار الاستوائية التي تنمو في بيئة دبي .

تستمر دبي في الحياة بالطريقة التي ترفد فيها انساغها بكل ما هو حي وطري، متجاوزة بذلك بيئتها الصحراوية الحارة وبالشكل المتحضر لاجتذاب نبض الحياة الأخرى التي ربما تفتقدها بسبب عوامل البيئة والمناخ . ولا شك أن دبي أصبحت اليوم مدينة خضراء وزاهية بحدائق كبيرة وعملاقة تتوزع على مختلف مساحاتها ومن كل جوانبها حدائق دبي ومنتزهاتها ميزة أخرى لهذه المدينة الصغيرة .

هي نوع ثقافي آخر يسرد حكاية تطور ونماء دبي على مر السنوات القليلة الماضية، متضامناً مع ما تشهده من إعمار يومي دقيق استقدم آخر أطروحات الحداثة المعمارية بهندستها المتجددة وإمكانياتها الفاعلة في إخراج المدينة من عصر الصحراء إلى عصر آخر قوامه التكون الأسطوري المُحدث للبناء الكبير بما في ذلك توطين المدينة في حلة خضراء وحدائق غنّاء وتطويقها بحزام أخضر يكون عاملاً مساعداً في توفير شعور أولي بأن الزائر إلى المدينة يتجول في غابة مفتوحة تتنامى مع الوقت وإن طالتها العمارات الشاهقة والأبراج التي تشي بعصر جديد.

الحديقة

الحديقة مساحة تقديرية من مساحات الرؤية المباشرة لوجه المدينة النامية على ملايين الأطنان من الكونكريت المسلح . وهي معادلة موضوعية لمقابلة المعدن بالزرع . الجماد بالحياة . الزجاج بالأغصان . الألوان المختلفة التي تسِمُ الأبراج بلون الحياة الأخضر الذي تنشره الحديقة في كل مكان . الإثمار والحركة المستمرة في مواجهة سكون الحجر.

الحديقة تعانق حميمي مع الماء ونبض الحياة . فكرة خضراء تمتد كلما كانت المياه ممتدة معها . لون ساطع تجمّله ألوان الأزاهير والورود التي تنغرز في خواصر الحدائق. كتاب مفتوح يترجم أهواء الآخرين ويضفي على متعتهم سحراً مثالياً .

جنوح خيالي نحو يوم أقل وطأة .. قد تكون الحديقة صغيرة بقياسات مساحاتها وهندستها، لكنها كبيرة بقياسات الإحساس الفوري الذي ينتشر عبر الآخرين في يوم العطلة الأسبوعية . وقد تترامى الحديقة طويلةً بحسابات امتداداتها وتصميمها ومساحاته التي تشغلها فتنمو في دواخل الآخرين كلما كانت هكذا بتكثيف شعري لا يحسه إلا من تعاشق مع المكان وجمالياته الوفيرة .

عندما تولد الحدائق من ثقافات مختلفة وبيئات أخرى تختار مكانها الحيوي الأجمل لتطبع على أشجارها وأزهارها لغات جديدة وذكريات جديدة في تراكمات الأيام واصطفاف الزائرين المرهقين من وتيرية الوظيفة وعناءات الطرقات المكتظة عادة. فالحديقة هنا تنتمي الى ثقافتها الجديدة وتتوالد في مجتمعها الجديد وتتزيا بزي المدينة لا من حيث الشكل.

إنما من حيث الجوهر النفسي وتكتسب حميميتها مع الآخرين من كونها مكاناً اجتماعياً وحاضنة ترفيهية لمجاميع الزائرين، أسراَ وأصدقاء، فالحاضنة هنا شجرٌ وألوانٌ واخضرارٌ وماءٌ ومساحات هندسية مرسومة لتشكلات مختلفة تكسر إيقاع الممرات والمصاطب والظلال بشكل مسابح ربما أو نافورات أو مقاطع لورود تطرّز مماشي الحدائق الجانبية الصغيرة .

للحديقة اربعة عناصر لابد منها لتكتمل صورتها الأساسية بقياسات الطبيعة من وجهة نظرنا ونحن نحاول قراءة هذا التشكيل الجمالي بمنظومته الواضحة وهي : الفضاء والماء والمساحة الحرة والشمس . وهذه عناصر فنية غير قابلة للتجاوز؛ فهي تشكّل لوحة الحديقة بمجملها، فالفضاء المفتوح حرية مفتوحة، والماء عنصر الديمومة والحياة، والمساحة الحرة انفتاح نفسي وجمالي والشمس مصدر الضوء والظل معاً!

البحر والحديقة

يمكن لنا ان نلمس تجاذبات حميمة بين هذه العناصر بما يشكل وحدة نسيجية فيما بينهما لإظهار صورة الحديقة بمظهرها الطبيعي ؛ فالفضاء له علاقة مع الشمس والحرارة والظل والضوء والمساحة الحرة، وهو العنصر المهيمن على تشكيل بقية العناصر تقريباً كظهير أساسي لإنعاش الحياة في الحديقة، لكن ثمة عنصراً مهماً يدخل في هذا البناء الأفقي وهو الماء، وهنا يكون البحر عنصراً تجميلياً ورافداً مغذياً لجماليات الحديقة، فثمة تكافل بين الحديقة والبحر .

البحر له خصوصياته السحرية في إضفاء اللمسات الوحشية بمعناها الأدبي الخيالي على المكان وهو عنصر أزلي جاذب وساحر في تكونه الواقعي والمتخيل، لذلك فكل حديقة تجاور البحر تكتسب أكثر من معنى جمالي وسياحي، وهذه تغذية حميمة بين كل العناصر المشار إليها وبين الآخر - الزائر الذي سيكسب الكثير من الوقت لتوريد أكثر اللحظات صفاءً ذهنياً واستشفاف مقدرته على العطاء النفسي والاجتماعي بما يوفر له المزيد من الحرية في التأمل والانفتاح .

فالبحر صنو الفضاء والمساحة المفتوحة بامتداده الفسيح . صنو الإنسان في مده وجزره وانتفاضاته . والحديقة استكمال ترفيهي لمد البحر أو جزره بوصفها حالة مستقبِلة لنوايا البحر وارتداداته السرية المفاجئة ! وبهذا فإن وجودها على شاطئه وجودٌ عاشقٌ يمتص رحيق البحر وأبخرته الصيفية عبر تكاتف الظلال واتساق المماشي الصغيرة التي تحفها الأعشاب وتضفي شعوراً لذيذاً بنمو الحياة هنا وهناك.

الحديقة حاضنة اجتماعية فريدة من نوعها . بيت كبير للغرباء. سمتهُ اجتماعية أكثر مما هي سياحية، فالسياحة اختطاف لحظات زمنية للفرجة والإطلاع وتملّي المنظر من شكله الخارجي، لكن الحديقة، بوصفها مكاناً ثابتاً، تنشيء علاقات مستديمة بينها وبين الآخرين ممن يكرّسون حضورهم المستمر، لذا فهي بيت اجتماعي منطلق الى حرية غير محدودة يجمع في أحشائه اللغات والأشكال والأجناس والأعراق والأديان في تعايش ضمني عموده الحياة اليومية السلمية وإغراقها بالجمال تحت أية صيغة إنسانية ممكنة.

الممزر في رحاب البحر

لا يكون هذا التوصيف ممكناً ما لم تتحقق فيه أمثلة ميدانية تعين على تقريب ثقافة الحديقة في دبي، ودبي التي ستصبح مدينة خضراء نظراً للخطط البلدية المستمرة في ابتكار اللمسات الجمالية على حدائقها تتوفر على عدد ملحوظ من الحدائق كحدائق الممزر والخور وزعبيل والصفا وشاطيء جميرا ومشرف وأم سقيم وكورنيش السيف والراشدية وغيرها من الحدائق الصغيرة والكبيرة.

فحديقة الممزر التي افتتحت عام 1994 تعد من الحدائق الكبيرة ذات السمة الاجتماعية الفريدة وهي عبارة عن مجموعة حدائق تداخلت مع بعضها لتكوّن جوا أسطوريا من الجمال خلاصته الماء والخضراء، فالنخل العربي يضفي طقساً تاريخيا بمراوحه الخضراء على جزء منها والأشجار الأخرى المختلفة المناشيء تدلل على منابتها البعيدة لكنها احتشدت في مناخ دبي وتعايشت معه فكانت غابة شجرية مثيرة بهندستها، فيما يبقى المدرج الدائري مسرحاً مفتوحاً بمساحته النخيلية المفتوحة وثرائه الفضائي الذي يبث الكثير من المتعة والانشراح النفسي .

الممزر حدائق في حديقة ولعل كورنيش البحر الطويل الذي تطل عليه من أهم ما يميز جمالياتها المختلفة، فهو حديقة برية- مائية بإطلالة أخاذة تبيح لمرتاديها التحرك الحر عبر سقف شاهق من الفضاء لتتحول الى مسبح شاطئي مترامي الأطراف بخمس مناطق تتسع عادة للكثيرين؛ يتناغم مع جو المدينة وصولاً الى الشارقة من جهتها المقابلة، وممارسة أنواع الرياضات عبر التقسيم الهندسي للحديقة، فمن التزلج البحري إلى كرة القدم إلى الغولف إلى المشي والأركاض المختلفة لتكون بذلك مكانَ نقاهة واستجمام، فتلتقي بها الروح الاجتماعية من مختلف المناشيء .

إطلالات زرقاء

وتستدق حديقة شاطئ الجميرا على مياه الخليج بإطلالة زرقاء نافذة إلى قلوب عشاق البحر جاذبة المئات من عشاق البحر لاسيما في العطلات الأسبوعية، وتصبح حالة من حالات الاسترخاء الذهني والعصبي نظراً لمساحتها المفتوحة وتعاشقها مع البحر الممتد إلى آفاقه البعيدة.

وكي تكون هذه الحديقة غير نافرة عن حياة الصحراء نرى الكثير من النباتات الصحراوية فيها وتشكيلات صخرية هي ما يميزها عن غيرها من الحدائق ذات التوصيف المائي وتعد حديقة مشرف مثالاً بارزاً على استثمار الطبيعة البكر، إذ كانت مشرف منطقة طبيعية من الأشجار الجميلة التي يبلغ عمر بعضها أكثر من 50 عاماً وارتفاعها 15 متراً، وهي مكان مفضل لعشاق الطبيعة في المدينة. وقد أصبحت منطقة مشرف أكثر شعبية بعد تحويلها إلى حديقة عام 1974.

هذه الحديقة التي كانت مساحتها الأصلية 125 هكتاراً مرت بعدة مشاريع توسيع وتطوير، وأضيف لها 400 هكتار، فأصبحت أكبر حدائق دبي حالياً، وتمتد على مساحة 000. 250. 5 أمتار مربعة منها 500. 42 متراً مربعاً من المروج الخضراء.

تحتوي الحديقة على أكثر من 000. 30 شجرة وشجيرة، تشمل أشجار النخيل التي كانت موجودة في المنطقة قبل إنشاء الحديقة. أما حديقة زعبيل العامة فهي واحدة من أكبر المرافق من نوعها في المنطقة. تبلغ مساحتها 46 هكتاراً وصممت بحيث تمثل التقنية الحديثة بعروضها التفاعلية ذات التقنية المحكمة في مناطق الطاقة البديلة والاتصالات والتقنيات المختلفة، لتوفر لزائريها أحدث طبق من التكنولوجيا المعاصرة .

حديقة الخور

ثاني أكبر حدائق دبي هي حديقة الخور، التي افتتحت عام 1994 وكلف إنشاؤها نحو 106 ملايين درهم. توفر الحديقة مناظر رائعة لخور دبي، ويمكن الوصول إليها بالقارب. وهي مجهزة بثلاثة مهابط للطائرات المروحية، ملعب جولف صغير بـ 18 حفرة، مدرج مسرحي يتسع ل1200 شخص.

وهذه الحديقة تشكل أهمية كبرى بالنسبة لمحبي النباتات والحدائق، حيث تحتوي على 280 نوعاً من النباتات التي زرعت في الإمارات العربية المتحدة لأول مرة. كما يستطيع الزوار مشاهدة طريقة الري بالأفلاج، والتي كانت مستخدمة في الدولة على نطاق واسع في الماضي. أقيمت على مساحة تزيد عن 96 هكتارا، فهي تأتي بعد حديقة مشرف من حيث المساحة، إلا إنها تعد الأحدث تجهيزا والأكثر تميزا بموقعها الاستراتيجي القريب من وسط المدينة.

حقائق بأرقام

مساحة حديقة زعبيل تعادل مساحة 45 ملعب كرة قدم وزرعت فيها حوالي 3000 نخلة من 13 فصيلة مختلفة وحوالي 7000 شجرة أخرى من 14 نوعاً مختلفاً. كما تعد حديقة الممزر ثاني أكبر حديقة في المدينة، وتمتد على مساحة 99 هكتاراً، وقد كلف إنشاؤها 100 مليون درهم. ويزور الحدائق الرئيسية في دبي حوالي 3 ملايين شخص سنوياً. كما يزور الحدائق السكنية المنتشرة في جميع مناطق المدينة نحو مليوني شخص سنوياً.

الحديقة

الحديقة مساحة تقديرية من مساحات الرؤية المباشرة لوجه المدينة النامية على ملايين الأطنان من الكونكريت المسلح . وهي معادلة موضوعية لمقابلة المعدن بالزرع . الجماد بالحياة . الزجاج بالأغصان . الألوان المختلفة التي تسِمُ الأبراج بلون الحياة الأخضر الذي تنشره الحديقة في كل مكان . الإثمار والحركة المستمرة في مواجهة سكون الحجر.

عناصر الحديقة

للحديقة اربعة عناصر لابد منها لتكتمل صورتها الأساسية بقياسات الطبيعة من وجهة نظرنا ونحن نحاول قراءة هذا التشكيل الجمالي بمنظومته الواضحة وهي: الفضاء والماء والمساحة الحرة والشمس . وهذه عناصر فنية غير قابلة للتجاوز؛ فهي تشكّل لوحة الحديقة بمجملها، فالفضاء المفتوح حرية مفتوحة، والماء عنصر الديمومة والحياة، والمساحة الحرة انفتاح نفسي وجمالي والشمس مصدر الضوء والظل معاً!

وارد بدر السالم