لا شك بأن النساء هن اللواتي يحددن أشكال ووجهات الاستهلاك في سائر أرجاء المعمورة، أو هذا ما يؤكده، على الأقل، دارسو السوق، فهن اللواتي يرسمن المسار في مشهد يعكس طيفا واسعا ومتنوعا من المنتجات على غرار الصناعات الثقافية أو وجبات الأكل السريعة أو التكنولوجيا عموما في الولايات المتحدة أو أوروبا أو في البلدان العربية.

ان القوة الشرائية التي يتمتع بها الجنس اللطيف تمكنت من فرض نفسها في أروقة اقتصاديات السوق حول العالم، وأن «وجهة النمو الاقتصادي تتحكم بها النساء»، حسب مجلة «إيكونوميست»، ولقد راح هذا الاتجاه يلاحظ في نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الواحد والعشرين وذلك عندما قررت بعض كبريات الشركات العالمية تعديل إستراتيجيتها الخاصة بالمبيعات مستجيبة لأذواق وأولويات الجنس اللطيف وتؤكد الصحافية فيرا ويرنر، مؤلفة كتاب «سلطة المحفظة» أن «النساء في الولايات المتحدة ينفقن في ميدان الاستهلاك ما يفوق حجم الاقتصاد الياباني برمته ويؤثرن في 90% من حجم المبيعات».

في هذا الكتاب، تقوم ويرنر بتحليل الانعطافة التي قامت بها شركات كبرى متنوعة الإنتاج، مثل «نايك» و«ماكدونالدز» و«كوداك» و«هوم ديبوت» ـ المتخصصة في بيع الأدوات والمعدات المنزلية ـ من بين شركات أخرى، بتصويب منتجاتها وحملاتها التسويقية باتجاه النساء. ولقد جاءت النتيجة مشجعة في جميع الحالات على صعيد السوق والمبيعات وكانت شركة «نايكي» المتخصصة في إنتاج وبيع اللوازم الرياضية قد وجهت حملاتها التسويقية لسنوات طويلة نحو الرجال مستخدمة صور رياضيين مثل مايكل جوردان وتايغر وودز، بيد أن هذه الشركة عانت في عام 1999 وبعد أن وصلت القمة من انخفاض في حجم مبيعاتها واضطرت،على ضوء ذلك، إلى استبدال استراتيجياتها بغية كسب قلوب النساء وغزو سوقهن.

وتوضح ويرنر أنه «بعد ثلاثين عاما من صناعة الثياب والأحذية الخاصة بالنساء تبعا لمقاييس تخص الرجال، حصلت النساء على أحذيتهن الرياضية الخاصة المصنوعة اعتمادا على قوالب مصممة خصيصا لأقدام النساء الرقيقة الحقيقية» يذكر أن عام 2002 شهد تحولا جوهريا على هذا الصعيد، إذ لم تعد غالبية الناس الذين يرتادون الصالات الرياضية من الرجال وإنما من النساء والرياضات التي تقبل عليها بوتيرة أكبر هي اليوغا والرقص وتمارين الرشاقة من بين رياضات أخرى تمارس بصورة يومية بهدف الحفاظ على حياة صحية.

وقامت شركة «نايكي» بتعديل ملابسها الرياضية وأنتجت منتجات جديدة على علاقة بهذه الرياضات، كما أنشأت محلات لها تقع في مناطق سكنية اتسمت منتجاتها دوما بكونها «نظيفة»، «وعلى الموضة» و«مريحة»، على حد قول ويرنر، التي تبين أيضاً أن «المبيعات بلغت 15 مليار دولار والأرباح الفعلية تخطت نسبة 18%».

خلال الفترة عينها تقريبا، تعرضت أشهر سلسلة مطاعم الوجبات السريعة في العالم لتغييرات كبرى مماثلة. فمنذ أن تحولت البدانة إلى مصدر قلق كبير بالنسبة للأميركيين ـ 30% من السكان يعانون من هذا المرض ـ تقلصت مبيعات شركة «ماكدونالدز» إلى حد كبير.

المدراء التنفيذيون للشركة، الذين كانوا مشغولين في قلب الصورة السيئة التي ربطت الوجبات السريعة بالبدانة، اكتشفوا أن المشكلة التجارية العميقة تكمن في أنهم كانوا قد نسوا مسألة التفكير في الجنس اللطيف، ليس لأن النساء يركزن على إيلاء الاهتمام الخاص بصحة أسرهن ـ الأمر الذي لا يحمل جديدا ـ فحسب، وإنما لأنهن أصبحن في يومنا هذا «المديرات الحقيقيات للشركات».

بحسب ما يؤكده ألبرتو بيرباولو، رئيس مجموعة «جندر غروب» الاستشارية المتخصصة في الفروقات بين الجنسين، فإن النساء في الوقت الحالي يقررن كل ما يتعلق بالإنفاق والادخار في كنف الأسرة وجميعهن يتوافقن إلى حد كبير في مسألة شراء السلع والخدمات التي كانت في السابق حكرا على الرجال مثل السيارات وبوليصات التأمين والعدد والمعدات والتكنولوجيا.

منذ أن تأسست الشركة عام 1955، قضت التحولات الثقافية المرتبطة بتبدل دور النساء على الشكل الأصلي الذي نشأت على أساسه. إذ تشير الأرقام إلى أن أكثر من 60% من النساء الراشدات في الولايات المتحدة يعملن خارج منازلهن مقابل 30% فقط كن يخرجن إلى العمل خلال سنوات الخمسينات من القرن الماضي. استجابة للنساء وميولهن.

قام المديرون التنفيذيون في «ماكدونالدز»، بمعالجة أنواع من السلطة آخذين بعين الاعتبار الكثير من التفاصيل الدقيقة مثل استخدام قطع من الجبنة الزرقاء أو التتبيلات الخاصة، وابتكروا نوعا من السلطة التي تحتوي على قطع من التفاح التي تضاف إلى «الكرملة» (السكر المحروق) كبديل عن البطاطا المقلية، في حين امتلأت صالات اللعب الخاصة بالأولاد بأجهزة الكومبيوتر بعد أن أصبح 60% من المستخدمين الأميركيين للانترنت من الجنس اللطيف.

وتؤكد ويرنر أنه «في عام 2005، أصبحت الشركة تبيع كمية من التفاح والسلطة أكبر من أي مطعم مماثل آخر والمفارقة هنا تكمن في أن نسبة الرجال ممن يبتاعون السلطة تبلغ40% ». إحدى هذه الشركات العملاقة الأخرى التي تلقت صدمة استهلاك النساء كغيرها هي شركة «كوداك» التي اكتشف مديروها التنفيذيون بدهشة كبيرة أن الزبائن الرئيسيين لآلات التصوير الرقمية هم من النساء وليسوا من الرجال. مع أن هؤلاء الرجال ظلوا طوال عقود من الزمن يشكلون المستهلكين الرئيسيين في عالم الصور والتصوير.

وتعتبر الكاميرات الرقمية جزءا من التوجه الشاسع نحو التقنيات الجديدة. لكن في حين تستخدم منتجات ال«إم بي 3» والهواتف النقالة التي تحتوي على كاميرات بالوتيرة عينها بين الشباب، سواء كانوا من النساء أم من الرجال، فإن النساء، من الجانب الآخر من الصورة، يتمتعن بفرصة تحديد شكل التصميم والطبيعة العملية لاستخدام الأجهزة وخدمة جيدة للاعتناء بالزبون، الأمر الذي بات يشكل بدوره توجها قويا على الصعيد العالمي.

العالم العربي عموما وبلدان الخليج العربي على وجه الخصوص ليست بمنأى عن هذه الظاهرة العالمية التي ترجح فيها كفة استهلاك المرأة على كفة استهلاك الرجل ولا سيما في ميادين مثل مواد التجميل والعطور، التي يسيل لها لعاب الشركات العالمية التي تعزف بدورها على وتر تنامي هذه الظاهرة في المنطقة وتشن حملات دعائية ضخمة للترويج لمنتجاتها، إذ تشير الإحصائيات إلى أن حجم الإنفاق في سوق العطور وأدوات التجميل في منطقة الخليج بلغ في عام 2004 نحو 4 مليارات ريال.

كما أن قطاع التجميل بمنطقة الشرق الأوسط لعام 2006 حقق مبيعات تجاوزت ملياري دولار بزيادة معدلها 12% عن العام الذي سبقه، من بينها 414 مليون دولار نصيب دولة الإمارات العربية المتحدة وحدها، حسب بيانات معرض عالم التجميل في الشرق الأوسط الذي يستضيفه مركز دبي التجاري.

وأشارت هيثر نيكس، مديرة مجموعة معارض«ميسي فرانكفورت» وهي الجهة المنظمة للمعرض أن المنطقة تعتبر الأعلى في معدلات استهلاك مستحضرات التجميل والعطور على مستوى العالم، حيث يبلغ متوسط قيمة مشتريات الفرد الواحد نحو 334 دولارا سنويا.

وتبين دراسة أعدتها شركة «أي سي نلسون» اعتمدت تجربتي المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات كنموذجين لإيضاح صورة الاستهلاك في قطاع أدوات التجميل والعطور أن هذين السوقين شكلا عام 2006 المستهلك الرئيسي لهذا النوع من المنتجات في بلدان مجلس التعاون الخليجي، حيث تبلغ حصة السعودية 44% والإمارات 18%.

تجارب «المول» ألغت الفوارق

كانت الأسواق التقليدية تقوم على قدر كبير من التشابه، فهناك أسواق «الحريم» مقابل أسواق الرجال، وهناك أسواق بيع الأقمشة مقابل أسواق بيع الملابس الجاهزة، وهناك أسواق خياطي ملابس النساء مقابل أسواق خياطي ملابس الرجال، وهناك أسواق بيع الأواني مقابل أسواق بيع الأطعمة والبقوليات والتوابل الأخرى والحلويات، وأسواق لبيع العباءات الرجالية وأخرى متخصصة ببيع العباءات النسائية.

لكن بينما عكس هذا النوع من الأسواق قدرا كبيرا من التماثل والتعاضد، جاءت المراكز التجارية (المول) التي تحتضن تحت سقف واحد شتى أنواع البضائع والسلع والخدمات والترفيه والتسبية، لتعكس حالة التنوع القائمة في كنف المجتمع وخصائص الحياة المعاصرة.

المرأة وثقافة الاستهلاك

في دراسة مستفيضة حول المرأة وثقافة الاستهلاك يرى الأكاديمي البحريني د. باقر النجار أن ثقافة الاستهلاك تقسم عند البعض ليس على أساس التقسيم الاقتصادي للعمل وإنما على أساس جنساني بين نوع اجتماعي يمثل القيادة والريادة وأعلى مستوى من الإنتاجية.

ويستأثر به الرجل المنتج والمستهلك لهذه الثقافة في آن معا وبين نوع اجتماعي آخر يخص المرأة التي تمثل جانب الخضوع والتبعية والاستهلاك لهذه الثقافة. لكن هذا التقسيم يتعارض مع الفهم السائد في أدبيات التنمية التي ترى في الاستهلاك عملية ذات فضاء اجتماعي رحب يشمل كلا من المرأة والرجل على حد سواء.

باسل أبو حمدة