تراوحت الإفادة من نظم الإعلام الغربي بشقيه الإيديولوجي والحر، في الإعلام العربي المستقل، مابين أخذ ورد على آلية انتقائية تنفع فكرة هنا وتحجب فكرة هناك. ورث الإعلام العربي أساسيات حجب استمدها من الدولة الوطنية أول خمسينات القرن الماضي، وكذلك من الثنائية التي حكمت المنطقة في العصر الاستعماري، بحيث إن المثقف الجديد، علمانيا كان أو دينيا، كان عرضة للاصطدام مع النماذج الحضارية ذاتها التي تطالب بها الثقافة الغربية!

عهد فاضل : حوكم المثقف النهضوي، وما بعده، في الوقت الذي كان يمارس حقوقا منحتها الجهة المحاكِمة والتي كانت على الأغلب في العصر الاستعماري أو تطبيقاته غير المباشرة مابين الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي. فكان المثقف اللبناني، مثلاً، يهرب من لبنان إلى مصر تخلصا من اضطهاد ما قد يمارس عليه من قبل «الكولونيالي المتنور» وكذلك كان النهضوي المصري يهرب إما إلى الشام أو العراق أو أي بلد آخر والمفارقة أنه كان متأثراً، بالكامل، بنماذج المثقف الكولونيالي، إلا أنه لم يكن مستعداً للاصطدام مع هذه الثنائية، الأخيرة التي تسللت إلى المثقف الوطني الجمهوري، الذي بات يطرح التغيير والحرية والحداثة، في الوقت الذي يقوم هو بمحاكمة خصومه واستئصالهم وممارسة نزعة التقييم والتصنيف عليهم.

كل هذا كان جزءاً لاشعورياً من مؤسسة الرقابة الجمهورية التي تركت أثراً بالمقابل، وما زالت، حتى على نخب الإعلام المستقل فبتنا نراهم يصنِّفون ويقيِّمون ويعملون في آلية من ميل إلى الحكم والاختزال والقدرة غير المنضبطة على تقييم الآخر، فكما امتلأ الإعلام الجمهوري بمواصفات «الخائن والعميل والبرجوازي الصغير والرجعي» كذلك يمتلئ الإعلام المستقل الآن بتصنيفات موازية كالإرهابي والبعثي والعفلقي والصدامي والديكتاتوري لا تكاد ظاهرةٌ تاريخية ترتبط بالحداثة، بقدر ارتباط الإعلام بها. فالإعلام الذي كان شكله الصناعي الأول ورقيا، وما عُرف بالصحافة، رافق ثورة العصر الصناعي، في أوروبا، حدا بحد. ومن جهة حرب الأفكار والتغير الإيديولوجي كانت الصحافة هي الميدان الأسرع لعرض العضلات ولتسديد الضربات للخصوم الإيديولوجيين الكبار سواء في ألمانيا القديمة أو روسيا أو أوروبا بعامة.

كان الإعلام، في شكل صحافة، انعكاساً لكل التحولات التي شهدها الغرب. ومن ناحية العالم العربي فقد كانت بداية القرن التاسع عشر هي نقطة الارتباط في المحتوى الجماهيري للإعلام والصحافة. إلا أن الصحافة العربية، ومنذ ولادتها سواء في مصر أو بيروت ودمشق أو العراق، فقد اصطدمت بعائقين أساسيين، محلي وخارجي الأول تمثل بما عكسته الصحافة من دعوات للتغيير وما أدى إلى اصطدام مع بنى اجتماعية قائمة في مجتمع إقطاعي مازال بين العثمانية والرصد الأوروبي. والثاني، الخارجي، تمثل بموقف الدول الاستعمارية، وقتذاك، حيث رأت في صحف مصر والشام مكاناً للتثوير ضدها. فشكل هذا العامل بنية الثقافة الإعلامية في الصحافة العربية.

وتشكلت «مؤسسة الرقابة» العربية منذ كانت الصحافة مكاناً لتجاذب حداثة كولونيالية شابة وقديمة، وإمبراطورية دينية هي في طريقها للتفكك. ومنذ ذلك الوقت ورث الإعلام العربي شيئا من الانتقائية التي ورثها من العصر الكولونيالي، عندما كانت أوروبا تثقّف «المتنوّر» المسيحي، أو المسلم، ثم كانت تحاكمه بتهمة الخيانة إن نادي باستقلال بلاده(!) كان «أبطال» عصر النهضة عرضة، كالصحافة، لهذه الانتقائية.

ولنلاحظ كمثال ما جرى مع قناة «الجزيرة» وقناة «العربية» حيث تتم آلية التعامل معهما من خلال الانتقائية ذاتها، فتتهم الواحدة منهما، مثلاً، بالترويج للسلفية ـ وهي تهمة توجه للعربية والجزيرة ـ إذا بثت شريطاً لأصولي أو سلفي. في الوقت الذي لا يمكن فيه لهاتين القناتين، مثلا، أن تتجاهلا ما تدربتا عليه، غربيا، في التعامل الموضوعي مع الخبر. هنا سنلاحظ بقاء نظام الانتقاء من حقبة العراك العثماني ـ الكولونيالي.

المولود: رقابة

تشكلت مؤسسة الرقابة العربية على هذا النظام الخليط من الكولونيالية والدينية والحداثة. وتشكلت المستويات الثلاثة للتقييم والمنع سواء في الصحافة أو الطباعة بعامة. إلا أننا نحدد هنا الشأن الصحافي، وهذه المحددات كالتالي:

أولا، الشأن الديني. حيث أثر هذا الجانب خصوصا باستخدامه المفرط غير الوسطي، حيث عملت الصحافة كضيف منزلي لا يمكن أن يحمل معه أي تشويش للعائلة. وهذا أدى إلى رد فعل جذري من قبل الصحافة العلمانية أو الماركسية تحديدا، حيث واظبت على نشر الصور العارية للنساء والقصائد التي تنطوي على تعريض بالقيم الدينية. هنا تعززت قبضة الرقابة أكثر.

الهوية. دأب الإعلام الرسمي، منذ ولادة الدولة الوطنية في بلاد الشام، على اعتبار الإعلام مظهراً من مظاهر الذات المانحة للهوية، وهو في هذه الحالة لا ينبغي أن يشي بما لا يقع في ملْكية الأنا وحضورها. نلاحظ، مثلا، منذ نهاية الستينيات أنه حتى على مستوى الأغنية والطرب الشعبي كان يُطْلَب من كتّاب الأغاني والملحنين التركيز على نموذج «البنت السمراء» و«الرجل الأسمر».

إشارة إلى نموذج سُلالي للعروبة، وقد برزت في هذه المرحلة، وهذه النقطة، المطربة سميرة توفيق وأغانيها عن «الشاب الأسمر» والبادية. أما من جهة المؤسسة الإعلامية فكانت الحامية والمولدة لهذا النموذج، كما كانت مؤسسة اتحاد الكتاب العرب تعج بشعراء يبكون دائما على «مصير العروبة» ويبشرون بالويل والثبور وعظائم الأمور لمن يوحي بسقوط النموذج.

الحداثة: فهمت الحداثة في أنها إعادة اكتشاف للأصل. لقد مارست القومانية العربية استلاباً نحو الماضي وصارت مهمة المثقف «المتنور» تقشير حياته الحاضرة وتخليصها من ملوثات الآخر. جاء الإعلام حركة نحو الماضي فتقوت الاستدارة إليه وصار النموذج الإبداعي والأخلاقي مستمدا من «الهوية النقية» التي غسلها القومانيون بكل ما علق بها من أشكال الحياة الجديدة.

هنا أصبحت الحياة الجديدة مكاناً للريبة والخفة، فحورب، مثلاً، الفيلم الأميركي، والحياة الأميركية، وكثير من قيم الغرب تعرضت للاستئصال، ولم يتسرب من الغرب إلا ما تشابه مع «المحافظين الجدد» للهوية فتلقف الإعلام الرسمي دعاية السوفييت فكان المواطنون يبكون على «إبادة» الهنود الحمر في أميركا قبل أن يدركوا أنهم سيبيتون بلا عشاء هذه الليلة أو الليلة التي ستليها.

أو رواج المؤلفات ذات الطابع الهجومي على الحضارة الأميركية كمؤلفات إدواردو غاليانو في كتبه «الشرايين المفتوحة لأميركا اللاتينية» أو كتابه الشهير «ذاكرة النار». هذا فضلا عن مئات الكتب التي تعنى بنشر الفكر البلشفي. فهم الحداثة على أنها استدارة لاكتشاف الأصل، جعل من أي فكرة جديدة محل ارتياب، على الأقل كونها لا تمارس الاستدارة ذاتها.

الحداثة والهوية والسلفية، بشقيها القومي والديني، أسست لمؤسسة الرقابة في الإعلام العربي. الآن تغيرت الحالة. ساهمت عوامل كثيرة في هذا التغير، منها وأولها سقوط الاتحاد السوفييتي، ومنها وقوع الفكر السلفي في مواجهة مع محتواه الاجتماعي وبالتالي الدولة. هذا دفع بكثير من النخب إلى العودة إلى المربع الأول، فنشأت حالة سريعة تسمى الآن:الليبرالية.

الإعلام الليبرالي

في كمية من الخلط وعدم وضوح للمصطلح، تسمت مجموعة من النخب باسم الليبرالية، ومع أن المصطلح أساساً ذو مغزى اقتصادي، إلا أنه استمد من تعريفه معنى التفكير المستقل والخارج من الأنساق السائدة. عبرت الليبرالية عن نفسها في الإعلام العربي المستقل عن الحكومات حتى هذه اللحظة.

ما يشير إلى أنه ورغم تشوه التسمية مازالت الليبرالية الإعلامية غير معبر عنها في إطار الدولة، على العكس من علمانيي الخمسينات ومؤسساتهم، حيث كانت حداثتهم محروسة بالدولة وتنطق باسمهم. الآن الليبراليون موزعون في شكل عشوائي إما في إعلام ورقي أو تلفزيوني.

عادة هؤلاء «المستقلون» ينتقدون العروبة والماركسية والفكر الشمولي والقومية. إلا أن هذا الجهد الذي ينطبق عليه المثل المصري: «الضرب بالميت حرام» لم يؤت أكله حتى في أضيق المساحات. فأغلب الليبراليين الآن يكررون الخطأ البلشفي في نسف النسق الثقافي لمجتمعاتهم تحت يافطة التغيير والحداثة.

لقد كانت المدافع تُصوَّب إلى كناس بطرسبورغ في روسيا القيصرية بحجة الطلاق مع الماضي وفشل الفكر الديني في فهم العالم وتغييره. حتى ان أحد السفراء الأوروبيين كتب لدولته التي سبق وسألته عما يجري في روسيا القيصرية فقال: «لا أعرف.

هناك عنف كثير ولا أرى إلا المدافع تقصف الكنائس»! طبعا، الليبراليون، الآن، ليسوا أبناء ثورة تحتاج إلى تنظير من «إنجلز» ليبرالي معين يُحلل دم المختلف والعنفَ الثوري. إلا أن غلبة التعميم في تفكيرهم ونزعة الاستئصال والتقييم التي تسم انتاجاتهم تدفع إلى الحذر والانتباه من ثقافة ذات أساس ذاتي بهذا القدر من النخبوية.

ولم تظهر الليبرالية، في الإعلام العربي الجديد، إلا كما كان حداثيو اليسار الاشتراكيون، فقد دأب هؤلاء على تقطيع الجسد الأميركي في كل شيء، في الأدب وفي التاريخ وفي الفلسفة وفي السياسة طبعاً. الآن الليبراليون لا يختلفون عن هذه البروباغاندا فيهاجمون الماركسية والناصرية والعروبة بالقدر ذاته من الاندفاع. حتى ان مؤسسة الإعلام العربي صارت أسيرة لحداثتين اندفاعيتين، أولى حمراء بلشفية أقصت الميتافيزيقيا من الاجتماع، وثانية سعيدة بسقوط خصمها فجعلت الجثث أعداء وهميين غير قادرين على رد اللكمة بأخرى.

اليساري والليبرالي

واقع الأمر، في مؤسسة الرقابة الرسمية، وواقعه في مؤسسة الرقابة الليبرالية، لم يختلفا من حيث الجوهر، فقد بدت نقاط التشابه أكبر بكثير مما يمنع التغاضي عن هذه النسخة غير المتوقعة لليبرالية إعلامية وارثةً خصمها «العصابي» بتعريف جورج طرابيش في كتابه «المثقفون العرب. التحليل النفسي لعصاب جماعي». وأبرز نقاط تشابه الرقابتين الليبرالية ـ والوطنية في ما يلي:

- الرقابة. وهي نقطة تشابه منهجية. أي الاثنتان يتكامل عملهما عبر المنع والسماح، القبول والرفض.

-الإيديولوجيا. في الرقابة الرسمية، الوطنية، تقوم الرقابة على مبدأ النقاء السياسي للهوية، ومن هنا فهي تمنع وتقص وتحجب ما يؤثر سلبا على هذا النقاء. الإعلام الليبرالي ينطلق، في الأساس، من نقاءٍ ما، إنما غير سياسي، هو النقاء الشمولي، بحيث إن أي فكرة أو منهج لا يتسم الواحدة منهما بالشمول فهي مقبولة مبدئيا، ومرفوضة مبدئيا.

من هنا نرى كيف أن كثيرا من رجال الأفكار، دينيين وعلمانيين، على حد سواء، يتعرضون لشيء من الاضطهاد الليبرالي على اعتبار انطلاق الواحد منهما من مبدأ شمولي. والمأسوي في الأمر، في التلفزيونات العربية، غير الرسمية، أنك تجد مقدم البرنامج أو المذيع، يتعامل بخفة منقطعة النظير مع أصحاب الأفكار، سواء كانوا سلفيين أو علمانيين، في الوقت الذي هو لم يجد وقتاً لا لقراءة سيد قطب مثلاً أو فريدريك أنجلز أو ماركس أو ميشيل عفلق.

وهي ملاحظة واضحة في الإعلام غير الرسمي حيث إن أغلب الكوادر «المنفتحة والليبرالية» لا تعرف شيئا عن تاريخ الإسلام السياسي إلا ما تتناقله وسائل الإعلام. تماماً كما حدث مع الإعلام الإيديولوجي، أيام الحقبة الماركسية، حيث لم تكن النخب الحمراء، آنذاك، على دراية بمجتمعها الديني الواسع.والحق يقال ان الفضائيات العربية المستقلة، كالإم.بي.سي، والجزيرة، والعربية، لها الفضل بالكشف عن هذا الجانب الذي أخفته الحقبة العلمانية.

- الفرز والتصنيف. مثلما بدت ظاهرة الفرز والتصنيف بادية في مؤسسة الإعلام الوطنية، ذات الطابع العلماني أو الجمهوري، بوجه خاص، بوضع الناس وتصنيفهم في خانة الوطني أو غير الوطني، العميل والمناضل، البرجوازي الصغير والبروليتاري، إلى آخر التصنيفات التي كان يتداولها إعلاميو ومثقفو الإعلام الجمهوري الوطني، نجد الآن الشيء ذاته في الإعلام المستقل.

حيث تتكرر التصنيفات التالية: إرهابي، سلفي، شمولي، عفلقي، بعثي، صدامي، وسواها من تصنيفات، بغض النظر عن دقتها من عدمه فإنها خلقت أساسا تقييميا للآخر. نزعة التقييم والتصنيف تؤدي إلى الاختزال والابتسار فضلا عن أنها لا تتوافق مع منطق التحليل والحياد والموضوعية.

- لاستقطاب. عمل الإعلام الوطني، الجمهوري، على الاستقطاب أحادي الجانب، عبر آلية الإظهار والإخفاء، فيظهر ويعترف بمن هو جزء من منظومته، ويخفي من هو عكس ذلك. وقع الإعلام المستقل بالاستقطاب ذاته، فنرى لكل فضائية مجموعة من المحللين المقربين المعترف بهم، ومن النادر أن تجد الشخص ذاته في فضائيتين متنافستين، إلا إن كان الموضوع ليس من جوهر استراتيجية القناة.

والاستقطاب يلغي مبدأ الكفاءة والوضوح، ففي حرب العراق الأخيرة خرج محللون على الشاشات يديرون المعركة على المونيتور ويحددون عدد قتلى الأميركان، في مقابل أن الجيش العراقي لن يخسر إلا مقلاة البيض التي نسيها الجنود قبل أن يحتفلوا بالفوز.وكانت الحقيقة كما يعرف الجميع: سقطت بغداد بأسرع من رفة جفن المحلل المستَقْطَب.

- التوظيف السياسي. نذكر في هذا المجال مصطلحاً اشتقه الإعلامي السعودي عبد العزيز الخضر حيث كتب في إحدى مقالاته: «دبلوماسية الفضائيات» وكان لهذا المصطلح الجميل والدقيق أن يفسر كيف أن الإعلام غير الرسمي كان صورة من الإعلام الرسمي من خلال تبنيه لقضايا الدولة الداعمة ولا حاجة لذكر الأمثلة التي يعرفها الجميع وهي تنطبق على كل الفضائيات العربية المستقلة.

في قراءتنا لشبكة الاتصالات بين الرسمي والمستقل في الإعلام العربي الجديد، قد يبدو أن قاعدة التشاؤم النظري هي التي تحكم دراسة كهذه، ونفياً لهذه الصورة غير المتعمدة تنبغي الإشارة إلى ما يمكن تسميته جماليات الفضاء الخاص وهي تبرز في شكل أساس عبر تحطيم دائرة الاحتكار الرسمي والأجنبي للخبر وغيرت من قدرته على التأثير وقلبت المعايير في هذا الشأن.

كذلك أفادنا الإعلام المستقل المصاحب لثورة الاتصالات في دفع الجماعات والأفراد إلى تشكيل قناعات ثقافية وتكوين أحكام خاصة بمعزل عن تأثير أداة النقل وما صاحب ذلك من وفرة هائلة في المعلومات، والأهم من كل هذا أن احتكار الإعلام الرسمي للرواية انتهى إلى الأبد وصار الناس يشكلون الانطباع السياسي والمعرفة السياسية بمعزل عن الإعلام الرسمي. وهي نقاط ينبغي عدم إغفالها في صالح الإعلام الخاص المستقل الذي كان جزءا من ثورة الاتصالات في العالم.

البحث عن الحداثة

القول بأزمة الحداثة في الإعلام، وإنتاجها ظاهرة الرقابة، على آلية الحداثة ذاتها، لا ترغم على قناعة تفضي إلى انطواء وانكماش إزاء التعاطي مع هذه الظاهرة. بل على العكس، فقد نتمكن في المستقبل القريب من فهم «ثوري» للرقابة إذا اشتملت على جذر تربوي صرف. فالرقابة، وفي أهم معانيها، هي إدارة تربوية، لا أكثر. والجانب السلبي لهذه الإدارة هي اشتمالها على «البالغين».

في الوقت الذي أثبتت فيه كل الدراسات أن الحجب والمنع وإدارة المعلومات التربوية لا تحقق غرضاً مع فئة وصلت حد البلوغ وما بعده، ذلك أن القناعات الشابة غالبا ما تكون متعصبة وقوية واندفاعية، بينما وقت النشوء وتكوين وعي الأنا تصبح الإدارة الرقابية ذات مفعول كبير.

وهذا ما اتجهت إليه النظم التربوية الجديدة في الولايات المتحدة الأميركية حيث أعطت الشأن التربوي كل مساحة الإدارة الرقابية، لا بل إن بعض المدارس في بعض الولايات قررت، مثلاً، منع تدريس نظرية النشوء والارتقاء لدارون على اعتبارات علمية محددة مترافقة مع تغير إيديولوجي جذري في فلسفة الكينونة، عامة، في المجتمع الإنساني. هنا، تكون الرقابة توجيها وفرضا معرفيا.

الأمر ذاته في قرون التنوير الأوروبية، فقد كان تدريس الفلك وارثا لموقف الكنيسة الرافض لفكرة دوران الأرض وثبات الشمس. وهو ما نقله بتفاصيل مدهشة الفيلسوف الانكليزي الشهير برتراند راسل في كتابة «الصراع بين الدين والعلم» حيث أرغمت الكنيسة كل المتعلمين الجدد على النظر إلى أن لا مجال لرؤية مشترك بين العلم والميتافيزيقيا، وهو خطأ تُسأل عنه الكنيسة القروسطية التي أفرطت في إدارتها الرقابية مما حتم طلاقا، مؤقتاً، بين «الكتاب المقدس» والأكاديمية.

حجب الدولتين عن الصورة

شكل من أشكال الإدارة الرقابية نجدها في الجمهوريات العربية الجديدة، فقد عمل أغلبها على فرض منهج في التدريس يداخل المعرفة بالحكم، أو النظرية والنقد، بحيث لا يمكن أن تدرس الماركسية مثلاً، كما كان في العراق وسوريا، إلا بصفتها تطرفاً ماديا أعمى، في الوقت الذي كان على المتعلم أن يهتدي بطريقته لهذا الرأي، لا أن يدرس ماركس وهو يدرس في الوقت عينه كيف سيقوض فكرته، مسبقا، وبرأي تشكل في مكان آخر.

الأمر ذاته في الكتب المدرسية التي كانت «تذيع» نظريات الفكر القومي العربي، حيث كانت تلقنها للطلاب والجامعيين كثقافة مطلقة غير قابلة للتفكيك، وكانت نظرية «الوحدة العربية» مثلاً غير قابلة للنقاش على اعتبارها نظرية مطلقة وصائبة. مع أن هذه النظرية كانت محط نقد من قبل القوميين العرب أنفسهم، ومن قبل الماركسيين، ومن قبل القوميين الاجتماعيين، ومن قبل الإسلاميين، فكيف لنظرية لها هؤلاء النقاد الخصوم أن تكون «مطلقة» كما أذاعها أصحابها؟!

ولملاحظة العيب في الإدارة الرقابية، وكذلك الانتقائية، نجد كيف أن هذه المؤسسة القومانية كانت تسمح بأي فكرة، على سبيل المثال، تقوض نظريات مضادة، كنظرية الدولة الإسلامية أو الخلافة. كان كل العطاء الإعلامي منصبا سامحاً لتقويض هذه النظرة في شكل من أشكال الحكم السياسي في الدولة العربية.

مع أن صراع مفهومي الدولة، بين محتواه الإسلامي الخِلافي (الخلافة) ومحتواه العلماني الجمهوري، هو أكثر مستوى فكري قابل للنقاش في الدولة العربية الجديدة، كما أن لهذا الخلاف أن يفجر طاقات المختلفين على نحو يجعل من معنى الدولة شأناً ثقافيا أكثر من سياسيا.

بين رقابتين

ثمة حركة التفاف تقوم بها مؤسستا الإعلام الرقابي، الوطني والمستقل، وإحداهما على الأخرى، الأولى لفرض نموذج الإدارة المفرطة للرقابة بما يشمل التربية والثقافة والإيديولوجيا، والثانية لامتلاك مساحة أكبر تمكنها من تفعيل آليات التوظيف الاقتصادي وعائداته الكبيرة وتفعيل «الدبلوماسية الفضائية» التي تمكنها من زيادة رقعة المتابعة وعدد المشاهدين.

الأولى تعاني الآن من عدو يتمثل بتدفق المعلومات من كل مكان، إلا منها هي، والثانية تعاني اليوم من غياب الملامح والتوظيف وعدم المقدرة على صوغ خطاب منطقي متلائم. ويرى البعض أن ما نشهده الآن هو مرحلة انتقال من احتكار الدولة الوطنية للمعلومات إلى احتكار الإعلام المستقل لها، وبين هذه الاحتكارين ستختفي نماذج وتولد أخرى.

باتجاه تكوين أرضية معرفية تخفف من التوظيف السياسي للإعلام المستقل، وباتجاه إعادة صوغ مؤسسة الرقابة بما يحولها من نظام حجب إلى جدل، وبهذا لا يكون الفرد خاضعا لمنع وكتم وإرغام، بل لنظام حواري يفهم منه أنه في كل مراحل التحرر والانعتاق ثمة نظم ضابطة لسيرورة الاجتماع وإعادة فهمه وبنائه باتجاه الأفضل.

مرحلة جديدة من الرقابة

عقدت مفوضة التربية في الاتحاد الأوروبي فيفيان ريدينغ اجتماعاً متعدد الأطراف في بروكسل، سبتمبر 2007، وضم جميع المديرين والتنفيذيين في محطات التلفزة الأوروبية. وتناول الاجتماع مجمل قضايا تتعلق بالمواد التي تبث على الفضائيات العربية ومراقبتها من قبل موظفين متخصصين يعينهم الاتحاد الأوروبي.

وقد كلّفت مراكز أبحاث بذلك، فضلا عن الأفراد، وحددت فضائيات «المنار» اللبنانية و«الجزيرة» السعودية وقناة «العالم» الإيرانية وقناة «اقرأ» السعودية لتخضع لرقابة مفوضية التربية في الاتحاد،وأقر أحد مدراء التلفزيون الألماني بعدم وجود معايير واضحة في الاتحاد الأوروبي لضبط البث التلفزيوني وأن هذا ما حدا بالاتحاد لعقد اجتماع لتوحيد معايير البث في ـ ومن ـ الاتحاد الأوروبي.ما دفع الكثير من المهتمين بالشأن الإعلامي في العالم إلى التخوف من ولادة مرحلة جديدة من الرقابة والسيطرة على وسائل الإعلام وحرية إبداء الرأي.

منذ نهاية الستينات كان يُطْلَب من كتّاب الأغاني والملحنين التركيز على نموذج «البنت السمراء» و«الرجل الأسمر» إشارة إلى نموذج سُلالي للعروبة، وقد برزت في هذه المرحلة، وهذه النقطة، المطربة سميرة توفيق وأغانيها عن «الشاب الأسمر» والبادية .

النخب الحمراء

أن أغلب الكوادر «المنفتحة والليبرالية» لا تعرف شيئاً عن تاريخ الإسلام السياسي إلا ما تتناقله وسائل الإعلام. تماماً كما حدث مع الإعلام الإيديولوجي، أيام الحقبة الماركسية، حيث لم تكن النخب الحمراء، آنذاك، على دراية بمجتمعها الديني الواسع أن ما نشهده الآن هو مرحلة انتقال من احتكار الدولة الوطنية للمعلومات إلى احتكار الإعلام المستقل لها، وبين الاحتكارين ستختفي نماذج وتولد أخرى، باتجاه تكوين أرضية معرفية تخفف من التوظيف السياسي للإعلام المستقل، وباتجاه إعادة صوغ مؤسسة الرقابة بما يحولها من نظام حجب إلى جدل.

الفضاء الخاص

يبدو أن قاعدة التشاؤم النظري هي التي تحكم دراسة كهذه، ونفياً لهذه الصورة غير المتعمدة تنبغي الإشارة إلى ما يمكن تسميته جماليات الفضاء الخاص وهي تبرز في شكل أساس عبر تحطيم دائرة الاحتكار الرسمي والأجنبي للخبر وغيرت من قدرته على التأثير وقلبت المعايير في هذا الشأن.