«ايرلندا، سياسات العداء 1789-2006» كتاب يوحي تاريخ الفترة التي يدرسها ابتداء من عام 1789 أن هناك علاقة بين التاريخ الايرلندي والثورة الفرنسية الكبرى التي حدثت في تلك السنة. وهذا ما يؤكده المؤلف ـ المؤرخ بالفعل عندما يرى أنه كان لتلك الثورة آثارا كبيرة على المجتمع الايرلندي. ذلك أن سنوات التسعينات من القرن الثامن عشر شهدت ولادة النزعة الجمهورية الايرلندية.
ومنذ تلك الفترة تحددت المعالم، الخطوط العريضة ، لما ستكون عليه الحياة السياسية الايرلندية لاحقا. ويرى المؤلف أيضاً أن سنوات التسعينات من القرن الثامن عشر شهدت أيضاً ولادة مقاربة جديدة لأيرلندا مع النخب السياسية البريطانية وبرزت فكرة أن الكاثوليك في ايرلندا يمكنهم خدمة لمصالح الإستراتيجية البريطانية.
وفي عام 1800 تحديدا جرى توقيع صك التوحيد الذي ألغى البرلمان الايرلندي السابق وجمع بريطانيا وايرلندة في مصير واحد. كانت انجلترا تسعى بذلك إلى إبعاد شبح أية عدوى ثورية بعد قيام الثورة الفرنسية الكبرى.
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن عام 1798 شهد ولادة منظمة الايرلنديين المتحدين برئاسة وولف تون . وكانت ذات طابع شبه عسكري وأعلن حركة تمرّد ولم تترد في طلب المساعدة من الفرنسيين، لكنها فشلت في مراميها، وكان لا بد من انتظار عام 1848 لقيام منظمة ثورية أخرى تحت اسم «الشباب الايرلنديين » والتي كان مصيرها الفشل أيضا.
لكن فشل المتمردين على الأرض الايرلندية لم يمنع الايرلندي «جون اوماهوني» من تأسيس حركة الـ «فينيان» في نيويورك حيث كان النصف الأول من القرن التاسع عشر قد شهد حركة هجرة كبيرة من ايرلندة وانكلترا إلى الولايات المتحدة الأميركية.
تسمية الـ «فينيان» هذه تعني المحاربين الايرلنديين في فترة ما قبل التاريخ . كان أعضاء تلك الحركة من المهاجرين الايرلنديين يحلمون بـ «استقلال ايرلندا». هكذا بدوا بمثابة الروّاد الأوائل الذين تعود إليهم الجذور البعيدة للجيش الجمهوري الايرلندي.
ويشرح مؤلف الكتاب أن قيام تلك المنظمات والحركات ذات الطبيعة الثورية والداعية للتمرد لم يكن بعيدا في واقع الأمر عن المأساة الكبيرة التي عاشها الايرلنديون خلال السنوات الأربع الأخيرة من سنوات الأربعينات في القرن التاسع عشر حيث شهدت بلادهم مجاعة كبيرة ذهب ضحيتها مليون ايرلندي.
ويرى المؤلف أن الحرب الانفصالية في أميركا 1861- 1865، أي الحرب الأهلية، شكّلت منعطفا كبيرا بالنسبة لأيلرلندا، ذلك أنه كان يوجد في إطار الفريقين الأميركيين المتحاربين وحدات كاملة من الايرلنديين المتدرّبين على القتال . هكذا ما إن انتهت الحرب الأهلية الأميركية حتى شهدت ايرلندا في عام 1867 انتفاضة لمجموعات من حركة الـ «فينيان» الذين اعتقدوا، بـ «سذاجة» كما يشير المؤلف، بالحصول على الشرف في ساحة الحرب .
لكنهم لم يستطيعوا تعبئة سوى 2000 بندقية بحيث استطاعت القوات الانكليزية أن تسحقهم بسهولة. تجدر الإشارة إلى أن مؤلف هذا الكتاب يجد مرجعياته كثيرا في تحليل فترة نهاية القرن الثامن عشر في ايرلندا بكتابات ادموند بيورك ، الذي أكّد أن المصالح البريطانية يمكن أن يجد ما يدفعها إلى الأمام في ايرلندة بواسطة تبنّي سياسة واضحة حيال الكاثوليك .
إن المؤلف يعتمد في تحليلاته على العديد من الأطروحات الجامعية والمخطوطات والصحف والمجلات والدوريات ، وذلك في محاولة لـ «إعادة بناء» الأسس التي تقوم عليها النقاشات الراهنة. ويركز أيضاً على ضرورة طرح المشاكل ضمن سياقها التاريخي بالاعتماد خاصة على مختلف الأراشيف المتوفرة.
وضمن هذا السياق التاريخي بدت انتفاضة 1867 بمثابة التحدي الحقيقي الكبير الأول ضد السلطة المركزية في لندن، هذا رغم فشل تلك الانتفاضة التي تبعتها سلسلة من الحركات اللاحقة والتي كانت بنفس الوقت ذات التعبير المزدوج لـ «صراع الطبقات» و النضال من أجل الاستقلال .
وقد تمثل بعدها الطبقي في كون أن أغلبية المتمردين كانوا من الفلاحين الإيرلنديين بينما كانت السلطة الانجليزية وحلفاؤها في ايرلندا من الملاّكين .واعتبارا من أواخر القرن التاسع عشر تبنّى الجمهوريون الايرلنديون صيغة النضال المسلّح . وتوالت عندئذ التفجيرات في العديد من المدن الانجليزية مما كان له مفعول مزدوج. فمن جهة فقد انفصلت شرائح من الإيرلنديين من أنصار النضال السلمي عن الحركة، وزادت من جهة أخرى المعارضة داخل بريطانيا لفكرة الاستقلال الذاتي .
ويفتح المؤلف في هذا السياق قوسين كي يشير إلى منعطف في الحياة السياسية البريطانية من خلال التأكيد على أهمية العمل البرلماني ، مع الإشارة إلى الدور الرائد الذي لعبه شارل بارنيل، وهو سليل أسرة بروتستانتية من الملاّكين، والذي كان عضوا في مجلس العموم البريطاني عام 1873. ولكن لم يكن مثل هذا العمل البرلماني ، ومهما كانت درجة مطالبته بـ «الاستقلال الذاتي» يُرضي المطالبين بالاستقلال.
في مثل ذلك السياق بدأ الشرخ الطائفي بين الكاثوليك والبروتستانت بالتبلور. لقد انضوى الكاثوليك تحت لواء العلم الوطني والمطالبة بالاستقلال مما جعل البروتستانت يتعبئون في معسكر الموالاة لبريطانيا. ومثل هذا الانقسام الحاد بين الطائفتين هو الذي يشكل اليوم موضوع التناقض الرئيسي في ايرلندا الشمالية.
وفي عام 1921 أدّت حرب الاستقلال إلى قيام دولة ايرلندة الحرة . لكن بقيت هناك أقلية بروتستانتية هامة في شمال البلاد تؤيد التوحيد مع انكلترا. هكذا قبل مايكل كولانس ، زعيم الثورة الايرلندية لعام 1921 بتقسيم الجزيرة، وقد اغتيل عام 1922.
وبعد تقسيم ايرلندا عام 1921 بين ايرلندا جنوبية كاثوليكية وايرلندا شمالية بروتستانتية ، عرفت البلاد مجموعة مجابهات مسلّحة، خاصة في الشمال الممزق بين رغبة الاستقلال والبقاء في الإطار البريطاني .
الكتاب: ايرلندا سياسات العداء (1789-2006)
تأليف: بول بوو
الناشر: جامعة اكسفورد 2007
الصفحات: 632صفحة
القطع: المتوسط
Ireland، the politics of enmity 1789-2006
Paul Bew
Oxford University Press
London 2007
P.632
