المدرسة الحلوية في حلب هذا هو السهروردي

المدرسة الحلوية في حلب هذا هو السهروردي

تقع المدرسة «الحلوية» تجاه الباب الغربي للجامع الأموي في حلب، وكانت تُعرف بـ «الكنيسة العظمى». وقد حوَّلها القاضي «أبو الحسن الخشاب» إلى مدرسة بعد أن قام الإفرنج ـ حسب ابن شداد في «الأعلاق الخطيرة» ـ بنبش قبور المسلمين سنة 1124م ، وجعلَها لتدريس مذهب أبي حنيفة.

كان في حلب آنذاك أكثر من سبعين هيكلٍ للنصارى، ومنها الهيكل المعظَّم في هذه المدرسة ـ الكنيسة، والذي قامت ببنائه (هيلاني) أم قسطنطين باني القسطنطينية ، وهي التي بنت كنائس الشام كلِّها بما فيها «بيت المقدس».

إنَّ من يدخل المدرسة الحلوية يجد على يمينه قاعدةً ضخمةً من الحجر الأسود، الذي هو جرن العمودية الأصلي للكنيسة، وعليه الصليب الغساني السرياني وقد نُقشت عليه صلبان وبعض العبارات السريانية، وقد تشوَّهت كتابتها بحيث يتعذَّر قراءتها. يلي ذلك دَرَجٌ ضيِّق ينحدر بسرعة إلى باحة المدرسة.

وهي تكاد تكون مربَّعة الشكل يحيط بها قاعات للدراسة كانت تستعمل قديماً لتعليم الفقه الحنفي، ويُعتبر كلٌّ من المدخل والدرج والباحة والقاعات من العهد العربي الإسلامي، والباحة تفضي في وسطها من جهة الغرب إلى مسجدٍ مربَّعِ الشكل، تعلوه قبَّة.

وتحيط به من جهة الجنوب، والغرب، والشمال، قاعاتٌ إضافية أُلحقت به على نمط إيوانات البيوت القديمة. والقبَّة فيه حالياً هي من فن (النحت) العربي الإسلامي، لكنَّها تعطي انطباعاً عن قطر القبَّة البيزنطية المتعارف عليه، لأنَّ كلتي القبَّتين تنطلقان من الركائز الأربع الضخمة التي تحدُّ المسجد، وتعلوها القبَّة المستديرة.

كما أنَّه كان في وسط مذبح الكنيسة ـ المدرسة الحلوية ـ كرسيٌ ارتفاعه أحدَ عشر ذراعاً من الرخام الملكي الأبيض، قيلَ إنَّ المسيح(ع) جلس عليه لما دخل حلب(!!!) وقيلَ أيضاً إنَّ الحواريين دخلوا هذا الهيكل !. أمَّا القاعة الملحقة بالمسجد ـ المدرسة؛ فهي بشكل نصف دائرة تحدُّها ستَّة أعمدةٍ رخامية، تعلوها قبَّة نصفية، ويُلاحظ شَبَهٌ بين تيجان وأعمدة الكنيسة العظمى، وما بين أعمدة كنيسة «مار سمعان العمودي» التي تعصف بها الرياح الآن.

وممَّن حَلوُّا في المدرسة الشيخ القتيلُ «السهروردي» ؛ وكان افتخار الدين يومها قاضي الحنفية ومديراً للمدرسة الحلوية، ولمَّا دخلها السهروردي كان رثَّ الثياب، وحاله حال من زهد الدنيا، فتألَّم لوضعه القاضي افتخار الدين ، فاشترى على الفور له ثياباً جديدةً وهو لا يعرفه، وأرسلها للسهروردي مع ابنه، فلما قرَعَ عليه الباب فتح له ووجد في يديه ثياباً جديدة، فاستمهل السهروردي ابن القاضيَ افتخار الدين على البابِ حتى عاد إليهِ وهو يحملُ بيده جوهرةً(هي فصٌّ من حجرٍ كريم) لا تُقدَّرُ بثمنٍ.

وقال له: اذهب إلى السوق وقَدِّر ثمنها ولا تَبِعْها حتى تشاورني كي أدفع ثمن الثياب.. ولمَّا عرضَ ابن القاضي الجوهرةَ على تجَّار الذهب في حلب دفعوا بها ثمناً وصل إلى (25) ألف درهم، وهو مبلغٌ كبير وقال له: هل أبيعها؟.. فتناولها منه السهروردي وأتى بحجرٍ وكسرَ الجوهرة الثمينة هذه ونثرها في الهواء.

وقال لابن القاضي مدير المدرسة الحلوية: قل لوالدِكَ بأنَّنا لو كُنَّا نريد الدنيا فإنَّنا نملكها، خُذِ الثياب وَوَلِّي. حينها وصل خبر الجوهرة للملك غازي بن صلاح الدين الأيوبي؛ فطلبَ القاضيَ وقال له: سمعتُ أنَّ جوهرةً ثمينةً عُرضت في سوق حلب أريدها لي، أريد أن أشتريها. فأجابه القاضي: إنَّها يا مولاي لدرويشٍ حلَّ في المدرسة الحلوية. وحكى للملك غازي كيف كسَّرها هذا الدرويش. فقال الملك غازي بن صلاح الدين الأيوبي: إِنْ صدقَ ظني فهذا هو السهروردي.

أنور محمد

تعليقات

تعليقات