ازدهرت في الآونة الأخيرة موضة الكتابات الانطباعية عن النصوص الأدبية أو اللوحات التشكيلية أو العروض المسرحية والسينمائية وجلها انطباعات سريعة تشبه فورة العواطف في المراهقة المبكرة، لذلك يعزى تأخر الكتابة العربية عن مثيلتها الغربية إلى غياب النقد. وعن غياب النقد يمكن أن نفتح محاور وندوات قد لا تنتهي بتلك السهولة، لأن النقد حاضر بشكله، غائب بفعله.

إن عشرات بل مئات الكتب النقدية تتكدس على أرفف المكتبات ولكن معظمها كتب أكاديمية المنهج تكرر ذاتها أو تعيد إنتاج مصطلحات مدرسية، فما فائدة النقد إذا لم يكن دافعاً للتغيير، دليلاً إلى الأخطاء. لكن للأسف إن كتب النقد معظمها مصدرها مؤسسات تعليمية أو أكاديمية مما يصنفها في خانة الكتاب المدرسي التعليمي، وكثيراً ما لا تجد تلك الكتب طريقها للعرض!

كما إن الانتصار لما هو جدي وحقيقي وجديد في عالم النشر وإعطاء الأولوية للكتب الجيدة يعني إلغاء المحسوبيات وإسقاط اصطفافات الفكر، ويعني أن عشرات الكتب المفيدة نقدياً سترى النور في المكتبات ولسوف تتراجع كتب المدرسة إلى مكانها الطبيعي ولن تزاحم لتكون بديلاً لكتب النقد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

وعلينا أيضاً ألاّ ننسى أن كتاب الانطباعات سيتحولون إلى نقاد وسيطرحون في هذا الحقل كتبهم السريعة ـ والتي ترعاها مؤسسات حكومية أحياناً ـ ليأخذوا مكاناً ليس لهم على الخارطة المعرفية، ومن ثم يذهبون إلى مؤتمرات وحلقات نقاش وورش عمل فتجدهم يثرثرون فيها وكأنهم في مقهى لتتحول تلك الثرثرات إلى نصوص مطبوعة وموثقة بآلاف النسخ.

ما نعاني منه فعلياً هو غياب الكتاب النقدي الذي يمتلك مصداقية في الطرح وتطبيقية في الفهم، على شاكلة هذا هو النص وهذا ما يقابله من نقد علمي منهجي جديد، لا إعادة واجترار أو تكرار فيه. بحثاً عن تلك الصيغة سيطول انتظار المكتبة العربية في ظل الاستهلاك والإيقاع السريع لعصر يسابق الريح ليترك بصمته على التاريخ.

لقد اتخمت المكتبة بتلك النوعية من كتب الانطباعات السريعة والشروحات المدرسية، واتخمت الندوات بالمتسرعين في النشر الطامحين إلى الشهرة والذين يرون مستقبلهم في مدح السلطة والتقرب منها والالتصاق بكل ما تصدره ومباركته والتطبيل له بحيث تضيع المعايير ويصبح هؤلاء (النقاد) هم من تثق بهم الحكومات لتمرير ثقافتها.

hussain@albayan.ae