لم تغن مطربة عربية الشعر العربي كما غنت أم كلثوم، وحينما نعود إلى قصائدها المغناة نجد أنها كانت الرائدة الوحيدة تقريباً التي لعبت دوراً مزدوجاً في تطوير أداء الفن الغنائي إلى جانب خدمتها الأساسية في التعريف بشعراء لولاها لما عُرفوا، أمثال جورج جرداق بأغنية (هذه ليلتي) والأمير عبد الله الفيصل (ثورة الشك) والهادي آدم (أغداً ألقاك)... إلخ.

وعلى الرغم من سمعة شعراء الكلاسيكية فإن الأذن العربية في الشارع الموسيقي لم تكن قد عرفتهم لولا أم كلثوم أيضاً التي منحتهم بطاقة مرور شعبية أمثال أبي فراس الحمداني، والشريف الرضي، وابن الفارض، وعمر الخيام برباعياته التي ترجمها أحمد رامي.

وكان لأم كلثوم دور مهم في التعريف بأعلام الشعر العربي في القرن العشرين وتقديمهم للمستمع الذي استمتع بإبداعهم الشعري، وتجلي أم كلثوم في جمال الأداء لقصائد الشعراء، أمثال شوقي وإبراهيم ناجي، وأحمد رامي.

لقد كانت وسيطاً مهماً في تقريب أمهات القصائد العربية للذائقة السمعية لعامة الناس، وكانت تحقق معادلة صعبة جداً بين عمق القصيدة، وتميز اللحن، والانفراد في الجمع بين طرفي المعادلة، إضافة إلى التفرد في أسلوبية التعامل مع الأذن العربية، وقد حرصت وهي تتناول القصيدة العربية القديمة والحديثة أن تكون بمستوى الشعراء وهم مجتمعون متحسسة مفرداتهم التي تعاملت معها بالكثير من الدقة والخصوصية حتى استبدلت العديد من الكلمات التي لا تمتلك غنائية النص أو قد تشكل خللاً أدائياً.

وقد استطاعت بهذا الوعي الشعري الغنائي أن تضيف إلى تلك القصائد روحاً جديدة، تتناسب مع كل العصور، وتبنت فلسفة القصيدة إن صح تعبيري، حتى وهي تنقل لنا رباعيات الخيام في كل ما طرحه من فلسفة وجودية قديمة أصبحت معاصرة، في طار النظريات الفلسفة للقرن العشرين.

لا تشغل البال بماضي الزمان

ولا بآتي الغيب قبل الأوان

واغنم من الحاضر لذاته

فليس من طبع الليالي الأمان

إن الاختيارات الشعرية الدقيقة لسيدة الغناء العربي قد خدمت الشعر برمته وعملت على تقريب أمهات القصائد لذائقة الشارع الطربية، وبذلك رفعت مستوى هذه الذائقة، وأخضعت الثيمات الشعرية للنغمة الموسيقية بسرعاتها المختلفة، وأكدت عملياً أن الشعر العربي بكل بحوره الطويلة والقصيرة يمكن أن يتوافق ويتجانس مع الموسيقى، تأكيداً إلى كل ما ذهب إليه المنظرون في الشعر العربي.

abdulelah_q@hotmail.com