تقع «شينغ يانغ» التي يشكل تاريخها موضوع هذا الكتاب، في أقصى شمال غرب الصين. كانت تُدعى سابقا بـ «تركستان الصينية». أغلبية سكانها هم من اثنية الاويغور المسلمة.
ومن هنا يعتبرها جيمس ميلوارد، مؤلف هذا الكتاب، أنها من أكثر المناطق الصينية حساسية على الصعيد السياسي حيث إن السلطات المركزية في بكين تساورها الظنون أن حركة قوية داعية للاستقلال عن الصين تمارس نشاطاتها في هذه المنطقة. وما يتم تأكيده هو أن هذه المنطقة تشهد حالة من عدم الاستقرار خلال العقدين الأخيرين.
ويقوم المؤلف أولا بعملية توصيف لهذه المنطقة حيث نعلم أنها أحد المناطق الخمس الصينية التي تتمتع باستقلال ذاتي داخل إطار جمهورية الصين الشعبية . تبلغ مساحة شينغ يانغ 800 646 1 كيلومتر مربع، ويبلغ طول حدودها 5400 كيلومتر، إنها باختصار تغطّي سدس مساحة الصين.
ومنطقة شينغ يانغ يتم تقديمها على أنها أحد أكثر المناطق الصينية ازدهارا على الصعيد الاقتصادي إذ تستفيد من واقع جوارها الجغرافي مع جمهوريات آسيا الوسطى، وخاصة جمهورية قزخستان أكثر هذه الجمهوريات ازدهارا.
وتتم الإشارة في هذا الإطار إلى التنشيط الكبير الذي شهدته المبادلات التجارية بين الصين وجمهوريات آسيا الوسطى خلال السنوات الأخيرة حيث يسعى الصينيون خاصة إلى تأمين تزوّدهم بالبترول والغاز من قزخستان واوزبكستان. ومثل هذا النشاط الاقتصادي مرشح للاستمرار والازدهار خلال السنوات القادمة.
دعاة الانفصال عن الصين يصرّون على تسمية المنطقة المعنية بـ «تركستان الشرقية» . وأغلبية السكان يتحدثون اللغة التركية، وإذا كان السواد الأعظم من السكان هم من اثنية الاويغور فإن هناك أيضا أقليات قزخستانية وقرغيزية وتاتار وطاجيق وغيرهم. ويقارب عدد المسلمين 11 مليون نسمة بينما هناك 9 ملايين تقريبا من الهانس الصينيين. هؤلاء الصينيون يشكلون الأغلبية الساحقة في المدن حيث كانت أعدادهم قد بدأت بالتزايد اعتبارا من أواسط القرن الماضي العشرين .
وكانت منطقة شينغ يانغ قد عرفت موجات عديدة من الاستعمار بحكم موقعها الجغرافي الذي جعلها ممرا إجباريا في عدة اتجاهات. إنها محاطة بالتيبت وروسيا وقزخستان وقرغيزستان وطجقستان وأفغانستان وباكستان، الخ.
بكل الحالات، وبعد فترات متعاقبة من الخضوع لغزاة خارجيين ومن الاستقلال غدت شينغ يانغ اعتبارا من عام 1949، أي منذ انتصار الشيوعيين في الصين بقيادة ماو تسي تونغ، جزءا من جمهورية الصين الشعبية. وبعد أن استعادت الصين هذه المنطقة قامت بـ «إعادة ترسيم حدودها» حيث جرى ضم بعض أراضيها إلى مناطق صينية مجاورة. وذلك في محاولة لتعزيز الرقابة المركزية الصينية على شينغ يانغ.
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى التجارب النووية التي قامت بها الصين منذ عام 1961 في المنطقة وترتب عليها تخريب كبير للبيئة وتلويث للتربة والمياه وأضرار كبيرة على مستوى صحة البشر. ولا يتردد المؤلف في القول إن ممارسات تتسم بـ «التمييز العنصري» قد كان ضحيتها السكان الذين تثار الشكوك حول تطلعاتهم الانفصالية .
ويتم في هذا السياق أيضا ذكر سلسلة من أعمال العنف التي تواجه فيها أنصار حركات سياسية داعية لهامش أكبر من الاستقلال الذاتي مع قوات الأمن التابعة للسلطة المركزية. كذلك يفتح المؤلف هنا قوسين للحديث عن «القمع» الذي عرفته المنطقة أثناء سنوات «الثورة الثقافية» التي أطلقها ماو تسي تونغ وكانت المعتقدات الدينية أحد الأهداف التي صبّت جام غضبها عليها. وكانت الثورة الثقافية الصينية قد قررت نشر تعاليم ماو تسي تونغ كبديل لجميع المعتقدات الأخرى.
لكن ما يتم التأكيد عليه في العديد من شروح هذا الكتاب هو أن شينغ يانغ غدت اليوم موقعا يلتقي فيه رجال الأعمال من بلدان المناطق المجاورة كلها، وخاصة من كبار التجار والمقاولين الصينيين الذين يتطلعون إلى تعزيز «تجارتهم» وأعمالهم مع بلدان آسيا الوسطى، الشيوعية حتى انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، هذا خاصة أن منطقة شينغ يانغ تشتهر بوجود أسواق تجارية كبيرة، لاسيما سوق ـ بازار ـ مدينة تاشغار ، الذي يمثل أحد أكثر الأسواق الصينية نشاطا.
وكانت شينغ يانغ قد شهدت منذ عدة سنوات عملية بناء هائلة للبنى التحتية الأساسية في أفق أن تصبح ملتقى طرق حقيقيا بين أوروبا الغربية والصين.
ثم من المعروف أنها كانت إحدى المحطات الأساسية على «طريق الحرير» سابقا. ويكرس الكتاب عدة صفحات للحديث عن المكانة التي اكتسبتها المنطقة خلال مسيرتها التاريخية.
الكتاب: مفترقات طرق أوروبية ـ آسيوية تاريخ شينغ يانغ
تأليف: جيمس ميلوارد
الناشر: جامعة كولومبيا 2007
الصفحات: 352صفحة
القطع: المتوسط
Eurasian crossroads : a history of Xing Iang
James A. Milward
Columbia University Press 2007
P.352
