«النزاع على السلطة» كتاب جديد لـ «تييري وينغفيلين» عن نساء وصلن إلى عروش أوروبا في الفترة الواقعة بين أواسط القرن الخامس عشر وبدايات القرن السابع عشر.
عدد هؤلاء النساء هو بالتحديد ثلاثة وثلاثين اعتلين العروش كملكات أو أميرات أو وصيّات وتجاوزن بذلك القواعد السائدة في عصرهن حيث كان الرجال هم الذين توكل إليهم مقاليد السلطات في بلادهم، وذلك في إطار مجتمعات ذكورية كرّست لقرون طويلة قيم الحرب والفروسية. وكرّست الكنيسة أيضا نفس القيم عمليا.
ويلفت المؤلف الانتباه منذ البداية إلى أن هؤلاء النساء وصلن إلى قمة السلطة في البلدان الأوروبية الأكثر تنظيما و الأكثر توحيدا مثل فرنسا وانكلترا واسبانيا وهولندا والنمسا.
ودخلن تاريخ بلادهن بحيث أصبحن حتى اليوم رموزا بارزة في ماضي هذه البلدان، كما هو الحال بالنسبة لـ «كاترين وماري دو ميديتشي» و اليزابيت الأولى و مرغريت النمساوية و ماري الهنغارية ـ المجرية ـ ، وغيرهن. القاسم المشترك بين هذه النسوة هو بالتحديد خوض تجربة الحكم . وتميّز بعضهن بصفات رجل الدولة مثل كاترين دو ميديتشي.
تتوزع مواد هذا الكتاب بين ثلاثة أقسام رئيسية تحمل العناوين التالية: عصر النهضة في مواجهة النساء والنساء على رأس السلطة و النوع النسائي والسلطة . ويقدم المؤلف في القسم الأول توصيفا لـ «الحالة العيانية» التي كانت تعرفها النساء في مجتمعات الفترة المدرسة حيث كان دورهن يتراوح بين ربّات البيوت إلى النساء الخاضعات .
وفي تلك الفترة كانت النساء تكتفي، عادة، بالحصول على بعض النفوذ وخاصة بالنسبة لنساء النّخب الرجالية حيث كان دور النساء يتراوح بين التأكيد على الوجود وبين التلاشي التام أمام دور الرجل. بكل الحالات كانت المرأة تستمد سلطتها من الهامش الذي يتركه الرجل لها.
وبعد أن يدرس المؤلف ما يسميه بـ «النزعة الذكورية» المسيطرة وشيوع نوع من المشاعر المعادية للنساء ، يكرّس عددا من الصفحات لتحليل الآليات القانونية التي كانت سائدة في أوروبا آنذاك فيما يتعلق بحقوق التملك والميراث وحيث يؤكد أنها كانت تتمتع بعدد لا يستهان به من الحقوق.
لكنه يفتح في هذا السياق قوسين لدراسة الاستثناء الفرنسي حيث كان يتم تطبيق ما هو معروف تحت اسم قانون الافرنج أو شريعة الافرنج وما يدل على قانون فرنسي قديم كان يمنع النساء من تملّك الأرض بالميراث والصعود إلى العرش الملكي. هذا القانون كان، ولا يزال، موضوع العديد من الدراسات الخاصة بدور المرأة في التاريخ الأوروبي.
إن مؤلف هذا الكتاب يقوم بدراسة مقارنة لنماذج الحكم النسائي التي عرفتها بلدان أوروبية عديدة ليبيّن مدى قبول وجود امرأة آنذاك على رأس السلطة، ولكن أيضل حدود تلك السلطة.
ويخلص من هذا كله إلى القول أن أوروبا قد شهدت ما بين القرن الخامس عشر وبدايات القرن السابع عشر بروز نوع من «الهوية» النسائية ولكن بنفس الوقت زادت الواجبات الاجتماعية الملقاة على عاتقها.
بتعبير آخر زادت بنفس الوقت حدّة تبعيّة المرأة للرجل. وبهذا المعنى لم يكن وجود النساء على العرش في العديد من البلدان الأوروبية سوى «واجهة» بقي القرار خلفها بيد الرجال.كما يؤكد المؤلف أن دونية مكانة المرأة بالقياس إلى الرجل قد تعززت ، ويعيد هذه الظاهرة تحديدا إلى تعاظم نفوذ رجال الكنيسة، وبدأ عصر النهضة أكثر ذكورية ـ بطريركية من العصور الوسطى التي سبقته.
هكذا وعلى الرغم من أن المؤلف يسمّي 33 امرأة وصلت إلى السلطة في أوروبا ما بين عام 1470 وعام 1630 تحديدا، فإنه يؤكد بنفس الوقت على أنه ومهما تباينت تجارب النساء المعنيات في الحكم ومهما كانت درجة النجاح التي استطعن تحقيقها فإنه كان عليهن مواجهة مفهوم لـ «السلطة الملكية» أكّد على قيم الحرب وعلى القوة البدنية بحيث أن الرجال فقط كانوا يستطيعون وحدهم ممارستها.
وكان قانون الافرنج الذي طبقته فرنسا نتاجا مباشرا لمثل تلك القيم، كما يشرح مؤلف هذا الكتاب. ويقدّم المؤلف في هذا السياق العديد من الوقائع التاريخية التي تؤكد وجود مثل ذلك الواقع.
ويجد المؤلف أفضل تعبير عن مدى الاستغراب من وجود امرأة على رأس الحكم تلك الجملة التي قالتها سيدة بريطانية في لندن في مطلع سنوات 1650 وجاء فيها يا إلهي، الملكة هي امرأة . وكان ذلك أثناء احتفال رسمي حضرته الملكة اليزابيث الأولى التي كانت قد وصلت، مع ذلك، إلى العرش منذ عام 1558 والمعروفة بـ «رفعة أخلاقها» وبجمالها .
كان المألوف آنذاك هو أن تكون المرأة على هامش السلطة وليس على رأسها . كانت سلطتها مستمدة من الرجل . ويذكر المؤلف أن عددا من الرجال كانوا قد أزاحوا زوجاتهم على السلطة، ومثال ماري ستيوارت ليس الأقل شهرة. لذلك قررت اليزابيث الأولى عدم الزواج أبدا و الخضوع لرجل. فعدم زواجها كان الضمان الوحيد من أجل ممارستها الفعلية للسلطة .
الكتاب: النزاع على السلطة، سيدات على عروش أوروبا في عصر النهضة
تأليف: تييري وينغفيلين
الناشر: بايوت باريس 2008
الصفحات: 494 صفحة
القطع: المتوسط
Le pouvoir contesté, souveraines d'Europe à la Renaissance
neleffgenaW yrreihT
8002 siraP -toyaP
494.P
