«ألمانيا قوة بطور التبدّل» كتاب ينطلق مؤلفه من مقولة إن ألمانيا لا تزال حتى اليوم تحت وقع عملية إعادة توحيدها بعد سقوط جدار برلين، وبالتالي هي قوة بطور التبدل .
بتعبير آخر إن ألمانيا لا تزال تبحث عن نفسها ، وهي مدفوعة حكما نحو إعادة النظر بنموذجها ـ موديلها ـ السياسي والاجتماعي على ضوء الواقع الجديد الذي خلقته عملية إعادة التوحيد نفسها وفرضته أيضا تحديات العولمة . وإذا كانت ألمانيا قد غدت أمة واحدة من جديد فإنها لا تزال تواجه العديد من المهمات الصعبة.
ويرى المؤلف أن التوجهين الأساسيين اللذين تستلهم منهما ألمانيا صياغة نموذجها الجديد يتمثلان على الصعيد الداخلي بالتأكيد على الاقتصاد الاجتماعي للسوق ، وذلك بمعنى عدم المساس بالمكتسبات الاجتماعية للشعب، وعلى الصعيد الخارجي بالالتزام الصارم بأوروبا وب«الإطار الأطلسي» الذي تقوده الولايات المتحدة. وهي توظف من أجل ذلك قوة اقتصادها الذي يتصدّر من جديد على صعيد القارة الأوروبية كلها مع تعزيز دورها على الصعيد العالمي.
أما مؤشرات التبدل والإصلاحات في ألمانيا فيجدها المؤلف في واقع معدّل النمو الاقتصادي الكبير والتراجع الكبير بنسبة العاطلين عن العمل وتحقيق فوائض تجارية ضربت أرقاما قياسية وانخفاض كلفة العمل وارتفاع دخل الفرد وتنامي النشاط العلمي .
إن مؤلف هذا الكتاب يحدد ثلاثة مظاهر أساسية تنمّ عن عمق التبدل الذي تشهده ألمانيا في السياق الدولي الراهن الدقيق. المظهر الأول يتعلق بإعادة تعريف مفهوم العدالة الاجتماعية بحيث يتم التأكيد على المسؤولية الفردية للمواطنين بحيث يشارك الجميع في صيانة المكتسبات الاجتماعية المحصّلة.
أما المظهر الثاني فيتعلق تحديدا برفع المحظور العسكري الذي كان قد جرى فرضه على ألمانيا، و فرضته هي على نفسها ، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بحيث أن لا يمتلك أيه قوة عسكرية سوى للمحافظة على الأمن والنظام وأن لا تشارك في أي عملية عسكرية خارجية.
إن ألمانيا وعبر انخراط بعض جنودها في إطار مهمّات دولية خارجية، في أفغانستان وغيرها، إنما قامت عمليا ب«قطيعة» مع ما يسميه المؤلف ب«ثقافة التحفظ والإحجام الدبلوماسي» وأكّدت بالمقابل على ثقافة الاستقلال . بهذا المعنى يرى المؤلف أن تبدّلا كبيرا يجري في العمق بألمانيا.
ذلك أن العناصر الأساسية التي قامت عليها الهوية الألمانية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، أي التأكيد على التحفّظ الدبلوماسي وعلى الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي كما على التنظيم الفدرالي ، هي الآن أمام امتحان صعب .
وما يؤكده المؤلف في هذا السياق هو أن التجديد الذي تشهده ألمانيا سوف تكون له نتائجه على الصعيد الأوروبي كله، بل وعلى الصعيد العالمي. ذلك أن هذه البلاد سيكون لها دور أكبر في قضايا العالم نظرا لموقعها المركزي في أوروبا ولنهوضها الاقتصادي، وخاصة التجاري، الكبير مما يدل عليه واقع أن صادراتها قد زادت في عام 2006 بنسبة 7 ,13 بالمائة ثم هناك أيضا عامل وزنها الديمغرافي حيث يصل عدد سكانها اليوم إلى حوالي 83 مليون نسمة، أي أن ألمانيا هي اليوم في طليعة بلدان الاتحاد الأوروبي ديمغرافياً .
المظهر الثالث الذي يؤكد عليه المؤلف في الشروح التي يقدمها بهذا الكتاب هو بروز تحررها فيما يخص العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية، وحيث كان قولها لا للحرب الأميركية الأخيرة في العلاق نقطة اللاعودة عن طريق استقلالية القرار الذاتي الألماني، الأمر الذي كان له وجهه الآخر والمتمثل في رغبة ألمانيا تأكيد موقعها ك«قوة» ينبغي أن يكون لها حسابها فيما يخص قضايا العالم الأساسية.
بهذا المعنى يرى المؤلف أن الموقف الذي اتخذه المستشار الألماني السابق جيرهارد شرودر حيال الحرب ضد العراق قد حرر ألمانيا بشكل ما، مما كان يكبّلها ويحدّ من هامش حركتها في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
ويشرح المؤلف على مدى فصل كامل «طويل» أهمية ذلك الموقف، أو الفعل التأسيسي، الذي اتخذه شرودر، ونتائجه على توجهات السياسة الخارجية الألمانية كلها بعده. ويرى بوصول شرودر إلى السلطة في ألمانيا عام 1998 منعطفا بالقياس إلى التوجه الأوروبي ـ الديمقراطي المسيحي الذي تبنّاه سابقه هلموت كول.
ويفتح المؤلف في هذا السياق قوسين كي يشير إلى دور الأجيال في تحديد نوعية العلاقات الألمانية ـ الفرنسية، ويقصد بها أجيال كونراد اديناور وشارل ديغول و هلموت شميت وفاليري جسكار ديستان و هلموت كول وفرانسوا ميتيران و هلموت كول وجاك شيراك .
ويشير المؤلف بأشكال عديدة إلى مشاعر القلق الفرنسية التي ظهرت عند عملية إعادة توحيد ألمانيا بسبب التاريخ . هذا إلى جانب التأكيد على الصعوبة التي عرفها الحوار بين شطري ألمانيا وعلى الكارثة الاقتصادية التي ترتبت على إعادة التوحيد رغم ضخ ألمانيا الغربية لمبلغ 1550 مليار يورو.
مع ذلك يرى المؤلف أن ألمانيا قد نجحت في إعادة النظر بتاريخها القريب والأبعد بكثير من الصفاء . لقد تخلّصت باختصار من عقدة الذنب وتحوّلت بقوة نحو النظر إلى المستقبل ونحو التطلع إلى دور عالمي . وهذا بالتحديد ما كانت قد عبّرت عنه المستشارة الألمانية الحالية انجيلا ميركل عندما صرّحت في أول بيان حكومي لها بتاريخ 30 نوفمبر-تشرين الثاني 2005 قولها: لم تكن ألمانيا حرة بمقدار ما هي حرّة اليوم.
وهناك مؤشر مهم على ذلك يكمن في واقع أن عدد الجنود الألمان في الخارج يتراوح الآن، حسب السنة، ما بين 6000 و000 10 جندي مقابل 2700 جندي عام 1998، وهذا بشكل أحد المؤشرات على حالة النهوض الشاملة التي تشهدها ألمانيا. في المحصلة النهائية يصل المؤلف إلى القول إن ألمانيا تبدو أنها أكملت مرحلة التوحيد ولكن لا تزال هناك بعض المشاكل العالقة وليس أقلها التدفق الديمغرافي من شرق ألمانيا نحو غربها .
الكتاب: ألمانيا، قوة بطور التبدل
تأليف: جاك بيير غوجون
الناشر: غاليمار ـ باريس 2007
الصفحات: 522صفحة
القطع: المتوسط
Allemagne, une puissance en mutation
Jacques Pierre Gougeon
Gallimard - Paris 2007
P.522
